رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بدا المشهد اليمني في هذه اللحظات التاريخية أكثر تعقيداً ومهيئاً للانفجار والاحتراب والتشظي.. حيث يعتقد البعض أن القوة التي يسيطر بها الحوثيون وحليفهم الرئيس السابق «علي عبدالله صالح» ليست كفيلة باستقرار الوضع السياسي والحياة المدنية في اليمن.
هذه التحولات التي بدأت عشية الثورة لشباب اليمن في عام 2011م وانتهت بإقصاء الرئيس السابق وبعض رموز نظامه، وفق مبادرة خليجية، والتوافق على «هادي» رئيساً مؤقتاً لليمن لحين الوصول إلى دستور جديد متكئاً على نتائج الحوار بين القوى السياسية والاجتماعية، شارك فيه الجميع بمن فيهم الحوثيون وجماعة الرئيس السابق.
لكن التكتيك الذي اتبعته قوى الثورة المضادة المحلية في اليمن والإقليمية والدولية لإنهاء الأوضاع السياسية التي خلفتها الثورة أجهض حلم الثورة ونتائجها، وكانت نهايتها باستقالة الرئيس «هادي» وهو الشرعية الوحيدة التي تبقت من نتائج الثورة اليمنية، إذ إن مخرجات الحوار تم تجاوزها بالقوة وفي فرض اتفاق بين الرئاسة والقوى السياسية والحوثيين بعد سقوط صنعاء في سبتمبر 2014م، ثم سعت جماعة «أنصار الله» (الحوثيون) وحلفاؤهم من أتباع الرئيس السابق وقياداته والمكون الموالي من الجيش له إلى السيطرة وبسط النفوذ على محافظات الشمال والوسط لفرض الأمر الواقع، كان الهدف من التحالف (الحوثي - هادي – صالح)، هو إجهاض الثورة وإعادة ترتيب النفوذ والسلطة، ولكن ما حدث في الطريق أنَّ مقاومة رجال القبائل والقوى السياسية والشبابية وسكان المحافظات أوجدت حالة جديدة من التحدي، وأدت رغبة الحوثي بدوافع ذاتية وإيرانية إلى محاولة التمركز السريع في إطار شرعية الدولة ومواقعها للحصول على كل المواقع الحساسة والمؤثرة، وشعور الحوثيين بأن الرئيس «هادي» حجر عثرة في هذه اللحظة، وأنه قد انتهت مهمته بالنسبة لهم، حيث مازال التحالف الحوثي مع «علي عبدالله صالح» قائماً بما يحقق التفاهم في غياب «هادي»، وإيجاد مجلس رئاسي يوافق عليه البرلمان المسيطر عليه من رئيسه وغالبية أعضائه الموالين لـ"صالح»، لكن توافر اليقين عند رجال القبائل وشباب الثورة والقوى السياسية أن مخرجات الحوار قد دمرت، وأن البلد يسير في اتجاه دكتاتورية الحوثيين و"صالح" فانسحبت القوى من الحوار، واندلعت الحركات الشبابية في الشوارع، وتمنطقت القبائل بالسلاح في صنعاء ومأرب والجند وتعز استعداداً للمواجهة.
وسارع الحراك الجنوبي بالتحرك للعزل السياسي لصنعاء على المحافظات الجنوبية «عدن، حضرموت، وغيرها»، حيث استلمت القوى الأمنية واللجان الشعبية تأمين المؤسسات وعدم قبول أي أوامر من صنعاء.. وهنا اتضح أن اليمن والجميع في ورطة.
ورطة الحوثيين:
حيث إن الحوثيين بتعجلهم واستخدامهم للقوة أصحبوا في مقدمة المشهد، ويتحملون كافة المسؤولية فيما وصلت إليه الأمور من سقوط للدولة، وتفكك للبنى المدنية، والاستيلاء على مقدرات الجيش، فهم مقبلون ولا شك على احتراب مع القبائل ومواجهة الثورة الشبابية التي استأنفت حراكها من جديد، وعدم القدرة على إدارة الدولة، لقد ورطها «هادي»، و"علي صالح" محلياً، والإيرانيون وسكوت الأمريكيين ليكونوا في المقدمة والمسؤولية على حساب الاستقرار والاحتراب، ورغم سيطرتهم على صنعاء وارتهان «هادي» ووزرائه تحت الإقامة الجبرية، فإنهم في ورطة كبيرة سياسياً وميدانياً.
ورطة «هادي»:
لقد عمل «هادي» على عقد تفاهمات مع الحوثيين وقيادات في الجيش وقيادات في الحراك الجنوبي لتسهيل سقوط عمران، وتسهيل دخول الحوثيين لصنعاء، وتصفية قيادات الجيش التي وقفت مع الثورة كالقشيبي يرحمه الله، وعلي محسن الأحمر وأزاحتهم من المشهد، متوقعاً التصادم بين الحوثيين والإصلاح، ثم اللعب السياسي من أجل تصادم الحوثيين مع «علي عبدالله صالح» ليتفرد في إعادة توزيع السلطات والثروة، لكن تغول الحوثيين وتحالفهم مع «صالح» أدى في النهاية للضغط عليه لقبول شروط الحوثيين التي ركزت على التمركز والتمكن من الدولة وشرعيتها، مما أدى إلى استقالته وحصاره.
ورطة «صالح»:
لقد عمل «صالح» منذ اليوم الأول للثورة في 2011م على إجهاض الثورة ومحاربتها وبعد إسقاطه، وتحت ظل الحصانة التي أنقذته بدأ في ترتيب حساباته ليتحالف مع الحوثيين وقواه النافذة في الجيش بدعم إقليمي لاحتلال الحوثيين لصنعاء، وإنهاء معارضيه القبليين والسياسيين، ولكن يواجه اليوم تمكن الحوثيين من الدولة وهم اليد العليا، وقد حاول منذ أيام محاولة التوصل إلى اتفاق مع عبدالملك الحوثي، ولكن إلى الآن فشل هذا الاتفاق على اقتسام اليمن لعدم الثقة بين الطرفين، وهاهي تستأنف الثورة الشبابية من جديد لتضع «صالح» من جديد أمام مشهد سياسي غامض ومرتبك يهدد اليمن بالتمزق والذي لن يحصد من ورائه ما كان عليه به من النفوذ والسيطرة.
ورطة القوى السياسية والحركات السياسية في الجنوب:
لقد فشلت القوى السياسية والحراك الجنوبي في المحافظة على نجاح مشروع الثورة ومخرجات الحوار الوطني ودولة الأقاليم الستة، ونجاح قوى الثورة المضادة المحلية والإقليمية في تطويق مخرجات الثورة وإنهائها وإعادة اليمن إلى المربع الأول، بل إلى ما هو أسوأ منه، وهو السيطرة المسلحة على الدولة، وإنهاء شرعية الثورة، والتي لم يستطيعوا حماية مخرجاتها.
وهاهي القوى السياسية بمختلف توجهاتها تحصد نتائج تراخيها وثقتها المطلقة بالرئيس وحاشيته، رغم تكشف دوره في المؤامرة منذ سقوط عمران وصنعاء، وتقف الدولة اليوم بسببهم وضعفهم واختلافهم وسحبهم الثوار إلى مربع الحل السياسي أثبتت الأحداث والتحولات أنه كان خياراً خاطئاً.
لقد بات الشعب اليمني والشباب في مقدمتهم لا يثق اليوم بهذه القوى السياسية، فهم في ورطة حيث يتربص بهم تحالف الثورة المضادة من جهة، وتفرق الشارع عنهم وعدم ثقة شباب الثورة بهم من جهة أخرى.
ورطة الدول الخليجية:
لقد بادرت دول مجلس التعاون الخليجي إلى حل سياسي يتوافق عليه أطراف الصراع في اليمن بعد ثورة الشباب في 2011م، ولكن دول الخليج تركت أطراف الثورة المضادة يتحركون بما يشاءون ويتحالفون مع الحوثيين لإسقاط نتائج المبادرة الخليجية، وربما هناك دول محددة في إطار الدول الخليجية دعمت الحوثيين و"علي عبدالله صالح"، لإعادة تمكنهم من مواجهة التيار الإصلاحي والشبابي، ظناً منهم أنهم يعيدون النظام السابق، ولكن ما حدث أن استيلاء الحوثيين على الدولة اليمنية بدعم إيراني وتوافق أمريكي سيجعل اليمن الطائفي الجديد خطراً استراتيجياً على المملكة العربية السعودية وعلى دول الخليج ومصالحها والمصالح العربية والإقليمية في خليج عدن والبحر الأحمر، ويُمكِّنْ بصورة أكبر لإيران ليكون لها دور في الشأن والقرار اليمني، لذا فإن دول الخليج اليوم في ورطة بعدما كان الحل والمبادرة الخليجية فرصة للتوافق والتفاهم في إدارة اليمن الجديد.
ورطة الإيرانيين:
رغم سيطرة الحوثيين، وهم الحلفاء المدعومون من إيران مادياً وعسكرياً، أعطى للإيرانيين فرصة جديدة وتواجداً ونفوذاً في اليمن، فإن الكلفة العسكرية والاقتصادية والسياسية الجديدة على الإيرانيين ليست بقليلة، خصوصاً مع انخفاض أسعار النفط الذي أثر على الميزانيات العامة لإيران بما يخفض الدعم عن حلفائها في الخارج، أضف إلى أن تغول الحوثيين وتبعيتهم الدينية وتشيعهم أدى إلى تحرك مضاد سُني قبلي بما يرفع منسوب الطائفية في اليمن إلى حرب أهلية جديدة ستكلف إيران وحلفاءها الحوثيين بشكل كبير، فهل إيران وقعت في مصيدة العقدة اليمنية؟
ورطة الولايات المتحدة:
لقد مررت الولايات المتحدة بشكل كبير حل المبادرة الخليجية بالموافقة والضمانات الدولية، لكنها وبشكل تكتيكي كانت تنتقي ما تراه أنه يخدم مصالحها في إيجاد سلطة قادرة على محاربة «القاعدة» في اليمن، وتضمن سلامة الممرات البحرية، ومن عام 2009م والاتصالات بين الولايات المتحدة وأطراف حوثية مستمرة، كان من نتائجها إيقاف الحرب السابعة من الدولة على الحوثيين، واعتبار الحوثيين رغم استخدام القوة والسلاح جماعة سياسية محلية وليست إرهابية، مروراً بسقوط عمران وصنعاء، ولكن التصريحات الأخيرة للأمريكيين بعد تطورات المشهد اليمني والانقلاب على «هادي» من قبل الحوثيين، أكدت أن العلاقة بين الأمريكيين والحوثيين أكثر عمقاً، إذ اعتبرت الولايات المتحدة أنه لا يوجد ما يجعل الحوثيين لهم صلة بإيران، رغم المعلومات المؤكدة عند الأجهزة الأمنية في الولايات المتحدة خلاف ذلك.
لقد أرادت الولايات المتحدة أن تحقق من خلال صمتها وتجاوزها عن الحوثيين أن يكونوا الأداة المتمكنة لمواجهة «القاعدة» وتأمين الممرات البحرية في إطار تفاهمات شاملة مع الإيرانيين، ولكن الأمريكيين في ورطة، لأن الحوثيين لا يستطيعون أن يحققوا لهم ما يريدون، ولأن الحوثيين يعرفون أن حربهم ضد «القاعدة» ستنتقل عاجلاً أو آجلاً إلى صعدة، حيث إن «القاعدة» تنظيم قادر على أن يصل ويقوم بعمليات في عمق صعدة نفسها.
كما أن الحوثيين وهم مقبلون للتمركز والتمكن في الدولة لن يقوموا بهذه المهمة بشكل مطلق، لأنهم لا يريدون أن يتحولوا إلى معركة احترابية طائفية تفقدهم شرعية التواجد السياسي والأمني في الدولة؛ لذا فالحوثيون مترددون حول هذا الموضوع رغم الفرقعات السياسية والإعلامية.
لذا فإن تمركز الحوثيين يعطي قوة لإيران ونفوذاً في القرار الاستراتيجي لمنطقة تعتبرها الولايات المتحدة منطقة مهمة، وبالتالي فإن الولايات تورطت في الصمت عن تمكن الحوثيين الذين هم أقرب للإستراتيجية الإيرانية في حوارها مع الولايات المتحدة بشأن النووي وورقة رابحة للضغط في هذا الملف.
الحل:
ولأن الجميع في ورطة في اليمن، فإن المشهد السياسي يتجه نحو استئناف الثورة، وحشد الشوارع، وإسقاط الثورة المضادة المسلحة، لتعود الأوضاع من جديد إلى حالة الحوار والاستقرار، وأنه لن ينفع أحداً التغول على الدولة اليمنية وشعبها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3423
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3165
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1221
| 01 أكتوبر 2026