رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الحديث عن سوريا ربما غدا مملاً سماعه لغير السوريين، كون الحدث لا يحمل جديداً على صعيد تغير الخريطة الجغرافية بين اللاعبين الكبار والصغار على الأرض، فقد اتسمت مناطق سيطرة القوى المتصارعة بالثبات والاستقرار، مع حالة توتر مستمرة ومتواصلة على خطوط التماس، إذ إن القوى المسيطرة تظل تفتقر لمزيد من الأرض من أجل إشباع احتياجات سكانها، أو إشباع احتياجاتها العسكرية.
لكن حين نتحدث عن عام 2024 ربما ننطلق من ثلاثة أحداث وقعت في العام المنصرم ستُلقي بتداعياتها المهمة، وربما الجذرية على صورة عام 2024، وعلى رأس هذه الأحداث، انتفاضة السويداء المستمرة منذ شهر مايو/ أيار، والحدث الثاني هو رفع وتيرة النظام لتصدير الكبتاغون عبر الأردن الذي سعى للتطبيع معه، مما سيضر بعلاقاته الخارجية، أما الحدث الثالث فهو داخلي والذي تميّز بالعمل النوعي في قصف الكلية الحربية، وتمدد هيئة تحرير الشام صوب مناطق درع الفرات وغصن الزيتون الخاضعة للسيطرة التركية.
حين العودة إلى المبادرة الأردنية التي رمت إلى المصالحة مع النظام السوري من خلال بوابة الجامعة العربية، وتُوجت بمشاركة رأس النظام بشار الأسد في قمة الجامعة بالرياض، ولكن سريعاً ما تكشف للأردن صاحب المبادرة عن إصرار النظام السوري على مواصلة سياسته في تصدير المخدرات، والتي تضاعفت خلال الفترة الماضية مع العدوان الإسرائيلي على غزة، حيث أضاف إلى تهريبه المخدرات تهريب الأسلحة، والتي كان من بينها أسلحة تشكل خطراً حقيقياً على الأمن الأردني مثل قذائف مضادة للدروع من الأربي جي ونحوها، وهو الأمر الذي جعل مسؤولين أردنيين سابقين ونخبويين يدعون إلى إقامة منطقة عازلة بين الأردن والنظام السوري تصل إلى الثلاثين كيلو متراً لتجنب سياسة النظام في استخدام الأردن كمحطة ترانزيت للمخدرات وربما الأسلحة المتجهة إلى الخليج وتحديداً السعودية، وقد أعلن وزير الخارجية الأردنية أيمن الصفدي صاحب المبادرة الأردنية للتطبيع مع النظام بأن شحن المخدرات من مناطق النظام باتجاه الأردن قد زاد وتضاعف بعد المبادرة.
ومما زاد من التهديدات القادمة من سوريا على الأردن انتفاضة السويداء التي انطلقت في مايو/أيار الماضي وهو الأمر الذي يترتب على الأردن الاستعداد للتعامل مع مفاعليها، لاسيما وهي المتواصلة منذ أشهر، مما يعني أن المنتفضين مصرون على تحقيق مصالحهم بإسقاط النظام السوري، خصوصاً وأن جهود المصالحة فشلت في التقريب بينهما، أضف إلى ذلك أن المنتفضين من الأقلية الدرزية، مما يجعل استهدافهم بالطائرات والقصف متعذراً بخلاف ما يتعامل به النظام وحلفاؤه الروس والإيرانيون في قصف مناطق الشمال السوري السنية.
استمرار الانتفاضة وتطوراتها قد يؤدي إلى الوصل بينها وبين مناطق التنف التي تديرها الولايات المتحدة الأمريكية والتي تتعرض لضربات إيرانية بشكل شبه روتيني، بهدف بعيد المدى وهو إخراج الولايات المتحدة الأمريكية من سوريا، والاستفراد بها مع حليفها الروسي ودميتها النظام السوري، وفي حال حصول عملية الوصل هذه، فإنه سيُشكل تهديداً للنظام وحلفائه، وربما دفعاً لقوى وشرائح أخرى للتمرد على النظام، لكن ما افتقرت إليه انتفاضة السويداء هو عملية تواصلها مع قوى الثورة السورية، وتحديداً في الشمال السوري المحرر، على الرغم من إمكانية أن تلعب القرى الدرزية في إدلب دوراً في هذا التقارب، وهو الأمر الذي سيشكل بالتأكيد ضربة للنظام، وينزع عنه شرعيته في حماية الأقليات في سوريا.
أما الحدث الثالث الأبرز فهو ما تعرّضت له الكلية الحربية في حمص في 5 اكتوبر/ تشرين أول من العام المنصرم، حين استهدفت طائرة مسيرة خلال حفل تخريج للضباط في الكلية، مما أدى إلى مقتل أكثر من مائة شخص من الضباط وأقاربهم الذين أتوا للمشاركة في الحفل، وجرح حوالي 277 ضابطاً ومدنياً أيضاً من أقارب الخريجين، وقد ألقى النظام السوري وروسيا وإيران باللائمة على الفصائل الثورية المقيمة في إدلب، التي التزمت الصمت بدورها، وهو ما دفع النظام وحلفاءه إلى شن هجوم صاروخي وجوي مركز لأيام على المنطقة استمر لعدة أيام، أسفر عن سقوط قتلى وجرحى، والظاهر أن العملية فتحت الأعين على قدرات ليست سهلة وصلت إليها القوى الثورية في الشمال السوري المحرر، بحيث تنطلق مسيرات على بعد أكثر من 160 كم لتضرب أهدافاً بهذه الدقة، مما قد يشكل تغيراً كبيراً في المعادلة.
تزامن هذا كله مع التمدد الذي حرصت عليه هيئة تحرير الشام صوب مناطق السيطرة التركية، إذ لوحظ خلال الفترة الماضية تقارب معظم الفصائل الثورية المقيمة في المناطق الخاضعة للسيطرة التركية مع هيئة تحرير الشام، باستثناء جيش الإسلام وهو الأمر الذي سيجعل المناطق المحررة كلها تحت سيطرة مباشرة للهيئة، ويجعلها على تماس مباشر مع قوات قسد الكردية، مما قد يضعها أمام تحديات بالمقابل، ويبدو أن الحوكمة التي تدار بها مناطق إدلب شكلت رافعة مهمة، وسط الحاضنة الشعبية في المناطق الخاضعة للسيطرة التركية للهيئة ولنموذج إدلب، بالإضافة إلى مواصلة الهيئة عبر الديبلوماسية الناعمة الترويج لمشروعها إن كان من خلال المعارض التي تقيمها في المنطقة، أو من خلال استقبالها للوفود الأجنبية ممثلة بمنظمات أممية، كان منها وفود من الصحة العالمية، وبرنامج الغذاء العالمي وآخرين، وحتى استقبال غير مرة خلال العام الماضي السفير الأمريكي في دمشق سابقاً روبرت فورد، الذي اطلع على التجربة في الشمال السوري المحرر، مما يتناقض مع التصنيف الأمريكي لجبهة النصرة، وهو الاسم القديم لهيئة تحرير الشام على أنها منظمة إرهابية.
أمريكا التي تحرص عادة على تجديد عملية تصنيفاتها للمنظمات الإرهابية مع كل عام، نجدها قد غابت عنها إدلب والهيئة خلال السنوات الماضية، فضلاً عن توقف قصف مقرات الهيئة أو الجبهة لسنوات، بالإضافة إلى حرص مسؤوليها السابقين كفورد، والمنظمات الأممية، وحتى مراكز الدراسات الأمريكية، والصحفيين الغربيين على زيارة المنطقة بشكل مستمر دون أي عائق، وهو الأمر الذي يعطي انطباعاً بأن أمريكا ليست على عداء مع أنموذج إدلب. مستقبل سوريا عام 2024 مرتبط بشكل كبير في اللاعبين الكبار، الذين يتقاسمون الأرض السورية.
تحرير دمشق والنظريات التآمرية التي لا تنتهي
أتفهم حالات التشكيك بأي انتصار للأمة المستضعفة، فقد عاشت الأمة منذ وقت طويل حياة الانكسارات والهزائم والخيبات، حتى... اقرأ المزيد
1035
| 01 يوليو 2025
تفجير كنيسة مار إلياس.. لا عودة إلى الوراء
التفجير الإرهابي الإجرامي الذي استهدف يوم «الأحد الأسود» كنيسة مار إلياس في منطقة الدويلعة بالعاصمة دمشق، والذي راح... اقرأ المزيد
906
| 24 يونيو 2025
سوريا.. الجمهورية الثانية
في الثامن من ديسمبر/ كانون أول من العام الماضي، كانت سوريا والعالم العربي والإنساني على موعد جديد في... اقرأ المزيد
1557
| 17 يونيو 2025
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5811
| 23 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3105
| 24 سبتمبر 2026
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
2988
| 29 سبتمبر 2026