رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بدا المشهد اليمني في هذه اللحظات التاريخية أكثر تعقيداً ومهيئاً للانفجار والاحتراب والتشظي.. حيث يعتقد البعض أن القوة التي يسيطر بها الحوثيون وحليفهم الرئيس السابق «علي عبدالله صالح» ليست كفيلة باستقرار الوضع السياسي والحياة المدنية في اليمن.
هذه التحولات التي بدأت عشية الثورة لشباب اليمن في عام 2011م وانتهت بإقصاء الرئيس السابق وبعض رموز نظامه، وفق مبادرة خليجية، والتوافق على «هادي» رئيساً مؤقتاً لليمن لحين الوصول إلى دستور جديد متكئاً على نتائج الحوار بين القوى السياسية والاجتماعية، شارك فيه الجميع بمن فيهم الحوثيون وجماعة الرئيس السابق.
لكن التكتيك الذي اتبعته قوى الثورة المضادة المحلية في اليمن والإقليمية والدولية لإنهاء الأوضاع السياسية التي خلفتها الثورة أجهض حلم الثورة ونتائجها، وكانت نهايتها باستقالة الرئيس «هادي» وهو الشرعية الوحيدة التي تبقت من نتائج الثورة اليمنية، إذ إن مخرجات الحوار تم تجاوزها بالقوة وفي فرض اتفاق بين الرئاسة والقوى السياسية والحوثيين بعد سقوط صنعاء في سبتمبر 2014م، ثم سعت جماعة «أنصار الله» (الحوثيون) وحلفاؤهم من أتباع الرئيس السابق وقياداته والمكون الموالي من الجيش له إلى السيطرة وبسط النفوذ على محافظات الشمال والوسط لفرض الأمر الواقع، كان الهدف من التحالف (الحوثي - هادي – صالح)، هو إجهاض الثورة وإعادة ترتيب النفوذ والسلطة، ولكن ما حدث في الطريق أنَّ مقاومة رجال القبائل والقوى السياسية والشبابية وسكان المحافظات أوجدت حالة جديدة من التحدي، وأدت رغبة الحوثي بدوافع ذاتية وإيرانية إلى محاولة التمركز السريع في إطار شرعية الدولة ومواقعها للحصول على كل المواقع الحساسة والمؤثرة، وشعور الحوثيين بأن الرئيس «هادي» حجر عثرة في هذه اللحظة، وأنه قد انتهت مهمته بالنسبة لهم، حيث مازال التحالف الحوثي مع «علي عبدالله صالح» قائماً بما يحقق التفاهم في غياب «هادي»، وإيجاد مجلس رئاسي يوافق عليه البرلمان المسيطر عليه من رئيسه وغالبية أعضائه الموالين لـ"صالح»، لكن توافر اليقين عند رجال القبائل وشباب الثورة والقوى السياسية أن مخرجات الحوار قد دمرت، وأن البلد يسير في اتجاه دكتاتورية الحوثيين و"صالح" فانسحبت القوى من الحوار، واندلعت الحركات الشبابية في الشوارع، وتمنطقت القبائل بالسلاح في صنعاء ومأرب والجند وتعز استعداداً للمواجهة.
وسارع الحراك الجنوبي بالتحرك للعزل السياسي لصنعاء على المحافظات الجنوبية «عدن، حضرموت، وغيرها»، حيث استلمت القوى الأمنية واللجان الشعبية تأمين المؤسسات وعدم قبول أي أوامر من صنعاء.. وهنا اتضح أن اليمن والجميع في ورطة.
ورطة الحوثيين:
حيث إن الحوثيين بتعجلهم واستخدامهم للقوة أصحبوا في مقدمة المشهد، ويتحملون كافة المسؤولية فيما وصلت إليه الأمور من سقوط للدولة، وتفكك للبنى المدنية، والاستيلاء على مقدرات الجيش، فهم مقبلون ولا شك على احتراب مع القبائل ومواجهة الثورة الشبابية التي استأنفت حراكها من جديد، وعدم القدرة على إدارة الدولة، لقد ورطها «هادي»، و"علي صالح" محلياً، والإيرانيون وسكوت الأمريكيين ليكونوا في المقدمة والمسؤولية على حساب الاستقرار والاحتراب، ورغم سيطرتهم على صنعاء وارتهان «هادي» ووزرائه تحت الإقامة الجبرية، فإنهم في ورطة كبيرة سياسياً وميدانياً.
ورطة «هادي»:
لقد عمل «هادي» على عقد تفاهمات مع الحوثيين وقيادات في الجيش وقيادات في الحراك الجنوبي لتسهيل سقوط عمران، وتسهيل دخول الحوثيين لصنعاء، وتصفية قيادات الجيش التي وقفت مع الثورة كالقشيبي يرحمه الله، وعلي محسن الأحمر وأزاحتهم من المشهد، متوقعاً التصادم بين الحوثيين والإصلاح، ثم اللعب السياسي من أجل تصادم الحوثيين مع «علي عبدالله صالح» ليتفرد في إعادة توزيع السلطات والثروة، لكن تغول الحوثيين وتحالفهم مع «صالح» أدى في النهاية للضغط عليه لقبول شروط الحوثيين التي ركزت على التمركز والتمكن من الدولة وشرعيتها، مما أدى إلى استقالته وحصاره.
ورطة «صالح»:
لقد عمل «صالح» منذ اليوم الأول للثورة في 2011م على إجهاض الثورة ومحاربتها وبعد إسقاطه، وتحت ظل الحصانة التي أنقذته بدأ في ترتيب حساباته ليتحالف مع الحوثيين وقواه النافذة في الجيش بدعم إقليمي لاحتلال الحوثيين لصنعاء، وإنهاء معارضيه القبليين والسياسيين، ولكن يواجه اليوم تمكن الحوثيين من الدولة وهم اليد العليا، وقد حاول منذ أيام محاولة التوصل إلى اتفاق مع عبدالملك الحوثي، ولكن إلى الآن فشل هذا الاتفاق على اقتسام اليمن لعدم الثقة بين الطرفين، وهاهي تستأنف الثورة الشبابية من جديد لتضع «صالح» من جديد أمام مشهد سياسي غامض ومرتبك يهدد اليمن بالتمزق والذي لن يحصد من ورائه ما كان عليه به من النفوذ والسيطرة.
ورطة القوى السياسية والحركات السياسية في الجنوب:
لقد فشلت القوى السياسية والحراك الجنوبي في المحافظة على نجاح مشروع الثورة ومخرجات الحوار الوطني ودولة الأقاليم الستة، ونجاح قوى الثورة المضادة المحلية والإقليمية في تطويق مخرجات الثورة وإنهائها وإعادة اليمن إلى المربع الأول، بل إلى ما هو أسوأ منه، وهو السيطرة المسلحة على الدولة، وإنهاء شرعية الثورة، والتي لم يستطيعوا حماية مخرجاتها.
وهاهي القوى السياسية بمختلف توجهاتها تحصد نتائج تراخيها وثقتها المطلقة بالرئيس وحاشيته، رغم تكشف دوره في المؤامرة منذ سقوط عمران وصنعاء، وتقف الدولة اليوم بسببهم وضعفهم واختلافهم وسحبهم الثوار إلى مربع الحل السياسي أثبتت الأحداث والتحولات أنه كان خياراً خاطئاً.
لقد بات الشعب اليمني والشباب في مقدمتهم لا يثق اليوم بهذه القوى السياسية، فهم في ورطة حيث يتربص بهم تحالف الثورة المضادة من جهة، وتفرق الشارع عنهم وعدم ثقة شباب الثورة بهم من جهة أخرى.
ورطة الدول الخليجية:
لقد بادرت دول مجلس التعاون الخليجي إلى حل سياسي يتوافق عليه أطراف الصراع في اليمن بعد ثورة الشباب في 2011م، ولكن دول الخليج تركت أطراف الثورة المضادة يتحركون بما يشاءون ويتحالفون مع الحوثيين لإسقاط نتائج المبادرة الخليجية، وربما هناك دول محددة في إطار الدول الخليجية دعمت الحوثيين و"علي عبدالله صالح"، لإعادة تمكنهم من مواجهة التيار الإصلاحي والشبابي، ظناً منهم أنهم يعيدون النظام السابق، ولكن ما حدث أن استيلاء الحوثيين على الدولة اليمنية بدعم إيراني وتوافق أمريكي سيجعل اليمن الطائفي الجديد خطراً استراتيجياً على المملكة العربية السعودية وعلى دول الخليج ومصالحها والمصالح العربية والإقليمية في خليج عدن والبحر الأحمر، ويُمكِّنْ بصورة أكبر لإيران ليكون لها دور في الشأن والقرار اليمني، لذا فإن دول الخليج اليوم في ورطة بعدما كان الحل والمبادرة الخليجية فرصة للتوافق والتفاهم في إدارة اليمن الجديد.
ورطة الإيرانيين:
رغم سيطرة الحوثيين، وهم الحلفاء المدعومون من إيران مادياً وعسكرياً، أعطى للإيرانيين فرصة جديدة وتواجداً ونفوذاً في اليمن، فإن الكلفة العسكرية والاقتصادية والسياسية الجديدة على الإيرانيين ليست بقليلة، خصوصاً مع انخفاض أسعار النفط الذي أثر على الميزانيات العامة لإيران بما يخفض الدعم عن حلفائها في الخارج، أضف إلى أن تغول الحوثيين وتبعيتهم الدينية وتشيعهم أدى إلى تحرك مضاد سُني قبلي بما يرفع منسوب الطائفية في اليمن إلى حرب أهلية جديدة ستكلف إيران وحلفاءها الحوثيين بشكل كبير، فهل إيران وقعت في مصيدة العقدة اليمنية؟
ورطة الولايات المتحدة:
لقد مررت الولايات المتحدة بشكل كبير حل المبادرة الخليجية بالموافقة والضمانات الدولية، لكنها وبشكل تكتيكي كانت تنتقي ما تراه أنه يخدم مصالحها في إيجاد سلطة قادرة على محاربة «القاعدة» في اليمن، وتضمن سلامة الممرات البحرية، ومن عام 2009م والاتصالات بين الولايات المتحدة وأطراف حوثية مستمرة، كان من نتائجها إيقاف الحرب السابعة من الدولة على الحوثيين، واعتبار الحوثيين رغم استخدام القوة والسلاح جماعة سياسية محلية وليست إرهابية، مروراً بسقوط عمران وصنعاء، ولكن التصريحات الأخيرة للأمريكيين بعد تطورات المشهد اليمني والانقلاب على «هادي» من قبل الحوثيين، أكدت أن العلاقة بين الأمريكيين والحوثيين أكثر عمقاً، إذ اعتبرت الولايات المتحدة أنه لا يوجد ما يجعل الحوثيين لهم صلة بإيران، رغم المعلومات المؤكدة عند الأجهزة الأمنية في الولايات المتحدة خلاف ذلك.
لقد أرادت الولايات المتحدة أن تحقق من خلال صمتها وتجاوزها عن الحوثيين أن يكونوا الأداة المتمكنة لمواجهة «القاعدة» وتأمين الممرات البحرية في إطار تفاهمات شاملة مع الإيرانيين، ولكن الأمريكيين في ورطة، لأن الحوثيين لا يستطيعون أن يحققوا لهم ما يريدون، ولأن الحوثيين يعرفون أن حربهم ضد «القاعدة» ستنتقل عاجلاً أو آجلاً إلى صعدة، حيث إن «القاعدة» تنظيم قادر على أن يصل ويقوم بعمليات في عمق صعدة نفسها.
كما أن الحوثيين وهم مقبلون للتمركز والتمكن في الدولة لن يقوموا بهذه المهمة بشكل مطلق، لأنهم لا يريدون أن يتحولوا إلى معركة احترابية طائفية تفقدهم شرعية التواجد السياسي والأمني في الدولة؛ لذا فالحوثيون مترددون حول هذا الموضوع رغم الفرقعات السياسية والإعلامية.
لذا فإن تمركز الحوثيين يعطي قوة لإيران ونفوذاً في القرار الاستراتيجي لمنطقة تعتبرها الولايات المتحدة منطقة مهمة، وبالتالي فإن الولايات تورطت في الصمت عن تمكن الحوثيين الذين هم أقرب للإستراتيجية الإيرانية في حوارها مع الولايات المتحدة بشأن النووي وورقة رابحة للضغط في هذا الملف.
الحل:
ولأن الجميع في ورطة في اليمن، فإن المشهد السياسي يتجه نحو استئناف الثورة، وحشد الشوارع، وإسقاط الثورة المضادة المسلحة، لتعود الأوضاع من جديد إلى حالة الحوار والاستقرار، وأنه لن ينفع أحداً التغول على الدولة اليمنية وشعبها.
فرائس الاتصال المرئي
منذ سنوات، ومنصات التواصل الاجتماعي تدفع المحتوى المرئي إلى الواجهة على حساب المكتوب، ظهرت منصات كاملة مبنية على... اقرأ المزيد
165
| 21 أبريل 2026
قطر والأردن.. علاقات لا ترسم بالكيلومترات
لعلك تظن أنني حين أقول إن الأمة الإسلامية والعربية عامة والأردني في طليعتهم يحمل من الود والقرب والألفة... اقرأ المزيد
174
| 21 أبريل 2026
ترنيمة الإنكسار والنهوض
إن من مقتضيات النبل، ومن شواهد استنارة البصيرة، أن يُسلّم المرء لعوارض البشرية وما يعتريها من وهن فطري،... اقرأ المزيد
153
| 21 أبريل 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
شهدت وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي خلال الفترة الأخيرة نقلة نوعية لافتة في أساليب التعامل مع الجمهور، انعكست بشكل مباشر على مستوى رضا أولياء الأمور والطلبة في المدارس القطرية ، وساهمت في تسهيل إنجاز المعاملات بصورة غير مسبوقة. هذه الطفرة لم تكن مجرد تحسينات شكلية، بل جاءت نتيجة رؤية واضحة تهدف إلى تطوير الخدمات التعليمية والإدارية بما يتماشى مع التحول الرقمي الذي تشهده الدولة.في السابق، كان إنجاز العديد من المعاملات المتعلقة بأمور الطلاب يتطلب وقتًا طويلًا وجهدًا كبيرًا، إضافة إلى الحاجة للمتابعة المستمرة من قبل أولياء الأمور، سواء فيما يتعلق بنقل الطلبة أو استخراج الشهادات أو متابعة الطلبات المختلفة، وكانت الإجراءات تتسم أحيانًا بالتعقيد وكثرة الخطوات، مما يسبب ضغطًا وإرهاقًا للأولياء الأمور.أما اليوم، فقد تغيرت الصورة بشكل جذري. فقد عملت الوزارة على تبسيط الإجراءات وتوحيدها، مع إطلاق منصات إلكترونية متطورة تتيح للمستخدمين إنجاز معاملاتهم بسهولة وسرعة من أي مكان. وأصبح بإمكان ولي الأمر متابعة حالة الطلب بشكل فوري، دون الحاجة إلى مراجعة المكاتب أو الانتظار لفترات طويلة،هذا التحول أسهم في تقليل الجهد المبذول، ورفع مستوى الشفافية، وتعزيز الثقة بين الجمهور والمؤسسة التعليمية.ويرى كثيرون أن السر في التحول اللافت الذي شهدته وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي في الفترة الأخيرة لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة جهود قيادية ركزت على كسر الجمود الإداري وتحديث أساليب العمل، قامت بها سعادة السيدة لولوة الخاطر وزيرة التربية والتعليم والتعليم العالي التي ارتبط اسمها بالدفع قدما وسريعا بعجلة التطوير التي تشهدها الوزارة وإعادة النظر في عدد من الإجراءات التي ظلت لفترات طويلة دون تغيير يُذكر.فمنذ تولي سعادتها الوزارة، اتجهت الجهود نحو مراجعة شاملة للأنظمة والإجراءات، ليس فقط بهدف التحديث، بل لإزالة التعقيدات التي كانت تُعد في السابق من المسلّمات التي لا يجب التعامل معها إلا كما هي دون تغيير، إن هذا التوجه الجديد أتاح إعادة تصميم الخدمات بطريقة أكثر مرونة، وجعل تجربة أولياء الأمور والطلبة أكثر سلاسة ووضوحًا، وقد انعكس ذلك في تقليص الوقت والجهد اللازمين لإنجاز المعاملات، وتحسين آليات التواصل مع الجمهور.كما تميزت هذه المرحلة بشكل كبير وواضح بالتركيز على اعتبار أولياء الأمور شركاء أساسيين في العملية التعليمية، وليسوا مجرد متلقين للخدمة. ومن هنا، تم تطوير قنوات تواصل أكثر فاعلية، والاستماع لملاحظاتهم بشكل مباشر، والعمل على تحويلها إلى تحسينات ملموسة على أرض الواقع.ولم يقتصر التغيير على الإجراءات فقط، بل شمل أيضًا ترسيخ ثقافة مؤسسية جديدة تقوم على الابتكار والتطوير المستمر، وتشجع على المبادرة بدلاً من التمسك بالأنماط التقليدية، هذا التحول الكبير كان له أثر كبير في جعل العمل داخل الوزارة أكثر حيوية ومرونة، وأسهم في تحقيق مستوى أعلى من رضا جميع أصحاب العلاقة مع الوزارة.إن هذه الطفرة النوعية تعكس التزام الوزارة بتحقيق التميز في تقديم الخدمات، وحرصها على مواكبة التطورات العالمية في مجال الإدارة والخدمات الحكومية،كما أنها تؤكد أن الاستثمار في التكنولوجيا وتطوير الكفاءات البشرية يمكن أن يحدث فرقًا حقيقيًا في حياة الناس اليومية.وهنا يمكن التأكيد بأن هذه الجهود القيادية أسهمت في إحداث نقلة نوعية حقيقية، حيث أصبحت الخدمات أكثر كفاءة، والتعامل مع الوزارة أكثر سهولة ومرونة، بما يعكس رؤية حديثة تضع احتياجات الطلبة وأولياء الأمور في صميم أولوياتها.
1788
| 20 أبريل 2026
في خضمّ التحولات العالمية والصراعات المتشابكة، يبرز تساؤل مهم حول طبيعة المواجهة التي يعيشها العالم الإسلامي اليوم: هل هي مواجهة مع عروبة العربي، أم مع لغته وحضارته، أم أن جوهرها الحقيقي يتصل بدينه وهويته الإسلامية؟ عند التأمل في الواقع، يبدو أن كثيرًا من المؤشرات تميل إلى أن الاستهداف يتجاوز الجوانب الثقافية واللغوية، ليركّز بصورة أوضح على البعد الديني خصوصًا بعد إعلان الكثير من القادة والمسؤولين الغربيين أن الحرب صليبية. فالعالم، في سياقاته المختلفة، لا يعادي الرموز مهما كانت غريبة أو حتى غير منطقية، بل يمنحها تقديسًا واحترامًا رسميًا. ففي بريطانيا، لا يُنظر إلى «التيس ويليام وندسور» على أنه مجرد حيوان، بل هو جندي رسمي في الجيش البريطاني، له رتبة عسكرية معترف بها، ويُعامل بانضباط عسكري، ويُخصص له مرافق، ويُشارك في العروض الرسمية، بل إن هذا التقليد جزء من الأعراف التي أُقرت في ظل المؤسسة الملكية، ويُحاط به باحترام كأنه فرد من أفراد الجيش. وفي النرويج، يصل الأمر إلى مستوى أكثر غرابة، حيث مُنح البطريق «نيلز أولاف» في الحرس الملكي النرويجي رتبة لواء، وتُقام له مراسم رسمية، ويُحتفل به عند كل ترقية، ويُعامل كرمز عسكري وطني بكل معنى الكلمة. أما في الولايات المتحدة، فإن حيوان «البايسون» (الجاموس الأمريكي) لا يُعتبر مجرد كائن طبيعي، بل هو رمز وطني رسمي، تُطبع صورته على العملات، وتُنشأ له هيئات ومنظمات للحفاظ عليه، ويُقدَّم بوصفه جزءًا من التراث الأمريكي الذي يجب صونه. وفي أستراليا، يُعدّ الكنغر رمزًا وطنيًا بارزًا، بل إن البعض يذهب إلى اعتباره أقدم من الوجود البشري في القارة، وتُبذل جهود كبيرة لحمايته، حتى أصبح حضوره أقوى في الرمز الوطني من حضور السكان الأصليين أنفسهم في بعض الخطابات. وفي إثيوبيا، تُمنح بعض الطيور مثل «الكرك الإثيوبي» مكانة خاصة، ويُنظر إليها كرمز مرتبط بالهوية الطبيعية والثقافية، وتُحاط بنوع من التقدير الذي يقترب من القداسة في الوعي الشعبي. بل إن الأمر لا يتوقف عند الكائنات الحية، بل يمتد إلى الأساطير؛ ففي الصين، يُقدَّس “التنين”، وهو كائن خيالي لا وجود له، ومع ذلك يُرفع في المهرجانات، ويُجسّد القوة والهيبة، ويُعامل كرمز وطني عريق دون أي اعتراض عالمي. كل هذه الأمثلة تؤكد حقيقة واحدة واضحة: العالم لا يرفض أن يكون للشعوب رموز، بل على العكس، يدعمها ويُعظّمها، مهما كانت طبيعتها، حيوانًا أو طائرًا أو حتى كائنًا أسطوريًا. لكن عند الحديث عن العرب والمسلمين، تتغير المعايير بشكل لافت. فلا يُنظر إلى ارتباطهم بدينهم كرمز وهوية يجب احترامها، بل يُقدَّم في كثير من الأحيان كقضية يجب أن تخضع للنقاش والتعديل والتدخل. فتُراجع مناهجهم، وتُنتقد شعائرهم، وتُعاد صياغة مفاهيمهم الاجتماعية والسياسية، وتُطمس سير قدواتهم وقادتهم، وكأن المطلوب ليس مجرد التعايش، بل إعادة تشكيل الهوية نفسها. وهنا تظهر المفارقة بوضوح: العالم يقبل أن يكون للتنين مكانة، وللبطريق رتبة عسكرية، وللتيس احترام رسمي، وللبايسون حضور على العملة… لكن حين يكون للعربي والمسلم دينٌ يشكّل هويته، ويرتب أولوياته، ويُبرز أعلامه، ويُذكر بملهميه، يصبح ذلك محل جدل واعتراض وسخط وغضب!!. وهذا ما يدفع إلى التساؤل الحقيقي: هل المشكلة في العرب، أم في الإسلام ؟ إن قراءة هذا الواقع تكشف أن التحدي لم يكن يومًا موجّهًا إلى اللغة أو العِرق، بل إلى العقيدة، وأن الصراع الحقيقي يدور حول هويةٍ تريد أن تبقى كما هي، في عالمٍ يقبل كل الرموز… إلا رمزًا واحدًا إذا كان مرتبطًا بالإسلام.
1680
| 15 أبريل 2026
لم يعد الزواج، عند شريحة من الشباب، مجرد خطوة نحو الاستقرار وبناء أسرة، بل تحوّل في بعض الحالات إلى ساحة تنافس مفتوحة، تُقاس فيها القيمة بمدى الفخامة، وعدد الحضور، وحجم التفاعل الاجتماعي. مشهد يتكرر: سباق نحو «أفضل عرس»، و»أفخم قاعة»، و»أكبر عدد من المعازيم»، و»أقوى تغطية إعلامية»، وكأن الحدث لم يعد بداية وبناء حياة جديدة، بل عرضًا قصيرًا يخضع لمقاييس الإبهار، وهي في الأساس أتت من مفهوم دنيوي خاطئ وهو البحث عن الوجاهة! ومن اللافت ظهور ممارسات دخيلة على ثقافة المجتمع، مثل تعدد الأزياء الرسمية خلال ساعات الحفل، أو الالتزام ببروتوكولات أقرب للمناسبات الرسمية منها للاحتفالات الاجتماعية، هذه التفاصيل؛ رغم بساطتها الظاهرية، تعكس تحوّلًا أعمق في مفهوم الزواج نفسه، حيث تتقدّم الشكليات على الجوهر. وخلف هذا المشهد للأسف يقف عامل مؤثر وهو «ضغط المجتمع»؛ فالكثير من الشباب باتوا يخشون «كلام الناس» أكثر من خشيتهم من التبعات المالية أو النفسية، مما تؤدي هذه الخشية إلى إنفاق مبالغ كبيرة، قد تصل إلى حد الاستدانة، فقط لضمان صورة مثالية في نظر الآخرين! لكن ما يغيب عن كثيرين، أن هذا «الاستثمار في المظهر» غالبًا ما يكون قصير الأمد، إذ ينتهي تأثيره بانتهاء حفل الزواج، بينما تبقى التبعات المالية والنفسية لفترة أطول، قد تمتد إلى بداية الحياة الزوجية نفسها. ولعل علم النفس يُفسّر هذا السلوك ضمن ما يُعرف بـ Status Anxiety، وهو القلق المرتبط بالمكانة الاجتماعية ونظرة الآخرين. في هذه الحالة، لا يُبنى القرار على القناعة الشخصية، بل على المقارنة المستمرة مع الآخرين، والسعي لتجنب الانتقاد أو التقليل. هذا النوع من التفكير قد يدفع الأفراد إلى تضخيم التفاصيل الشكلية على حساب الأساسيات، ويجعل من لحظة الفرح مصدر توتر بدل أن تكون مناسبة للراحة والاطمئنان. في مقابل هذا الاتجاه، يبرز مفهوم بسيط لكنه عميق الدلالة مفاده أن البركة تكمن في التيسير، وأن البدايات الهادئة قد تكون أكثر استقرارًا، فالزواج؛ في جوهره ليس مناسبة عابرة، بل مشروع طويل الأمد يقوم على التفاهم والمسؤولية والمودة. ولعل إعادة ترتيب الأولويات باتت ضرورة ملحة في مثل هذه الظروف، بحيث يعود التركيز إلى جودة العلاقة لا شكل الحفل، والاستقرار النفسي لا الانطباع الاجتماعي، والقدرة على الاستمرار لا لحظة الظهور. فاصلة أخيرة حين تتحول بداية الزواج إلى استعراض، يفقد الحدث معناه الحقيقي. أما حين يُبنى على القناعة والبساطة، فإنه يفتح الباب لحياة أكثر توازنًا وهدوءًا. فالزواج لا يُقاس بما يُقال عنه في ليلة واحدة، بل بما يُبنى على أسس نفسية وقناعة شخصية دون التأثر من ردود وآراء آنية.
900
| 16 أبريل 2026