رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مها الغيث

[email protected]

مساحة إعلانية

مقالات

297

مها الغيث

معرض الدوحة للكتاب كما رأيته

01 يونيو 2026 , 10:31م

"لطالما تخيلت الفردوس على هيئة مكتبة". لا يبدو الأديب الأرجنتيني لويس بورخيس مفرط الخيال وحسب في فردوسه المتخَيل، بل قد يدفع القارئ الشغوف في استحضاره ومعايشته واقعاً، وهكذا كان الأمر في معرض الدوحة للكتاب، لا سيما وغنائم الفردوس هذه المرة، شملت مائة وعشرين كتاباً، بين الفلسفة والتصوف والسياسة وعلم النفس والتاريخ والعلوم.. وكأنها حصيلة معرفية تحاول فهم الإنسان المعاصر -واقعاً لا خيالاً- في قلقه وهشاشته وحروبه وروحه، ووعيه الذي لا بد أن يتبدّل جراء كل ذلك.

فمن كتب الفلسفة، حصلت على (الكلمات والأشياء) للفيلسوف ميشيل فوكو، وهو عمل يحلل أنظمة المعرفة ويتتبع تشكّل الفكر الإنساني عبر العصور، وكذلك (بحوث فلسفية) للفيلسوف لودفيج فتجنشتين، الذي يناقش موضوع اللغة وحدود الفكر والمعنى، بينما يقدّم (فن أن تكون على صواب) و(فن العيش السعيد) للفيلسوف آرثر شوبنهاور تأملات عملية حول الجدل والحكمة والعيش بأقل قدر من الوهم، في حين يمثّل (العلم المرح) و(نقيض المسيح) للفيلسوف فريدريك نيتشه، جانباً من نقد الأخلاق والدين والقيم التقليدية. ومن العناوين اللافتة أيضاً (فلسفة التشاؤم)، حيث الجذور الفكرية للنظرة التشاؤمية للحياة، و(كيف نتفلسف بمطرقة ومنجل) حول علاقة الفلسفة بالثورات الاجتماعية، و(صراع الدين والفلسفة في محاكمة سقراط) في كشف الصدام بين السلطة والحقيقة.

أما في التصوف والروحانية، فقد كان حضور (ابن عربي: سيرته وفكره) للباحثة كلود عداس مهماً، لفهم أحد أكثر الشخصيات الروحية تأثيراً في التراث الصوفي، أما (بحر بلا ساحل) للمفكّر ميشيل شودكيفيتش فيتناول التجربة العرفانية عند ابن عربي كأفق لا متناهٍ للمعرفة، في حين يناقش (الحلولية ووحدة الوجود) للعالم عبد الوهاب المسيري، فكرة ذوبان الحدود بين الإله والإنسان والطبيعة، غير أن (الأوبانيشادات الأولى) جاءت على ضخامتها كمدخل إلى الحكمة الهندية القديمة وأسئلتها الوجودية. ومن الكتب اللافتة أيضاً (ملكوت الله في دواخلكم) للمفكّر ليف تولستوي، الذي يقدم رؤية روحية أخلاقية للدين، إضافة إلى (سلسلة الثيوصوفيا) للفيلسوفة آني بيزنت، والتي تتناول وحدة الأديان وطاقة الفكر والتطور الروحي.

وفي مسار السياسة، فقد حضرت فلسطين كجرح إنساني ومعرفي معاً، حيث كتاب (بعد السماء الأخيرة: حيوات فلسطينية) للمفكّر إدوارد سعيد، وهو يقدم تأملات في المنفى ويحدد مقومات الهوية الفلسطينية، في حين يجمع (نجونا لنشهد) للصحفي مثنى النجار، شهادات وتجارب إنسانية من قلب الحرب على غزة، إضافة إلى يوميات غزة المؤلمة في (Diary of a Young Doctor: Notes from the Genocide in Gaza) للطبيب عزالدين شهاب، و(Eyes on Gaza) للمحامي خالد بيضون.

أما من الجانب "الإسرائيلي"، فقد وثّق (الإبادة الجماعية في غزة) للمؤرخ آفي شلايم، جانباً من المأساة الإنسانية الراهنة، وتتبع (موجز تاريخ الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني) للمؤرخ إيلان بابيه، جذوره الاستعمارية والسياسية منذ بدايات المشروع الصهيوني حتى الوقت الحاضر، وجاء (عزيزتي فلسطين) للمؤرخ شاي حزقاني، ليسرد رسائل الفلسطينيين وتجاربهم الإنسانية تحت الاحتلال.

ومن التاريخ، اقتنيت (الفكر العربي في عصر النهضة) للمؤرخ ألبرت حوراني، وهو من أهم الكتب التي ترصد التحولات الفكرية العربية الحديثة، وبعده (بيت الحكمة: كيف أسس العرب لحضارة الغرب) للمؤرخ جوناثان ليونز، الذي يتناول أثر الحضارة العربية في النهضة الأوروبية، ثم يأتي (حضارات حطمتها الآلهة) للباحث خزعل الماجدي، وهو يستعرض حضارات وأساطير العالم القديم ولعبة المعتقدات في صعود المجتمعات القديمة وانهيارها.

ماذا عن (علم النفس)؟ هنالك (لم يبدأ الأمر بك) للباحث مارك وولين، ويناقش أثر الصدمات الموروثة عبر الأجيال، وكذلك (كيف تشفى من النرجسيين) للمعالجة كارولين ستروسون، ويكشف عن أنماط العلاقات المؤذية وطرق التعافي منها، في حين يقدم (كيف تدير مشاعرك لا أن تديرك) للعالم إيثان كروس، قراءة حديثة لتنظيم الانفعالات. وفي هذا المجال أيضاً (العلاج بالقراءة: القوة الشافية للكتب) للمعالجة بيجال شاه، الذي ينظر إلى القراءة كوسيلة للتعافي النفسي، في حين يدور (قوة الهرمونات) للطبيبة ماري كلير حول تأثير التحولات البيولوجية في النفس والجسد.

أما في العلوم، فكان من أبرز العناوين (الذكاء المشترك: العيش والعمل مع الذكاء الاصطناعي) للدكتور إيثان موليك، والذي يناقش العلاقة الجديدة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، وكذلك (الإقطاع التكنولوجي: مقتل الرأسمالية) للسياسي يانيس فاروفاكيس، والذي يدور حول هيمنة الشركات التقنية الكبرى، كما لفتتني كتب مثل (جسور إلى اللانهاية) و(الجانب الإنساني من الرياضيات) و(رياضيات بلا أرقام)، و(سحر الكون: تاريخ مختلف للعلوم الطبيعية)، التي تحاول تقديم العلوم -بمنأى عن المعادلات الجامدة- كتجارب إنسانية.

ثم يأتي الأدب، فيقدم (لكل المقهورين أجنحة) للروائية رضوى عاشور، نص مثقل بالقهر ومشبع بالأمل الإنساني، في حين يعرض (خبز الملائكة: رحلة الحب والإيمان) للصحفية ستيفاني سالدانا، رحلة روحية وإنسانية عبر سحر الشرق.

ختاماً، وكما المقدمة التي تخيّل فيها الأديب الأرجنتيني بورخيس الحياة الآخرة كجنة من كتب، أستحضر رأي نظيره الإيطالي أمبرتو إيكو عن هذه الحياة الدنيا، حين قال: "الذي لا يقرأ يعيش حياة واحدة، أما القارئ فيعيش آلاف الحيوات".

مساحة إعلانية