رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مررت عليه وهو فاتح صنبور الماء على آخره ليغسل السيارة دون أدنى إحساس بكمية الماء المهولة التي تتدفق من الخرطوم الضخم في كل اتجاه، وتكون نهرا صغيرا بجانب الرصيف الممتد حتى آخر الشارع!! هذا المنظر بالذات استدعى مخاوف انتابتني بعدما قرأت تقريرا عن سد النهضة، ولاحظت أن البعض يهون أمره، ويستهول البعض تداعياته المرعبة بالتأكيد ان السد سيصدر لمصر كارثة اسمها الجفاف، فلا أرض ستزرع، ولا ضرع سيسقى، ولا بنو آدم سيعرفون الراحة والامان وهم فاقدون لشربة ماء لان الخرسانة التي زرعت في أرض النيل وتجاهلت حقوق بلاد الحوض ستغلق (الحنفية) التي تشرب منها مصر! طيب ماذا ننتظر، وأثيوبيا تتركنا نضرب رؤوسنا في (الحيط) وتمضى في اكمال سدها دون أن تأبه لمحادثات أو مفاوضات، أو مؤتمرات، أو ملاطفات؟ ماذا تنتظر والتقارير تقول إن أثيوبيا انتهت فعلا من بناء 60 % من السد؟ هل تنتظر مصر حتى تتأكد من فشل كل الاجتماعات والملاطفات على الطاولة المستديرة، والمستطيلة والمربعة، ثم تضرب السد ليصبح في خبر كان؟ طيب وهل ستظل أثيوبيا مكتوفة الايدي أمام ضرب السد؟ هل نحن أمام حرب قادمة لا محالة ليتحقق فعلا ان الحرب القادمة ستكون على الماء، والأقوى فيها هو المسيطر على المنابع، المتحكم في المسار؟ ما شكل القادم، وتوقعاته، وحساباته، وخسائره، وأرباحه؟ ان الذي يفكر في نقطة الماء، وما قد يستجد ليحرمها يخاف، والذي يقرأ أن اكتمال سد اثيوبيا سيحرم مصر من 12 مليار متر مكعب من الماء لابد أن يخاف و(يتخض) وهو يتصور الخلق وهم يتضورون جوعا وعطشا، والحياة وقد توقف شريانها تماما عن النبض ايذانا بالموت!!. لست من المتشائمين، لكن اعتدت بان الأمة العربية لا تحاول دفع أي كارثة إلا بعد أن تقع، حتى إدارة الأزمات كثيرا ما تتحرك في الوقت غير المناسب حيث لا يجدي البكاء على اللبن المسكوب! مازال صاحبنا يغرق الشارع بماء خرطومه ليغسل سيارة ثانية، ومازالت مخاوف تصطخب برأسي خاصة وانا اتابع ملامح المحاورين الاثيوبيين خلال حديثهم مع نظرائهم المصريين، الملامح لا تشي بارتياح، الوجوه مكفهرة، ناشفة، الابتسامة غائبة، والعيون الجامدة تقول ما لا تقوله الألسنة، وربنا يستر على مصر.
* خرجت أتأمل البحر الذي كان نهرا صغيرا بعدما أنهى صاحبنا غسل سياراته، وباغتني سؤال قلق، أترانا سننعم دائما بما لدينا من وفرة لا نقدر نعمتها؟ هل سنظل على الشعور باللامبالاة بالمياه التي نغدقها على غسل السيارات، والاحواش، والسلالم، والسجاجيد، وري أحواض الحدائق حتى تغرق؟ هل سننعم طويلا بوقوفنا تحت (الدش) غير مبالين، ولا ملتفتين إلى اننا نستحم بماء يكفي قبيلة؟ هل سيظل المترفون يتمتعون بملء حمامات سباحتهم الفيروزية بفيلاتهم الفخمة في منتجعاتهم المترفة؟ هل سيتنازل الأقل ترفا عن ملء (البانيو) بالماء لزوم الاسترخاء ثم تذهب مئات الجالونات الى الصرف الصحي؟ وقبل كل هذا هل اعتدنا على ثقافة هدر الماء، ولم تؤثر فينا وصية الرسول الكريم بتجنب الهدر وإن كنا على نهر جارٍ؟ هل أصبح الهدر عادة بها نستخف بأغلى كنوز البشر — الماء؟ نعم أصبح الهدر عادة، يشهد على ذلك مرورنا على صنابير ترشح بالشهور ولا نحاول إصلاحها! يحدث هذا في منازلنا، وفي مساجدنا بالحمامات والمواضئ دون الإبلاغ لاصلاحها، نعم الهدر عادة، فنحن نرى الخدم وما يفعلون بالماء دون أن نمنعهم بكلمة، هذا غير (الدينامو) الذي يرفع الماء ليمتلئ الخزان ويفيض مكونا بحيرة، والخادمة مشغولة بمكالمة طويلة مع (البوي فرند)! ببساطة، نعم نحن نهدر الماء، ولا نحافظ عليه ونرشد استخدامنا إلا في حال انقطاعه، وساعتها نكتشف أننا يمكن أن نتوضأ إذا ما انقطع الماء بزجاجة ماء صغيرة وربما فاض منها! مازال العصف برأسي، وحكاية السد تشغلني، وتصور الآتي يقلقني، لست متشائمة أكرر، لكن ما قرأته عن تداعيات السد مرعبة، اللهم احفظ مصر هبة النيل.
* أكيد ستشعر بارتياح كبير وأنت تتابع أي متحدث اختار أن يتكلم باللغة العربية الفصحى محافظا على سلامتها من الخدش، ومتنقلا بين كلماته، وتعبيراته بسلامة، ويسر، وسلاسة، ولعل الاستماع لهذا النوع من المتحدثين بعدما ابتلينا به من الذين امتهنوا الاعلام دون ان يكون مهنتهم، لعل الاستماع لهذا النوع متعة تجلب المتابعة وتحول دون كسر التلفزيون، أو قذفه بالريموت! متأكدة أن كل الذين يعرفون ان الفاعل مرفوع، والمفعول منصوب، وما تفعله حروف الجر بالكلمات، يجزون على أسنانهم انفعالا وهم يصدمون بسماع رؤساء، وقضاة، ومذيعين، وكتاب، وصحفيين في خطابات، أو لقاءات، أو حوارات وهم (يدعسون) في بطن اللغة، ينصبون الفاعل، ويرفعون المفعول، ويصرفون ما لا يصرف، وينكلون بـ (إن وأخواتها) ويجرون ما لا يجره (بغل)! لذا لم استغرب دهشة د. يوسف زيدان، وخروجه عن موضوع الحوار ليقول لمذيعة تستضيفه (معقولة؟ ولا غلطة في النحو، أحسنتي)، الرجل لم يتخيل خلو كلام المذيعة لمدة دقيقة من الأخطاء اللغوية، فأعرب لها عن سروره وتقديره (لخروجها عن النص) في الأخطاء التي أصبحت دارجة، وعادية، وللكسور القاتلة بضلوع اللغة التي يأتيها المتحدثون على اختلاف مواقعهم وهم يبتسمون لنا ابتسامة أحلى من ابتسامة الموناليزا!!.
* طبقات فوق الهمس
* جلس العريس يتكلم مع والد العروس عن رصيد حبه لابنته...أبو العروسه رد عليه (هات من الآخر..كلمني عن رصيدك في البنك، اه الفلوس أهم من العواطف).
* كل الذين عرفوه، حفظوا عنه أنه لا يكاد يخرج من باب بيته إلا وقد قال (اللهم اكفني شرار خلقك أجمعين) واكفنا يارب العالمين.
* يضيع كل شيء لا نحرص على حمايته، من أولاد، وأصدقاء، وأموال، ومجوهرات.
* سؤال للمسؤول الجرئ الذي يعلن عن اكمنة الفاسدين ويعلن أسماءهم، أين كنت حضرتك طوال فترة خدمتك؟ لماذا كنت كامنا، وساكتا؟ كنت خائفا؟ ولا كنت مستفيدا فوريا؟
* قالت له بأعلى صوتها...أيوه حاخلعك..طبعا بعد ما بلغ الستين، وكتب كل ممتلكاته باسمها، وأصبح يا عيني على الحديدة!! حريم حجر!!.
* يا أيها الحب المهاجر، الكرة الأرضية اشتاقت كلها لك..متى تعود؟.
ألعاب الأطفال الشعبية في العيد
العيد فرحة للصغار والكبار، ولكنه للأطفال أكثر متعة لما يحمله من فرص لاستكشاف البيئة المحيطة وتطوير صداقات جديدة،... اقرأ المزيد
90
| 22 مارس 2026
ملحمة وطنية
منذ اندلاع الحرب في الثامن والعشرين من فبراير، وجدت دولة قطر نفسها أمام اختبار تاريخي جديد، اختبار لم... اقرأ المزيد
141
| 22 مارس 2026
الرواقية: فلسفة المجتمع القطري في زمن الهجمات
حين يغدو الثبات فلسفة قطرية في زمن الهجمات، فمع مرور الأيام مع محاولة اختراق الصواريخ المعادية سماء الدوحة... اقرأ المزيد
234
| 22 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سينهي الحرب من يملك أوراق الصمود، فإذا نظرنا للمواجهات بين ايران وامريكا واسرائيل وإذا أخذنا العناصر الأساسية للصمود من الطبيعة الجغرافية التي هي مسرح العمليات فنحن نتحدث عن إيران كمساحة تبلغ حوالي 1.7 مليون كم2 تنتشر فيها القوات والقدرات الايرانية محصنة بسلاسل جبلية يصعب اختراقها ولذلك فإن القوتين المحاربتين لإيران في حاجة لتغطية كل هذه المساحة واختراق القمم الجبلية. وهذا سيكون من الصعب خاصة عند الحديث عن آلاف المواقع التي تحتاج تغطيتها وقد تعود عدة مرات لمثل هذه المواقع لكي تتأكد انه تم تدميرها وفي الكثير من هذه المواقع يصعب الوصول لها إما لأسباب طبيعية أو التمويه من قبل القوات الإيرانية، في المقابل مساحة فلسطين تعتبر صغيرة والقدرات الإسرائيلية متكدسة ومكشوفة فيسهل لإيران الوصول لكل هذه الأهداف بشكل ميسر إما لقلة عدد الاهداف او لتواجدها قريبة من بعضها او لكون إيران تستخدم الصواريخ الدقيقة للوصول لها. في الجانب الآخر وخاصة استخدام سلاح الطيران والذي تعتمده اسرائيل وامريكا سيكون شاقا عليهم مثل هذه الحركة لمسافة آلاف الكيلومترات فيستنزف الكثير من الوقود ويستنزف الكثير من طاقة الطواقم او يكون مكلفا باستخدام حاملات الطائرات وتكون معرضة للهجمات. ويرفع المخاطر عليهم بسبب تقادم مثل هذه الطائرات، إذن مسافات خطوط الامداد تبدو في صالح الطرف الايراني وايران هي المصنعة لصواريخها ومنصات انطلاقها، فبالامكان تسمية هذا انه "مسافة السكة" لايران بينما يعاني الطرف الاخر من تعقيدات خطوط الامداد التي تزيد عن احد عشر الف كم. واذا اضفنا الى هذه المسافة مساحة ايران تبرز مدى الصعوبة في السيطرة على الأحداث في الارض بالنسبة لسلاحي الطيران، اذن اذا كانت المساحة في صالح ايران وخطوط الإمداد في صالح ايران والمخزون أيضا في صالح ايران فبعد ان انهكت اسرائيل وامريكا في حرب غزة واوكرانيا وعلى مدى سنتين أو أكثر فإن مخزونهما من الذخيرة ومستوى استنزافهما بلغ درجات قصوى ولذلك فاعتمادهما استراتيجية الصدمة والترهيب قد تكون مفيدة في حال كانت فترة المواجهات قصيرة. اما اذا امتدت فترات اطول فإنها قد تعرضهما اما لزيادة الانهاك بالنسبة للطواقم والتهالك بالنسبة للطائرات والاجهزة والحالة الثالثة نفاد مخزون الذخيرة وهذه ثلاثة عوامل جد خطيرة بالاضافة إلى عاملين اخرين يخدمان ايران وهما التكاليف المنخفظة مقارنة بانتاج الذخيرة الامريكية التي تبلغ اكثر من خمسين ضعفا مقارنة بانتاج الذخيرة الايراني وعمليات الانتاج الايراني المستمرة وهو انتاج حربي في مقابل الشركات الامريكية والتي تحتاج خطوط انتاجها فترات زمنية طويلة للانشاء والانتاج. فإذا أضفنا لكل هذه العوامل الجبهة الداخلية بالنسبة لايران تبدو صلبة وأما الجبهات الداخلية بالنسبة للولايات المتحدة فإن الشعب الأمريكي يرفض مثل هذه الحرب وقد تؤدي بالادارة الامريكية لفقدان الانتخابات النصفية وما بعدها أيضا فقدان الكونغرس وكذلك الحال بالنسبة لاسرائيل فالجبهة الداخلية متشظية ومنهكة وتتجاذبها الايديولوجيات من العلمانية الى الليبرالية والمذاهب المختلفة من الحسيدية الى الحريدية. فاذا نظرنا وجدنا أن العامل الزمني يخدم ايران، فمع مرور الزمن تتراجع مكانة وقدرات أمريكا واسرائيل فلا هما قادران على فك حصار مضيق هرمز ولا قادران على الدفاع عن نفسيهما امام صواريخ ايران الفرط صوتية ومسيراتها، وبما ان أمريكا واسرائيل هما من بدأتا هذه الحرب بظروف غير مواتية لكلتيهما اصبح الرأي العام العالمي داعما لإيران بما انه اعتدي عليها من قبل امريكا واسرائيل، والأخطر ان ايران تملك ايضا ورقة الطاقة خاصة لموقعها الجغرافي على مضيق هرمز. وهذا سيجعل من الأوضاع في الاقتصاد الأمريكي جد صعبة فأي زيادة في أسعار الطاقة سيكون لها تداعيات بالغة على الاقتصاد وعلى الإدارة الامريكية.
17124
| 16 مارس 2026
* مع اقترابنا من نهاية هذا الشهر الفضيل، نسأل الله أن يبلغنا ليلة القدر، وأن يجعلنا من عتقائه من النار، وأن يتقبل منا الصيام والقيام وصالح الأعمال. وفي ظل ما يمر به العالم من ظروف صعبة وأحداث مؤلمة، نسأل الله أن يرفع الغمة، وأن يعم الأمن والسلام على بلادنا وسائر بلاد المسلمين. * في هذه الأيام المباركة، تتجه القلوب إلى بيوت الله بحثًا عن السكينة والخشوع، خاصة في المساجد التي يرتبط بها المصلون روحانيًا، ومن بينها المساجد التي يؤم فيها الشيخ عبدالرشيد صوفي، لما لصوته من أثر بالغ في نفوس المصلين، وما يحمله من خشوع يجعل الكثيرين يحرصون على الصلاة خلفه منذ سنوات. * هذا الإقبال الكبير، بطبيعته، يتطلب جاهزية عالية في إدارة المسجد، من حيث تنظيم الدخول والخروج للمواقف، وتوفير المساحات الكافية، وتهيئة المرافق، وحسن التعامل مع المصلين والمصليات، إلا أن الواقع في بعض الحالات لا يعكس هذا المستوى من الجاهزية. * فمن غير المقبول أن يتم التحكم في المرافق الأساسية، وإغلاق دورات المياه، أو تخصيصها لفئة معينة دون غيرها، بما يسبب معاناة للمصليات، ويخلق حالة من الازدحام والتوتر، بل ويدفع بعضهن للخروج إلى المرافق الخارجية للوضوء. كما أن غياب التنظيم الواضح، وترك بعض الجوانب لاجتهادات فردية دون صفة رسمية، قد يؤدي إلى ممارسات لا تتناسب مع حرمة المكان، سواء في أسلوب التعامل أو في آلية إدارة المصلى. * إن بيوت الله يجب أن تظل مفتوحة، رحبة، قائمة على الرفق، كما أرشدنا النبي ﷺ، لا أن تتحول- تحت أي ظرف- إلى بيئة يشعر فيها المصلون بالتضييق أو التمييز أو التوتر. * كما أن ما يُثار حول وجود تدخلات غير رسمية في بعض المساجد، أو التعامل معها وكأنها نطاق خاص، يطرح تساؤلات مشروعة حول ضرورة تعزيز الإشراف المؤسسي، وتأكيد أن المسجد وقف لله، يخضع لتنظيم الجهات المختصة، ولا يُدار وفق اعتبارات شخصية أو علاقات. * إن طرح هذه الملاحظات لا يأتي من باب النقد المجرد، بل من حرص صادق على بيوت الله، وعلى أن تبقى، كما ينبغي، مكانًا للسكينة، والرحمة، والخشوع. * ومع ختام هذا الشهر الكريم، فإن الأمل كبير بإذن الله في أن تؤخذ هذه الملاحظات بعين الاعتبار، وأن يتم التعامل معها بجدية، والاستعداد بشكل أفضل للمواسم القادمة، بما يضمن تهيئة بيئة إيمانية متكاملة، تليق بروحانية رمضان، وبمكانة المساجد، وبحرص المصلين على العبادة فيها. فالمساجد ليست مجرد مباني بل هي روح تُبنى، وقيمة تُصان، وأمانة يجب أن تُحفظ. * آخر جرة قلم حين يحرص الناس على الصلاة خلف إمام بخشوع الشيخ عبدالرشيد صوفي والحرص على الحضور من مناطق بعيدة، والتواجد طوال الشهر، فذلك دليل حياة في القلوب، لا يُقابل بإغلاق باب، ولا بتضييق مرفق، ولا بسوء إدارة. بيوت الله لا تُدار بالمفاتيح، بل بالمسؤولية. ولا تُحفظ بالمنع، بل بالرحمة. فإن لم تُصن روحانية المسجد، فماذا نصون؟ نسأل الله أن يتقبل، وأن يبلغنا وإياكم رمضان أعوامًا عديدة، في أمن وسكينة وطمأنينة. وأن يبلغنا ليلة القدر وما تنزل فيها من كل أمر حكيم.
1230
| 18 مارس 2026
ليست الحياة سوى جند مطواع يفتح ذراعيه لاستقبال كل من حمل في قلبه خيراً فأضاءه، فهي تأنس بمن يأنس إليها، وتلين لمن يطرقُ بابها بعزمٍ صادقٍ، فتفتح مسالكها لمن جاء زارعاً مُعمراً لا عابراً مجتازاً فحسب، وتستقبله هاشةً باشة، وكأنما تُكافئه جزيلاً على سلامة النية، وصفاء المقصد. ثم لا تلبث أن تلاعبه قليلاً لتمتحن شدّة صبره، وتختبر حقيقة جَلده، فيقف عند مفارقها لحظاتٍ يتبيّن فيها مقدار ما في صدره من احتمالٍ وثبات. وفي تلك المداورة الخفيّة تتجلّى معادن النفوس، وتنكشف سرائر الصدور، فمن وثق عزمه ازداد رسوخاً، ومن لانَ ساعده تعلّم من العثرة ما يقوّي خطوه في المرة القادمة. وكأن الحياة في هذا الامتحان لا تريد إلا أن تُظهر خبيئة المرء لنفسه، ليعرف موضع قدمه في دروبها، ومقدار ما يملك من صبرٍ على مسالكها الوعرة. فإن اجتاز.. تباهت به، وكأنها ترفع ذكره بين تجاربها، وتشهد له بأنه ممن صدقوا المسير ولم يهن لهم عزم. وإن علق في بعض منعطفاتها أعطته كرّات أخرى، تُمهله ليعيد المحاولة، ويستنهض الخطوة، ويستأنف السير بعزمٍ أشد وبصيرةٍ أوسع. وهكذا تبادله ودًّا بود، وإقداما بإحجام، في علاقةٍ خفيّة تتوازن فيها الخطوات بين الدفع والتريّث، وبين الجرأة والحكمة. ويمضي الإنسان في هذه المداولة الطويلة، تكرّ به الأيام وتفرّ، وهو يقطع فيافيها وقفارها، عابراً مسالكها البعيدة، متجاوزاً مفازاتها المترامية، حتى يبلغ واحاتٍ يهدأ عندها، ومستراحاتٍ يستردّ فيها أنفاسه. فلا يلبث أن يُدرك أن كل ما قطعه من مسافات كان جزءاً من الطريق إلى تلك السكينة، وأن كل اختبار مرّ به كان درجةً في سلّم النضج والاتساع. لحظة إدراك: هكذا تتبدّى الحياة في وجهها الأصدق: ميدانٌ رحب لمن أحسن قصدها، ورفيقُ مسيرٍ لمن أقبل عليها بنيّة الإعمار والسعي، فليست هذه سوى بتلك !
903
| 17 مارس 2026