رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أستسمح القراء الكرام أن آخذهم من أيديهم لحظات لأبتعد بعقولهم قليلا عن السياسة بمفاهيمها الراهنة الدموية لأحدثهم عن إرهاب مجهول لا يذكره الناس وهو إرهاب من نوع مختلف ، أعدم هذا الأسبوع 150 ضحية بريئة في حادثة سقوط طائرة (لوفتهانزا وينجز) بين برشلونة و دوسلدورف. وهو ليس إرهابا دينيا و لا طائفيا ولا سياسيا بالمرة بل هو إرهاب ناتج عن الغباء البشري ! و لولا الغباء البشري لما لقي 150 مسافرا آمنا مصير القتل البشع على قمم جبال (الألب) يوم الأربعاء الماضي ! الغباء هو الذي قتل الضحايا و السبب المرجح و شبه الأكيد أن الباب المصفح الذي يفصل بين قمرة القيادة و كابينة المسافرين لم ينفتح حينما غادر قبطان الإيرباص مقعد القيادة لقضاء حاجة بشرية ثم عاد فوجد هذا الباب مغلقا و إغلاقه تقرر بقانون جديد سنته المنظمة الدولية للطيران المدني بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 و التزمت كل الشركات الجوية بهذا القانون و أغلقت أبواب القمرات بطريقة محكمة لكنها نسيت أمرا مهما محتمل الوقوع وهو الذي حصل للطائرة المنكوبة وهو أن الرجل الثاني الذي يبقى على مقعد القيادة يمكن أن يصيبه مكروه من نوع وعكة صحية أو مجرد غيبوبة عابرة أو لوثة عقلية (كما حدث بالفعل للطائرة المنكوبة) فلا يستطيع أحد فتح الباب الملعون لسبب من هذه الأسباب فيكون مصير كل المسافرين في طرفة عين عرضة للكارثة وهو ما حدث فعلا و علمنا أن مساعد القبطان وهو شاب ألماني اسمه (أندريا لوبيتس) امتنع عن فتح الباب فلم يلتحق القبطان بمقود الطيارة و حرك (أندريا) بعد ذلك أجهزة الهبوط بينما كان القبطان يحاول تهشيم الباب بفأس بلا نتيجة! معضلة الغباء البشري أن كل مسؤولي المنظمة الدولية للطيران المدني وكل مسؤولي شركة (لوفتهانزا) لم يتوقعوا إمكانية حدوث فاجعة إذا ما أصبح فتح هذا الباب مستحيلا ! و إذا ما بقي واحد فقط بمفرده مسؤولا عن أرواح 150 مسافرا أو أكثر ! نعم هو الغباء الذي أحدثكم عنه اليوم. إن الذين يعتقدون أن الإنسانية بلغت درجات عليا من الذكاء في هذا العصر بفضل التقدم التكنولوجي المذهل هم مخطؤون وواهمون لأننا في عديد المجالات تأخرنا و لم نتقدم و تقهقرنا إلى الوراء بل و أصبح الغباء ثقافة عامة نشترك فيها جميعا دون أن نفكر وهي ثقافة تعود بنا إلى ما قبل التاريخ و نحن غافلون!
أبدأ معكم سرد مسلسل الغباء بقصة (حقيبة السفر) التي يحملها كل مسافر من المطار إلى محطة القطار و إلى الفنادق و أثناء الإجازات اسألوا آباءكم و أمهاتكم يقولون لكم كنا طول العمر نحملها بالأيدي المتعبة وهي ثقيلة وهي نفس الحقائب التي تشاهدونها في الأفلام أبيض و أسود! ظللنا أنا و جيلي نتحمل عبء (الشنطة) عقودا من الزمن ....إلى أواخر السبعينات من القرن الماضي فاكتشف صاحب مصنع أمريكي من كولورادو (سامسونايت) أن الحقيبة يمكن أن يكون لها عجلتان تسحب سحبا عوض أن تحمل فصنع لها العجلتين و زودها بمقبض معدني نسحب به الحقيبة وراءنا بطريقة سلسة! ومنذ ذلك العام خف العبء على البشرية و تنفسنا الصعداء بعد أن حملنا الحقيبة – المصيبة نحن و آباؤنا و أجدادنا على مدى أربعة آلاف سنة من تاريخ البشرية الغبية منذ عهد الفراعنة والكنعانيين و الفينيقيين إلى سنة 1980! و منذ ثلث قرن فقط أصبحت الحقائب كلها بعجلتين ! ثم و يا لطول عمر الغباء جاء عام 1990 فاهتدى صانع حقائب ياباني إلى أن الحقيبة يمكن أن تجر وراءنا على أربع عجلات بدل إثنتين فأصبحنا نقتني الحقائب (أم أربع) وازدادت راحة المسافر و كل الحقائب اليوم نجرها وراءنا على أربع ! وفي عام 2009 طور نفس الياباني جزاه الله خيرا هذه الحقيبة ليثبت فيها محركا صغيرا يشحن بالبطارية لنتحكم فيها بالريموت (الكوموند) وأصبحت الحقيبة تتبعنا لوحدها كما يتبعنا -أكرمكم الله - كلب أليف في أروقة المطارات! هل عرفتم معي معنى الغباء البشري في هذا المجال البسيط ؟ أربعة آلاف عام و نحن نحمل الحقيبة و لم نهتد إلى اختراع بسيط و ساذج وهو تركيب العجلات على الحقائب! في حين اهتدى علماؤنا إلى ابتكار أسلحة الدمار و القتل !
في سجل مختلف كنا في فرنسا نرى في أهم الشوارع بناءات بلدية بسيطة صالحة لقضاء الحاجات البشرية العادية ثم قررت البلديات تعويضها بنوع جديد من الكابينات الألكترونية المصفحة ولها أبواب معدنية غليظة سميكة تفتح و تغلق أوتوماتيكيا بوضع (يورو) أو اثنين في فتحة وهي أشبه بالمخبأ النووي الذي كان يلجأ إليه الناس في حال هجوم نووي أو أشبه بخزينة فولاذية في البنك المركزي لحفظ سبائك الذهب!. وهنا لا بد أن أقول لكم أن طفلة عمرها 13 سنة دخلت لمثل هذا المكان المرعب منذ 10 سنوات في مدينة مرسيليا و انغلق عليها هذا الباب ثم لم ينفتح و طرقت الضحية المسكينة لكن لا من مجيب و كانت في عز حرارة الصيف فماتت مختنقة وراء هذا الباب القاتل ! و أنصح زوار فرنسا أن يتوجهوا إلى أقرب مقهى في مثل هذه الحالات البشرية العادية و يدفعوا 3 (يورو) لقهوة حتى لو لم يشربوها و لا يخاطروا بحياتهم قربانا للغباء البشري !
و في سجل ثالث عندما كنت في إجازتي بضواحي باريس من 4 سنوات قرأنا في الصحف أن مراهقا فرنسيا عمره 16 سنة يسكن قريبا من بيتي مات مختنقا في سيارة (بي إم دبليو) !!! كيف مات هذا الولد المليان حيوية و أملا ؟ نفس مأساة الأبواب القاتلة فقد خرج مراهقان شقيقان للسهر خارج البيت و استعملا سيارة والدهما (بي إم دبليو) و عادا الساعة الواحدة ليلا فخرج الولد الأكبر من السيارة وبقي الولد الأصغر نائما على المقعد و عن حسن نية اعتقد الذي غادر السيارة أن أخاه سيتبعه بعد لحظات لكنه ضغط على زر غلق الأبواب وهو نازل ودخل البيت و نام. الذي حدث هو أن الولد استيقظ بعد ساعتين و كانت حرارة شهر أغسطس شديدة فحاول أن يفتح الأبواب...و لكن هيهات فصانع السيارة جعل إغلاق السيارة بالزر يمنع من فتح الأبواب من الخارج و أيضا من الداخل !!! لماذا ؟ لا أحد استطاع تفسير هذا اللغز ! فغلق الأبواب من خارج السيارة مفهوم و مطلوب لكن غلقها من داخلها لا تفسير له سوى الغباء البشري القاتل ! وعند طلوع الشمس وبعد أن طرق الولد الأبواب و حاول تهشيم الزجاج و لم يفلح...مات مختنقا ليجده والداه و شقيقة جثة هامدة في الصباح ! الغباء البشري ليس له حدود و أنا أترحم على الماضي الذي كانت فيه المصاعد الكهربائية زجاجية شفافة تطلع و تنزل بين السلالم و نرى من فيها بكل أمان أما اليوم فهي بمثابة (قبر الحياة) كقبور الفراعنة في الأهرامات و ضحايا تعطلها المقبورون فيها عديدون كل سنة في العالم ! أرجو لكم السلامة من تعطل العقول قبل تعطل المصاعد.
الأمم المتحدة تكرم قائداً بنى وطناً وترك أثراً في أمته
لم يكن تكريم الأمم المتحدة لروح المغفور له بإذن الله، الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني،... اقرأ المزيد
270
| 18 سبتمبر 2026
من برجي نيويورك إلى مضيق هرمز.. 25 عاماً من صناعة الخوف وسوء الفهم
في الحادي عشر من سبتمبر 2001 لم يسقط في نيويورك برجا مركز التجارة العالمي فحسب، بل سقطت أيضاً... اقرأ المزيد
273
| 11 سبتمبر 2026
عودة وساطة الخير والسلام القطرية
عندما كنت بصدد تحرير مقالي واخترت عنوانه فوجئت كما فوجئتم جميعا بعودة الاشتباكات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران... اقرأ المزيد
189
| 04 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2235
| 09 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1125
| 11 أكتوبر 2026
أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين أننا أضعنا وقتا طويلا في طرق أبواب لا تعرفنا، بينما كان هناك باب واحد يستحق أن نقف أمامه طويلا، وصاحب ينتظر منا التفاتة صغيرة، أو سؤالا عابرا، أو زيارة تؤكد له أنه ما زال حاضرا في قلوبنا. ثم تمضي الأيام، ويغيب صاحب الباب، ونكتشف أن الطريق إليه صار أبعد من قدرتنا، وأن بعض المواعيد التي أجلناها بحجة الانشغال قد لا تمنحنا الحياة فرصة أخرى للوفاء بها. الأسى الحقيقي أن تطرق في الدنيا بابا، فيما قد يكون صاحب القلب الذي أهملته قد سبقك إلى غياب لا تعرف متى تلتقيه بعده، ولا كيف يمكن أن تصله رسائلك المؤجلة. أن تنشغل بمن لا يراك، وتستنزف مشاعرك في استرضاء من لا يعنيه حضورك، وتبذل من وقتك وكرامتك ما يكفي لشراء لحظة رضا عابرة، فيما هناك قلب يحبك بصدق، ويكتفي منك بما تستطيع من محبة واهتمام. قد يكون ذلك القلب أما أو أبا أو أو أخا صديقا قديما، أو شخصا منحك من عمره ما لم تنتبه يوما إلى قيمته، لأنه كان قريبا بما يكفي لتطمئن إلى بقائه. نؤجل الزيارات أحيانا لأن الغد يبدو مضمونا، ونختصر المكالمات لأن لدينا ما هو أهم، ونعد أنفسنا بأننا سنعوض من نحب حين تنتهي مشاغلنا. غير أن المشاغل تعرف كيف تتكاثر، والأيام تمضي من غير أن تستأذننا، حتى يأتي خبر صغير يغيّر ترتيب الأشياء في أعيننا إلى الأبد. عندها نستعيد وجوها لم نمنحها حقها من التأمل، وأصواتا كنا نستعجل انتهاء أحاديثها، وعتبا بسيطا تمنينا لو سمعناه مرة أخرى. ما أغرب قدرتنا على منح الغرباء من وقتنا أكثر مما نمنح أهلنا، وعلى الوقوف طويلا أمام أبواب مغلقة نرجو منها قبولا أو اعترافا، فيما نمر سريعا على الأبواب التي تفتح لنا بمحبة. نركض وراء مكانة قد لا تضيف إلى أرواحنا شيئا، ونحزن لأن شخصا لم يلتفت إلينا، وننسى من كان يفرح لمجرد سماع أصواتنا. وحين نراجع حساباتنا بعد الفقد، ندرك أن بعض ما أرهقنا كان يستحق التجاهل، وأن بعض من أهملناهم كانوا يستحقون أعمارا إضافية من قربنا. ولعل أقسى ما في الرحيل أنه يكشف لنا حقيقة علاقاتنا بأنفسنا أيضا. كم مرة خذلنا مشاعرنا الصادقة كي نرضي آخرين، وكم مرة اعتذرنا عن زيارة حبيب بحجة التعب، ثم احتملنا مشقة الطريق إلى شخص لا يبادلنا الود. كم مرة عرفنا أن أحدهم يحتاج إلينا، وقلنا إن الوقت لم يحن بعد، حتى صار الوقت كله ملكا للندم. لا أظن أن أحدا يستطيع استعادة الماضي، أو إصلاح ما انكسر في لحظة غياب، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نوزع محبتنا بعدالة أكبر، وأن نعيد النظر في أولوياتنا قبل أن يفرضها علينا الفقد. فالعلاقات الحقيقية تحتاج إلى رعاية يومية، وإلى حضور يشعر به الآخر، وإلى كلمات تقال في وقتها، واعتذارات لا تتأخر حتى تفقد معناها. وقد تكون زيارة قصيرة أثمن من هدية باهظة، ومكالمة صادقة أعمق أثرا من وعود طويلة نرددها كلما ضاق بنا تأنيب الضمير. أما الذين رحلوا، فلهم في القلب مكان لا تبلغه الأقدام، وتبقى ذكراهم امتحانا لمحبتنا ووفائنا. نرجو أن تصلهم دعواتنا، ونحفظ ما أحبوه، ونصل من كانوا يحبونهم، ونجعل من غيابهم سببا لمزيد من الرحمة في حياتنا. وربما كان أجمل الوفاء لهم أن ننتبه إلى الأحياء الذين ما زالوا ينتظرون منا التفاتة، قبل أن تتحول أسماؤهم إلى ذكريات نستدعيها كلما أوجعنا الحنين. فلنخفف من طرق الأبواب التي تستنزف أرواحنا، ولنلتفت إلى الذين يفتحون لنا قلوبهم بمحبة. فما أقسى أن نقضي أعمارنا في انتظار من لا يأتي، ثم نكتشف أن الذين كانوا يستحقون انتظارنا قد رحلوا إلى حيث لا نعرف من أمر اللقاء إلا ما نرجوه ونؤمن بإمكانه. عندها لن يعيد الاعتذار المتأخر صوتا غاب، ولن تعود يد امتدت إلينا ذات يوم لتمنحنا الأمان. وربما كان علينا أن نفهم باكرا أن بعض الأبواب ينبغي أن نغادرها، وأن بعض الأبواب تستحق أن نبقى عندها أكثر، لأن أصحابها كانوا يمنحوننا الحب الذي بحثنا عنه طويلا في الأماكن الخطأ.
636
| 12 أكتوبر 2026