رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عبدالرحمن الشمري

مساحة إعلانية

مقالات

564

عبدالرحمن الشمري

الحروب بين الإعلام والتعليم

01 أبريل 2026 , 05:41ص

عند تأمل التاريخ نجد أن الحروب الكبرى لم تبدأ دائمًا بحقائق واضحة، بل بروايات متعددة، لكل طرف فيها مبرراته الخاصة. فالحرب العالمية الأولى مثلًا لم تكن مجرد سلسلة من الأحداث العسكرية، بل كانت نتيجة تراكمات من التفسيرات المختلفة، فألمانيا رأت نفسها في حرب وقائية، وروسيا اعتبرت تدخلها دفاعًا عن الشعوب السلافية، والنمسا تحدثت عن رد على جريمة إرهابية، بينما أعلنت فرنسا وفاءها للحلفاء، وبريطانيا التزامها القانوني. هذه السرديات المتباينة حول حادثة واحدة أدت في النهاية إلى كارثة إنسانية كبرى، حيث تحولت شرارة اغتيال رجل وامرأة إلى حرب أودت بحياة عشرات الملايين، ومهدت لحرب أكثر دمارًا بعدها وفتكاً.

إن استحضار هذا المثال التاريخي ليس من باب المقارنات وملء الفراغات، بل لتوضيح كيف يمكن للروايات المختلفة أن تشكل وعي الشعوب، وتوجه قرارات الدول. وفي الحالة الراهنة بين إيران والكيان المحتل وأمريكا، نجد أن كل طرف يقدم نفسه ضمن إطار دفاعي أو وقائي، ويعمل على بناء سردية متماسكة تخدم مصالحه وتبرر تحركاته أمام شعبه وأمام العالم. فإيران ترى نفسها في موقع مقاومة للهيمنة ورفض التدخل الخارجي، بينما تعتبر الولايات المتحدة والكيان المحتل تحركاتهما جزءًا من حماية مصالحهما وأمنهما القومي ومنع التهديدات المستقبلية. وبين هذه الروايات المتشابكة، يصبح المشهد ضبابيًا، حيث تختلط الحقائق بالتفسيرات، وتتحول الأحداث إلى مادة قابلة لإعادة الصياغة وفقًا للمصالح.

وفي ظل هذا التعقيد، يقف المتلقي حائرًا، يتلقى سيلاً من المعلومات المتناقضة من وسائل إعلام متعددة ومنصات رقمية لا تخضع دائمًا لمعايير الدقة والمصداقية. فكل خبر يحمل زاوية معينة، وكل تحليل يعكس خلفية فكرية أو سياسية، مما يجعل الوصول إلى الحقيقة الكاملة أمرًا بالغ الصعوبة. ومع غياب أدوات التفكير النقدي لدى كثير من الناس، يتحول المتلقي من باحث عن الحقيقة إلى مستهلك للروايات وربما مدافعٍ عنها ويتبنى ما يصل إليه دون تمحيص أو مقارنة.

السؤال الجوهري هنا ليس فقط من بدأ؟ بل أيضًا من المستفيد من استمرار هذا الصراع؟ ومن المتضرر من توقفه؟ وماذا سينتج بعده؟ في كثير من الأحيان، تستفيد أطراف متعددة من حالة التوتر، مثل شركات السلاح التي تزدهر في أجواء النزاعات، وبعض القوى السياسية التي توظف الأزمات لتعزيز نفوذها، إضافة إلى أطماع جغرافية ومالية تسعى لإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة. وفي المقابل يدفع المدنيون الثمن الأكبر، سواء من خلال الأضرار الاقتصادية، أو التوترات الأمنية، أو الخوف المستمر من التصعيد. فالحروب، مهما كانت مبرراتها، تُدار من بعيد، لكن آثارها تقع مباشرة على حياة الجندي والمدني البسيط.

إن أخطر ما في المشهد الحالي ليس فقط الصراع ذاته، بل التشويش الذي يحيط به. فالإعلام، رغم دوره الحيوي، قد يتحول أحيانًا إلى أداة لنقل رواية واحدة، أو لتضخيم حدث على حساب آخر، أو حتى لطمس بعض الحقائق خوفًا من تبعاتها السياسية أو الاقتصادية. كما أن التعليم، إذا لم يركز على تنمية التفكير النقدي، يترك الأجيال عرضة للتأثر بأي خطاب دون تمحيص وتحليل. نحن أمام جيل يعيش في بحرٍ هائج من المعلومات، تتدفق إليه الأخبار من كل حدب وصوب، لكنه يفتقر أحيانًا إلى البوصلة التي تساعده على التمييز بين الواقع والسراب، وبين الحقيقة والتضليل.

لذلك، فإن بناء الوعي لا يقتصر على نقل المعلومات، بل يتطلب تعليم الإنسان كيف يسأل، وكيف يفكر، وكيف يبحث عن مصادر متعددة قبل أن يُكوّن رأيه. كما يتطلب تعزيز مهارات التحليل وربط الأحداث بسياقاتها التاريخية والسياسية، وعدم الاكتفاء بالنظرة السطحية للأمور. الفهم الصحيح للواقع لا يعني الوصول إلى الحقيقة المطلقة، بل يعني الاقتراب منها قدر الإمكان، عبر تفكيك الخطابات المختلفة، وفهم الدوافع الكامنة خلفها، واستيعاب تعقيد المشهد دون تبسيط مخل.

وأخيراً فالتاريخ يعلمنا أن سوء الفهم قد يكون أخطر من الصراع نفسه، لأن من سيفهم اليوم هو من سيصنع قرارات الغد ويؤثر في مسار الأحداث. وإذا لم ندرك حقيقة ما يجري اليوم بوعي ومسؤولية، فإننا قد نكون جزءًا من إعادة إنتاج مآسي الأمس، ولكن بأدوات أكثر تطورًا ونتائج أكثر قسوة. لذلك، فإن الوعي لم يعد خيارًا بل ضرورة ملحة، وهو خط الدفاع الأول في وجه الفوضى والحروب، والوسيلة الأهم لحماية المجتمعات من الانجرار وراء روايات قد تقود إلى كوارث لا يمكن تداركها.

اقرأ المزيد

alsharq القشرة اللامعة.. وهم المعرفة السطحية

في ظل الإيقاع السريع المحموم لهذا العصر، تلاشت معضلة الوصول إلى المعلومة كما كان الحال في السابق، فلم... اقرأ المزيد

468

| 05 أبريل 2026

alsharq الصفقة الكبرى.. مبادرات ووساطات إنهاء الحرب

عرض محمد جواد ظريف وزير الخارجية الإيراني الأسبق (2013- 2021) ونائب الرئيس الإيراني قبل استقالته (ويجب الإشارة إلى... اقرأ المزيد

165

| 05 أبريل 2026

alsharq أعقاب الحرب وتقلباتها

يبدو أن الحرب الإسرائيلية الإيرانية سوف تأخذ منا الكثير من الوقت لنتجاوزها، فإيران لا تزال تطلق مسيراتها وصواريخها... اقرأ المزيد

123

| 05 أبريل 2026

مساحة إعلانية