رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في المحاضرة التي ألقاها الصحافي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط باتريك سيل في "الجمعية البريطانية لدراسات الشرق الأوسط" تحت عنوان "حرب أمريكا على الإسلام" في الثامن عشر من شهر نوفمبر الجاري، جرى الحديث عن عدد من النقاط التي تنتهي إلى نتيجة واحدة مؤكدة وهي أن واشنطن في حرب حقيقية ضد الإسلام.
فقد أشار إلى أن الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأمريكي باراك أوباما في القاهرة معلنا فيه أن بلاده لن تكون في حرب ضد الإسلام، بدل أن يمثل أملا عظيما تحول إلى خيبة عظيمة لأن الرئيس الأمريكي نكص عن وعده كما يقول سيل الذي أشار إلى أن أوباما، الذي بفضل خلفيته، كان أكثر قدرة من غيره لفهم الإسلام واسترضائه بدلا من استعدائه، "لأنه على نحو ما ابن العالم الثالث. فأبوه مسلم، وقد أمضى سنواته الباكرة في إندونيسيا، كما أنه أول رئيس أمريكي أسود. لكنه أيضا "ذلك الفتى الأمريكي" الذي نشأ في هاواي وتعلم في هارفارد وبدأ حياته المهنية في شيكاغو. وربما كان "ينوي" ألا يكون في حرب ضد الإسلام، لكنه لم "يفعل" شيئا بهذا الخصوص غير الكلام".
وبطبيعة الحال كانت النتيجة المترتبة على هذا النكوص، ليس فقط استمرار مشاعر الكراهية لدى الشعوب الإسلامية ضد الغرب، بل تزايد هذه المشاعر التي أرجعها المحاضر إلى ثلاثة أسباب رئيسية، أولها يتعلق بعسكرة السياسة الأمريكية الخارجية، وثانيها يرتبط بالتأييد الأعمى لإسرائيل على مدي أكثر من 40 عاما (طبعا هي أكثر من 60 عاما وليس 40 كما يشير سيل، أي منذ ما قبل قيام الدولة الإسرائيلية) وحمايتها الكاملة لها من أي إجراءات عقابية قد يتخذها مجلس الأمن والفيتو ضد الدولة الفلسطينية. أما ثالث هذه الأسباب فيتمثل في الخوف المَرَضي من الإسلام الذي اجتاح أمريكا وبقية الدول الغربية والذي جاء في إطار محاولات الدول الغربية لإيجاد عدو جديد بعد انهيار الاتحاد السوفيتي (إمبراطورية الشر) فوجده في العالم الإسلامي.
هنا انتهى التحليل الذي قدمه سيل لتفسير حالة العداء المتبادلة بين الولايات المتحدة والغرب من جهة والعالم الإسلامي من جهة أخرى، والذي قد يكون مناسبا لتوضيح بعضا من ملابسات حالة العداء هذه خلال العقود الأخيرة، لكنه بالتأكيد لا يوضح الأسباب الحقيقية لتلك الحالة التي تمتد جذورها عبر التاريخ وترتبط بنشأة العالم الإسلامي نفسه.
ذلك أن الصراع بين الإسلام كدين وحضارة مع الحضارة الغربية بدأ منذ اللحظات الأولى لانتشار دعوة الإسلام في الجزيرة العربية ومع الرسائل التي أرسلها الرسول صلى الله عليه وسلم لقادة الإمبراطوريات المحيطة بالدولة الإسلامية الوليدة يدعوهم فيها للدخول في الإسلام ومنها الإمبراطورية الرومانية في الغرب. ثم تعزز هذا الصراع عسكريا مع دخول الدولة الإسلامية في صدام عسكري مع خطوط التماس المسيحية في غزوة مؤتة ضد جيش الغساسنة المتحالفين مع الإمبراطورية الرومانية حامية المسيحية في ذلك الوقت.
ومع ازدياد انتشار الإسلام وتوسعه شرقا وغربا واستمرار تهديده لأطراف تلك الإمبراطورية في عهد دولة الخلفاء الراشدين ومن بعدها الدولتين الأموية والعباسية، ثم انطلاقه لتهديد قلب هذه الإمبراطورية فيما بعد، خاصة في عصر الدولة العثمانية، عمل الغرب على مواجهة هذا التهديد القادم بكل وسيلة ممكنة للحفاظ على هويته وكيانه من الذوبان في الإمبراطورية الإسلامية الجديدة كما ذاب غيرها من الإمبراطوريات كالإمبراطورية الفارسية.
وكان من أبرز الوسائل التي اعتمد عليها الغرب للدفاع عن نفسه محاولة تشويه الدين الجديد أمام المجتمعات الغربية من أجل منع أفرادها من التفكير في محاولة استكشاف هذا الدين والتعرف عليه ومن ثم الدخول فيه.
وقد تطورت هذه المحاولات حتى أصبحت علما له قواعد تحكمه وله رواده من مشاهير المثقفين والكتاب الأوروبيين وهو ما عرف بعلم الاستشراق.
ثم تطورت علوم أخرى مرتبطة به أبرزها علم الأنثروبولوجيا الذي عمل بمساعدة علم الاستشراق على تحقيق هدف الدفاع عن الهوية الأوروبية المسيحية، إضافة إلى بناء قاعدة علمية ومعرفية ساعدت فيما بعد الدول الأوروبية في تحقيق سيطرتها على الإمبراطورية الإسلامية بعد إضعافها ثم تفتيتها إلى دول ودويلات صغيرة متشاحنة ومتقاتلة حتى تبقى تابعة لها بعد استقلالها الصوري عن الاحتلال الأوروبي في منتصف القرن العشرين.
بعد نجاح المرحلة الأولى من عملية مواجهة الإسلام عبر تشويهه في أعين أبناء المجتمعات الأوروبية، بدأت المرحلة الثانية التي كانت موجهة إلى الخارج، أي إلى الإمبراطورية الإسلامية ذاتها التي بدأت تشهد ضعفا وانقساما جعلها مطمعا لأعدائها وفي مقدمتهم الأوروبيين.
وخلال هذه المرحلة سعى الأوروبيون إلى السيطرة على هذه الإمبراطورية عبر تشويه صورة الإسلام في عيون المسلمين أنفسهم بصرفهم عن عقيدتهم توطئة لتنصيرهم والسيطرة عليهم، لأنهم كانوا يعلمون جيدا أن قوة المسلمين وعزتهم تكمن في تمسكهم بدينهم. ويظهر ذلك في بحوث المستشرقين حول العقيدة الإسلامية والسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي، بل القرآن الكريم والسنة المطهرة.
وقد اعتمدت الدراسات الاستشراقية على عدد من المناهج من أجل تحقيق الهدف الأساسي لها وهو تشويه صورة الإسلام والمسلمين. وكان من أبرز هذه المناهج منهج الإسقاط، الذي يعرفه علماء التحليل النفسي على أنه "حيلة نفسية، يلجأ إليها الشخص كوسيلة للدفاع عن نفسه ضدّ مشاعر غير سارّة في داخله، مثل الشعور بالذنب أو الشعور بالنقص، فيعمد إلى أن ينسب للآخرين أفكاراً ومشاعر وأفعالاً حياله، ثمّ يقوم من خلالها بتبرير نفسه أمام ناظريه".
ومن هنا عمد المثقفون والكتاب الأوروبيون إلى وصف الإسلام والمسلمين بشتى النقائص والجرائم التي تتصف بها حضارتهم ومجتمعاتهم المسيحية، بدءًا من اتهام الإسلام بأنه دين محرف وصولا إلى اتهامه بالإرهاب.
لم يتوقف منهج الإسقاط عند مفكري الغرب ومثقفيهم خاصة المستشرقين منهم ـ والذي تحول إلى قاعدة لعمل الدول والحكومات الغربية ـ عند هذا الحد، بل تواصل واستمر بمرور الزمان وتزايد النقائص والجرائم الغربية ضد العالم، خاصة بعد صعود الحضارة الغربية وسيطرتها على العالم ممثلة في الاستعمار الأوروبي خاصة البريطاني والفرنسي.
وبعد انحسار الدور الإمبراطوري عن أوروبا والذي تسلمته الولايات المتحدة عقب الحرب العالمية الثانية، انطلقت واشنطن لتستكمل الدور المسيحي الغربي في مواجهة الإسلام والعمل على القضاء عليه. وجاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 لتمثل نقطة انطلاق جديدة لتدمير الإسلام، يقوم خلالها منهج الإسقاط الغربي بوصم الإسلام بجريمة الإرهاب التي نشأت وترعرعت في المجتمعات المسيحية سواء في أوروبا أو الولايات المتحدة، ومارستها وما زالت تمارسها بشتى صورها ضد شعوب العالم المختلفة خاصة الشعوب الإسلامية.
هذا ما لم يقله سيل ولن يقوله أي مفكر غربي إلا إذا كان لديه بقايا من ضمير.. أن الحرب الأمريكية على الإسلام ما هي إلا امتداد لحرب الغرب المسيحي على هذا الدين وحضارته ومنتسبيه من شعوب الشرق.. ولن تنتهي إلا بتسليم إحدى الحضارتين.. الغربية أو الإسلامية.
لماذا عاد مونديال قطر إلى الواجهة ؟
تحوّل مونديال 2026 في الولايات المتحدة الأمريكية من كونه عرساً كروياً عالمياً جامعاً إلى ساحة – مع الأسف... اقرأ المزيد
48
| 16 يونيو 2026
نجاحات قطر اعتراف دولي بدبلوماسية صنعت الفارق
جاءت إشادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بدولة قطر وبحضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير... اقرأ المزيد
42
| 16 يونيو 2026
قيادة سمو الأمير.. وفعالية الوساطة القطرية
في السياسة، كما في التاريخ، لا تظهر قيمة الأدوار الحقيقية في ساعات السكون، وإنما في اللحظات التي تقترب... اقرأ المزيد
36
| 16 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
تتردد بين المستثمرين مقولة قديمة مفادها أن «العقار يمرض ولا يموت». وقد أثبتت السنوات صحة هذه العبارة في كثير من الأحيان، فالعقار ظل لعقود طويلة أحد أهم أوعية الادخار والاستثمار وحفظ الثروة، واستطاع تجاوز أزمات اقتصادية وتقلبات مالية عديدة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في السوق القطري هو: هل ما زال العقار يحقق الثروة كما كان يفعل في السابق؟ من وجهة نظري، ما زال العقار أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه لم يعد الاستثمار السهل الذي كان يحقق المكاسب بالطريقة نفسها التي عرفها المستثمرون خلال العقود الماضية. فالسوق العقاري القطري أصبح أكثر نضجاً واستقراراً، وأصبح المستثمر مطالباً بالنظر إلى الأرقام والعوائد الفعلية أكثر من اعتماده على توقعات ارتفاع الأسعار. ومن السمات الطبيعية لأي سوق عقاري أنه يمر بمراحل مختلفة، ففي المراحل الأولى من النمو والتوسع العمراني تكون مكاسب ارتفاع الأسعار كبيرة نسبياً، مدفوعة بزيادة الطلب وتطوير البنية التحتية ودخول رؤوس أموال جديدة، أما بعد وصول السوق إلى مرحلة أكثر نضجاً، فإن وتيرة الارتفاعات السعرية تميل إلى التباطؤ، ويصبح العائد التشغيلي عاملاً أكثر أهمية في القرار الاستثماري. وقد دخل السوق العقاري القطري إلى حد كبير هذه المرحلة من النضج، ولم تعد مكاسب ارتفاع الأسعار التي اعتاد عليها المستثمرون في الماضي أمراً يمكن التعويل عليه بالدرجة نفسها. وهذا النضج لا يُعد مؤشراً سلبياً، بل يعكس انتقال السوق من مرحلة النمو السريع إلى مرحلة أكثر استقراراً وقابلية للتنبؤ. ولا يعني ذلك أن السوق ضعيف أو يعاني من تراجع. فعلى العكس، فقد تجاوزت التداولات العقارية في قطر 26 مليار ريال خلال عام 2025، كما تم تنفيذ آلاف الصفقات العقارية خلال العام نفسه، بينما تجاوز المخزون السكني في الدولة 400 ألف وحدة سكنية. وهنا نصل إلى النقطة الأهم: العائد الحقيقي. فمتوسط العائد الإيجاري الإجمالي في السوق القطري يدور حول 5% إلى 5.5% سنوياً، وقد يصل في بعض الحالات إلى نحو 6% قبل احتساب المصروفات، لكن المستثمر لا يعيش على العائد الإجمالي، بل على العائد الصافي الذي يبقى في حسابه البنكي بعد خصم جميع التكاليف. ولنفترض أن مستثمراً يمتلك مليون ريال ويرغب في استثمارها في شقة استثمارية، إذا حققت هذه الشقة عائداً إيجارياً إجمالياً بنسبة 6%، فإن الدخل السنوي الظاهر سيكون 60 ألف ريال. لكن بعد احتساب رسوم الخدمات والصيانة وفترات الشغور والمصاريف المختلفة، قد ينخفض العائد الصافي إلى ما بين 4% و5% فقط. كما أن هناك فرقاً جوهرياً آخر يغفل عنه كثير من المستثمرين، وهو الفرق بين امتلاك الأرض وامتلاك الوحدة العقارية فقط. لكن ربما يكون التطور الأبرز خلال السنوات الأخيرة هو ظهور منافس حقيقي للعقار في المحافظ الاستثمارية، وهو سوق السندات. فلسنوات طويلة كان العقار يمثل الخيار الأول لمن يبحث عن دخل دوري أو استثمار طويل الأجل. أما اليوم فقد أصبحت السندات وأدوات الدخل الثابت تستحوذ على اهتمام متزايد من المستثمرين حول العالم، بمن في ذلك المستثمرون في منطقتنا. بل إن بعض المستثمرين المؤسسيين حول العالم أصبحوا يقارنون العقار بالسندات من زاوية التدفقات النقدية أكثر من مقارنة أسعار الأصول نفسها. وتتميز السندات بأنها توفر تدفقات نقدية دورية معروفة مسبقاً، ولا تتطلب إدارة مستأجرين أو متابعة أعمال صيانة أو تحمل فترات شغور. كما أن المستثمر يستطيع في كثير من الأحيان معرفة العائد المتوقع منذ اليوم الأول للاستثمار. وفي الوقت الحالي توفر بعض السندات الحكومية الخليجية عوائد تقارب 4% إلى 5% بحسب مدة الاستحقاق، بينما تقدم بعض سندات الشركات الكبرى ذات التصنيف الائتماني الجيد عوائد تتراوح بين 5% و7%. كما توفر بعض الصناديق المتخصصة في أسواق الدين الناشئة عوائد أعلى من ذلك، وإن كانت مصحوبة بمستويات أعلى من المخاطر. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا كان المستثمر سيحقق من عقار معين عائداً صافياً يتراوح بين 4% و5% بعد احتساب الرسوم والصيانة والشغور، فهل من المنطقي ألا يقارن ذلك بالعائد المتاح في السندات؟ ولنعد إلى مثال المليون ريال مرة أخرى. فإذا استثمر شخص مليون ريال في عقار يحقق عائداً صافياً قدره 4.5% سنوياً، فإنه سيحصل على نحو 45 ألف ريال سنوياً. وإذا استثمر المبلغ نفسه في أداة دخل ثابت تحقق 6%، فإن الدخل السنوي سيرتفع إلى 60 ألف ريال. أما إذا تحقق عائد 7% فسيصل الدخل إلى 70 ألف ريال سنوياً. وبالطبع لا تعني هذه المقارنة أن السندات أفضل من العقار، كما لا تعني أن العقار فقد جاذبيته. فالعقار أصل حقيقي يمكن استخدامه أو تطويره أو توريثه للأجيال القادمة. لقد تغيرت قواعد اللعبة الاستثمارية. ففي الماضي كان السؤال الذي يطرحه المستثمر هو: «في أي منطقة أشتري؟» أما اليوم فأصبح السؤال الأهم: «أين يحقق رأسمالي أفضل عائد معدل بالمخاطر؟» ومن هنا فإن مستقبل الاستثمار العقاري لن يكون لمن يشتري أكثر، بل لمن يحلل أفضل ويختار بدقة أكبر. فالعقار سيبقى أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه أصبح جزءاً من منظومة أوسع من الفرص والبدائل التي تتنافس جميعها على رأس مال المستثمر. وهذا ربما هو أهم ما يجب أن ندركه في المرحلة الحالية: أن الثروة لا يصنعها العقار وحده، بل يصنعها القرار الاستثماري الصحيح.
7173
| 14 يونيو 2026
في ليلةٍ ستظل محفورة في ذاكرة الجماهير العربية، كتب المنتخب القطري فصلاً جديداً من تاريخه الكروي، بعدما انتزع أول نقطة له في بطولة كأس العالم بتعادلٍ ثمين أمام سويسرا، في مباراة جسّدت معنى الإيمان والقتال حتى اللحظة الأخيرة. لم يكن الأمر مجرد نقطة تُضاف إلى جدول الترتيب، بل كان إنجازاً معنوياً كبيراً يعكس حجم التطور الذي بلغته الكرة القطرية وقدرتها على مقارعة المنتخبات الكبرى في أعظم محفل كروي في العالم. ومن بين نجوم تلك الأمسية التاريخية، برز الحارس محمود أبو ندى كأحد أبرز عناوين النجاح. فقد قدّم أداءً استثنائياً بين الخشبات الثلاث، وتصدى لعدة محاولات خطيرة كانت كفيلة بتغيير مسار اللقاء. لم يكن حضوره مقتصراً على الجانب الفني فحسب، بل منح زملاءه الثقة والهدوء في أصعب اللحظات، ليصبح أول لاعب قطري يحصد جائزة أفضل لاعب في مباراة ضمن نهائيات كأس العالم، مؤكداً أن الأبطال الحقيقيين يظهرون عندما تكون الضغوط في أعلى درجاتها. لكن أجمل مشاهد المباراة جاء في الوقت الذي ظن فيه الجميع أن صافرة النهاية ستعلن خسارة العنابي، حين رفض اللاعبون الاستسلام وتمسكوا بالأمل حتى آخر ثانية. وبينما كانت عقارب الساعة تقترب من النهاية، ارتقى الأسطورة خوخي بوعلام إلى الموعد، وسجل هدف التعادل في الوقت بدل الضائع، مطلقاً فرحة عارمة داخل المدرجات وخارجها. كان هدفاً تجاوز قيمته الفنية، ليصبح رمزاً للروح القتالية والحضور الذهني والإيمان الذي لم يغادر قلوب اللاعبين. وفي جانب آخر من البطولة، قدّم المنتخب المغربي عرضاً مبهراً أمام البرازيل، في مواجهة أكد خلالها أنه لم يعد مجرد ضيف شرف في المنافسات الكبرى. بل إن أسود الأطلس كانوا الطرف الأفضل خلال فترات طويلة من اللقاء، ونجحوا في فرض شخصيتهم وأسلوبهم أمام أحد أكثر المنتخبات تتويجاً وتأثيراً في تاريخ كرة القدم. وزادت روعة المشهد بهدف عالمي حمل توقيع إسماعيل الصيباري، الذي أودع الكرة بهدوء وذكاء من فوق الحارس، وأشعل حماس الجماهير. كان هدفاً يجمع بين الجرأة والمهارة والثقة، ليؤكد أن المغرب يمتلك جيلاً قادراً على صناعة الفارق في أكبر المحافل الدولية. كلمة أخيرة: هكذا كانت ليلة الأبطال؛ قطر تقاتل حتى النهاية وتكتب صفحة تاريخية، والمغرب يفرض حضوره بثقة الكبار. وبين تصديات أبو ندى، وهدف خوخي بوعلام القاتل، وتحفة الصيباري الخالدة، أثبتت الكرة العربية أن الأحلام الكبيرة لا تتحقق بالصدفة، بل تُصنع بالإيمان والعمل والروح التي لا تعرف المستحيل.
4299
| 15 يونيو 2026
كلما ظهر تطور تقني جديد، تكررت المخاوف نفسها، حدث ذلك مع الآلة الصناعية، ثم مع الحاسب الآلي، ثم مع الإنترنت، واليوم يتكرر المشهد مع الذكاء الاصطناعي. فمنذ أن أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي متاحة للجميع، امتلأت وسائل الإعلام بعناوين تتحدث عن اختفاء وظائف ومهن كاملة، وأصبح كثير من الموظفين يتساءلون: هل سيأتي يوم يحل فيه الذكاء الاصطناعي محل الإنسان؟ لكن اللافت أن عدداً متزايداً من المحللين والخبراء الاقتصاديين يتفقون على أن السؤال الأهم ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيأخذ الوظائف، بل من سيكون أكثر قدرة على الاستفادة منه. فالتقارير الصادرة عن مؤسسات عالمية مثل ماكينزي وجولدمان ساكس وصندوق النقد الدولي تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي سيؤثر في عدد كبير من الوظائف الحالية، لكنه لن يؤدي بالضرورة إلى اختفاء معظمها. بل إن الأثر الأكبر قد يتمثل في إعادة تشكيل طريقة العمل ورفع الإنتاجية وتغيير المهارات التي ستحدد الفائزين في سوق العمل خلال السنوات المقبلة. لقد علمنا التاريخ أن التكنولوجيا لا تلغي الحاجة إلى الإنسان، بل تغير طبيعة مساهمته في الاقتصاد، فعندما انتشرت الحواسيب في الثمانينيات والتسعينيات، سادت مخاوف من اختفاء عدد كبير من الوظائف المكتبية. وعندما ظهر الإنترنت، توقع البعض أن تتراجع قطاعات بأكملها. لكن ما حدث في الواقع كان مختلفاً؛ فقد بقيت الوظائف، إلا أن العاملين فيها اضطروا إلى اكتساب مهارات جديدة للتكيف مع البيئة الجديدة. واليوم يبدو أن الذكاء الاصطناعي يسير في الاتجاه نفسه. لنتخيل موظفين يمتلكان المؤهل العلمي ذاته والخبرة نفسها، أحدهما يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في البحث وتحليل البيانات وإعداد التقارير، بينما يصر الآخر على الاعتماد على الأساليب التقليدية فقط. بعد فترة من الزمن سيصبح الفرق بينهما واضحاً في سرعة الإنجاز، وجودة المخرجات، والقدرة على التعامل مع حجم أكبر من الأعمال. وهنا تكمن الفكرة الأساسية التي يتحدث عنها كثير من المحللين. فالمنافسة المقبلة قد لا تكون بين الإنسان والآلة، بل بين إنسان يستفيد من الذكاء الاصطناعي وإنسان يختار تجاهله. وتؤكد شركة ماكينزي في عدد من دراساتها أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تكمن في استبدال الموظفين، بل في تمكينهم من أداء أعمالهم بكفاءة أعلى. كما يرى محللو جولدمان ساكس أن هذه التقنية قد تسهم في رفع الإنتاجية الاقتصادية العالمية بصورة ملموسة خلال السنوات المقبلة، وهو ما يفسر حجم الاستثمارات الضخمة التي تتدفق اليوم نحو هذا القطاع. ولا يقتصر الأمر على قطاع معين. ففي المحاسبة والتمويل تساعد هذه الأدوات على تحليل كميات ضخمة من البيانات خلال وقت قصير. وفي القانون تساهم في مراجعة الوثائق والعقود. وفي القطاع العقاري أصبحت تساعد على دراسة الأسواق وتحليل الاتجاهات وتقييم الفرص الاستثمارية. أما في التعليم والإعلام والإدارة، فالقائمة تطول يوماً بعد يوم. ومع ذلك، فإن الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي سيستبدل الإنسان بالكامل يبدو مبالغاً فيه. فما زالت هناك أمور يصعب على الآلة القيام بها بالكفاءة نفسها، مثل القيادة، واتخاذ القرارات المعقدة، وفهم العلاقات الإنسانية، والتفاوض، وتحمل المسؤولية. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدم معلومات واقتراحات، لكنه لا يتحمل نتائج القرار ولا يمتلك الخبرة الإنسانية المتراكمة التي يحتاجها كثير من المواقف. ومن هنا تظهر قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي فجوة المهارات. ففي الماضي كانت الفجوة الأساسية بين المتعلم وغير المتعلم، أما اليوم فقد بدأت تتشكل فجوة جديدة بين من يعرف كيف يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي ومن لا يعرف ذلك. ويشير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن السنوات المقبلة ستشهد تغيراً كبيراً في المهارات المطلوبة في سوق العمل، وأن التعلم المستمر والتكيف مع التقنيات الجديدة سيصبحان من أهم عوامل النجاح المهني. كما حذر صندوق النقد الدولي من أن المؤسسات والدول التي تتأخر في تبني هذه التقنيات قد تواجه فجوة متزايدة في الإنتاجية مقارنة بمنافسيها. هذا لا يعني أن جميع الوظائف ستكون بمنأى عن التأثير. فبعض الأعمال الروتينية والمتكررة قد تشهد تراجعاً خلال السنوات المقبلة، خصوصاً تلك التي تعتمد على إدخال البيانات أو معالجة المعلومات بصورة نمطية. لكن التجارب السابقة تشير إلى أن التكنولوجيا لا تلغي وظائف بقدر ما تعيد تشكيلها، وتخلق في المقابل فرصاً جديدة لم تكن موجودة من قبل. وربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس ما الذي سيحدث بعد عشر سنوات، بل ما الذي يمكن أن نفعله من الآن. فالتعرف على أدوات الذكاء الاصطناعي وتجربتها في العمل اليومي لم يعد رفاهية تقنية، بل قد يصبح خلال سنوات قليلة جزءاً من المهارات الأساسية المطلوبة في معظم المهن. لقد أثبت التاريخ أن التكنولوجيا لا تكافئ الأقوى، بل تكافئ الأسرع في التكيف معها. وكما تجاوز مستخدم الحاسب الآلي من تمسك بالآلة الكاتبة، وكما تفوق من أتقن الإنترنت على من تجاهله، فإن الفائز في سوق العمل خلال السنوات القادمة لن يكون بالضرورة الأكثر خبرة أو الأعلى شهادة، بل الأكثر قدرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لرفع إنتاجيته وتعزيز قيمته. ولذلك، قد لا يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظيفتي؟ بل: ماذا أفعل اليوم حتى لا يأخذها شخص يستخدمه أفضل مني؟. باحث اقتصادي
3732
| 10 يونيو 2026