رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كثيراً ما تطالعنا صحفنا المحلية بأخبار إنجازات المؤسسات في مجال تقطير الوظائف. وزاد عليها في الفترة الأخيرة بنمط التلميع المسمياتي "كالدرب" وغيره وكأن المسألة كانت بس ناقصة مسميات من لغة التراث القطري لترتفع في سماء القطرية.
ولملء فراق الصفحة تضاف الصور الاحتفالية لهذه الأنشطة والتصريحات بالخط العريض متبوعة بشرح للخطط الطويلة المدى. إلا أنه وللأسف الشديد فالشرح عادة ما يكون هو الناتج الوحيد الطويل في مجمل هذه الأمور.
عند قراءة هذه الأخبار يتبادر للنفس إحساس بالنشوة والأمل بأن مشكلة تقطير الوظائف سوف تحل. والمواطن القطري الباحث عن فرصة عمل سوف يؤخذ طلبه بجدية ويمنح الأولوية والفرصة الحقيقية للتوظيف والتطوير.
وكذلك ينتاب القارئ إحساسا بأن هذه المؤسسات وبطريقة حديثها ونشر خططها ونجاحاتها وكأنها تمن وتتكرم على المواطن بخلق فرص ومصدر رزق قوته وما كان هذا الموضوع واجبا قوميا غير قابل للنقاش والمزايدة والاحتفاليات الفارقة من المضمون من أساسه
يا جماعة التقطير قضية وطن، أمن قومي وأهميته يجب أن ترقى بأهمية إستراتيجية سيادة الكيان والوجود في كل أشكاله المجتمعي والاقتصادي.
اقتصاد بلد يجهض شهريا بنفقات تشغيل الحياة في البلد وليس بالضرورة في مجمله لخدمة ورفاهية أهل البلد بل لصيانة احتياجات الأعداد البشرية الهائلة والتي هي في ازدياد.
هي في ازدياد ليس لأن البلد ما فيها طاقة بشرية من كل الأعراق والأجناس لكن فقط لأن السيد جوني يبقى مستر سميث. ولأن المسؤول القطري اللي ما يملك الثقة بنفسه والخبرة الكافية للمنصب اللي هو فيه يحتاج العضيد الأجنبي.
احنا من السبعينيات واحنا انقطر، لكن لطحين زايد على الماي مع أن المثل يقول إن الماي زايد على لطحين لكن حتى في مقولة المثل نجد نفسنا مضطرين لقلب الموازين لأن المشكلة إن احنا نقطر بالقطارة في حين أن المطلوب أن نصب بالهوز.
وعندما نسأل ليش؟ نجد من الإيجابيات ما قتل. أخذوا على سبيل مثال لا الحصر:
١-التعليم ومناهجه وخططه التي لا تشبع ولا تغني من جوع. المنتج التعليمي ضعيف إلا من رحم ربي. مناهج التعليم تعتمد التحفيظ والامتحان كمقياس جودة وليس البحث والقناعة بالمعلومة القريبة من واقع الحياة بتطبيقاتها العملية والمهنية.
٢-ضعف الوازع الوطني لدى المسؤول القطري تحديدا والمؤسسات التي أصبح السواد الأعظم من العاملين فيها من الأجانب علاوة على أنهم في مراكز القرار وهذا لا يعني بالضرورة أن نواياهم سيئة لكن على قولة القائل إذا كان صاحب الحلال قافل فخاف مهب بس من الذيب لكن حتى الحارس الأمين.
٣-عندما نباشر في عملية توظيف الخبرة الأجنبية نحن لا نفند حاجتنا ولا ونوصفها بشكل دقيق ولا نغرس في ذهن الخبرة الأجنبية التي نستضيفها أهمية مشاركتهم في عملية التقطير. وبالتالي هناك فشل ليس فقط في توظيف الأجود لمساعدة تقطير الوظائف بل حتى التمكن من رفع مستوى الأداء لتصبح الخبرة الأجنبية غدوة يغتدي به المواطن ويستفيد من مستوى مهنيتها.
في كثير من الأحيان ينتهي بنا مشوار توظيف الخبرات الأجنبية إلى توظيف من هم عالة على قطر في كل شيء الصحة والتعليم والزحمة في الشوارع وتنشغل البلد في توسيع الشوارع والبنية التحتية لأن العالة بيوظف واحد مثله لما يروح يختار مساعدين.
4- من يتابع إعلانات الوظائف في قطر وشروطها يتبين له أن المشكلة ليست فقط بأننا لا نملك الطاقة البشرية لسد حاجتها بل حتى الخبرة. لأن معظمها يحتاج إلى نضج مهني لا يتوفر لدى حديثي التخرج أو حتى من اشتغل لسنوات وهذا أمر طبيعي لأننا نستحدث مؤسسات جاهزة للإنتاج والأداء المهني المحترف العالي الجودة تحتاج إلى خبرات معقدة وناضجة مهنيا. سرعة النمو المضطر ده تدفعنا إلى بناء واستحداث خطوط إنتاج جاهزة للأداء.
ويظل موضوع التقطير مادة صحفية تتكرر ويتم تدويرها عاما بعد عام مثل ما يدور الحيوان الأليف في لعبة الدولاب في القفص. فلا الدولاب يتوقف ولا يصل لأليف إلى وجهته.
ما الحل؟
الحل يكمن في جعل هذا الموضوع مسألة ذات أهمية عليا. وخطة وطنية وحيوية وواجب استراتيجي بنفس مستوى الدفاع عن الوطن. فبدون أن نكون في موقع يسمح لنا باتخاذ قرارات قوتنا وحياتنا وخططنا المستقبلية. أقول هذا بحرقة الخائف على الجيل القادم.
نحن نعتقد أن مسألة إعداد المواطن وتأهيله لسوق العمل هي مسألة خاصة بنا نتيجة لظروف النمو السريع الذي تشهده البلاد. وفي الحقيقة الأمر ليس كذلك بل إن الدول المتقدمة يتخرج لديها الآلاف كل عام من الباحثين عن عمل وتستوعبهم وتدربهم وبدوافع الأشخاص الذاتية واهتمام سوق العمل بهم تجدهم يتقدمون ويأخذون مواقعهم بفاعلية ويضيفون لطاقة الاستمرارية والإبداع المتجدد والمتنامي. وكذلك الحال في الدول الفقيرة التي لا تستطيع استقطاب الخبرات الأجنبية فهي أيضا تدخل سنويا طاقات وعقولا جديدة من مواطنيها لدفع قطار التنمية والإبداع.
إذا فلنتفق بأننا لسنا الوحيدين ولكننا...
إنه من حق الأجيال القادمة علينا أن نمهد لها الطريق ونيسر لها الأمور وأن نحفظ لها وطنا باقتصاد قوي وسقف طموحات عال وهذا ليس بالأمر الصعب لأن أمريكا وأفقر دوله في العالم يسوون نفس الشيء كل يوم.
وأقولها وكأي مواطن يحمل هموم هوية وكرامة وطن هذه قضية تستحق التخطيط الاستراتيجي النوعي المبني على أرقام حصر الاحتياجات القائمة وأعداد الطلبة والتنبؤ بالاحتياجات المستقبلية وتحديد الأولويات وتوجيه التعليم والبعثات وبرامج التدريب والإعداد الوظيفي لتحقيق غاية في منتهى الحساسية.
وبنفس القدر من الأهمية الإستراتيجية توجيه المؤسسات للقيام بدورها النوعي وليس الرقمي والمشاركة في احتفالية المعارض المهنية السنوية ومصاريف البذخ في ديكوراتها.
والتي نحن في الحقيقة لسنا في حاجة لها لكوننا بلدا صغيرا وعدد سكانه المقتدر على العمل محدود وبطريقة ذكية وخلاقة يمكن توجيهم وإرشادهم بيسر وسلاسة.. فهل أنتم معي متفقون؟
من باب العدالة أود أن أذكر أيضا بأن هناك جهدا واهتماما يبذل ولكنه مبعثر يحتاج إلى لم وتركيز في مؤسسة وطنية أو مظلة شاملة ومتفرعة تساند بعضها البعض في وضع الهدف المشترك والخطط المكملة والتنفيذ المتنامي .
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
5724
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
5256
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1734
| 13 مايو 2026