رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. محمد عبدالله المطر

- باحث كويتي في الفكر الإسلامي

مساحة إعلانية

مقالات

396

د. محمد عبدالله المطر

قيّم أهدافك في عام 2025 م

01 يناير 2026 , 05:51ص

في المسافة بين نهاية عام وبداية آخر، لا يقع التحوّل الحقيقي في تبدّل الأرقام، بل في إعادة تعريف الإنسان لعلاقته بالزمن، فالزمن في ذاته محايد، لكنه يصبح شاهدًا علينا حين نتركه يمر بلا وعي، أو شاهدًا لنا حين نحسن توجيهه، ولهذا لم يكن السؤال الجوهري عبر التاريخ: 

ماذا نريد؟ 

بل كيف نُمسك بما نريد قبل أن يذهب في النسيان؟

فحول هذا الأمر يضعنا القرآن أمام منطق صارم في فهم التغيير، حين يقرر قاعدة كلية لا تتبدل:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]، فهذه الآية تدل بوضوح على أن التغيير الخارجي مشروط بإرادة داخلية واعية وعملٍ مقصود وليس عفوياً.

وهذا الوعي بالزمن والعمر عبّر عنه الحسن البصري رحمه الله بأوجز عبارة وأعمقها دلالة، حين قال:

«يا ابن آدم، إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك»، ومن أقدم أدوات التعامل الواعي مع الزمن بعد أن علمنا أهميته وقيمته المحاسبة، والمحاسبة عند الإنسان أساسية مع نفسه وأعماله وفي حياته عموماً، ولذلك كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا» ، فهذا تأصيل أثري مهم سبق كل علوم الإدارة الغربية والعربية! فتأمل..، ومن أجمل ما قرأت قديماً وأنصح به هو ما كتبه الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله في كتابه القيم (قيمة الزمن عند العلماء) ليؤكد هذا المعنى بعبارة علمية دقيقة، إذ يقول في كتابه قيمة الزمن عند العلماء: «هذا كتابٌ جمعتُ فيه طائفةً من كلام العلماء في قيمة الزمن، والتنبيه على شرفه، والحث على اغتنامه، والتحذير من إضاعته»، وهذا الكتاب يستحسن بعض المهتمين معه أيضاً بمطالعة كتابه الآخر (صفحات من صبر العلماء) ففيهما زاد أثري جميل لرفع الهمم وتقدير قيمة الزمن.

ولا شك أننا بعد معرفة قيمة الزمن فلابد أن نذهب نحو المحاسبة، فهي القيمة التطبيقية لتقدير الزمن وأهميته ولها طرق متعددة توصلنا لنفس الغاية، ومن أهمها الكتابة، وأهميتها ليس بوصفها تسجيلًا للأحداث، بل باعتبارها فعلًا معرفيًا يعيد ترتيب الفكر ويمنع تسرّبه، وفي العصر الحديث، لم تعد هذه الفكرة مجرد حكمة تراثية، بل تحولت إلى موضوع بحث علمي، فدراسات علم النفس التنظيمي تشير إلى أن كتابة الأهداف تجعلها أوضح وأكثر قابلية للالتزام والمتابعة، ومن أجمل مقولات الرائد في علم التنمية (ستيفن كوفي)، فقد جعل هذا المعنى قاعدة في الفعالية الشخصية، حين صاغ عادته الثانية بقوله: «ابدأ بتحديد النهاية قبل أن تبدأ الطريق» وذلك في كتابه الشهير (العادات السبع للناس الأكثر فعالية) من ضمن سبع قواعد مهمة.

فهكذا تتحول بداية العام من لحظة عاطفية عابرة إلى موقف معرفي وأخلاقي: وعيٌ بأن الإنسان أيام معدودة، وأن الزمن لا يمضي بالنوايا فقط، بل بالرؤية المكتوبة والمراجعة المستمرة، فالعمر مشروع، والكتابة ليست زينته بل وثيقته، ومن لا يكتب مساره بوعي، سيجد أن الأيام تجاوزته… ثم مضت.

مساحة إعلانية