رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

محليات

4978

القرضاوي : تعدد الزوجات في عصرنا أصبح أمراً نادراً

28 يونيو 2016 , 12:41م
alsharq

الكتاب: فقه الأسرة وقضايا المرأة

المؤلف: د. يوسف القرضاوي

الحلقة: الرابعة والعشرون

الأسرة أساس المجتمع، وهي اللبنة الأولى من لبناته، التي إن صلحت صلح المجتمع كله، وإن فسدت فسد المجتمع كله، وعلى أساس قوة الأسرة وتماسكها، يقوم تماسك المجتمع وقوته؛ لذا فقد أولى الإسلام الأسرة رعايته وعنايته.

وقد جعل القرآن تكوين الأسر هو سنة الله في الخلق، قال عز وجل: "وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ" (سورة النحل:72). بل جعل الله نظام الأسرة، بأن يكون لكل من الرجل والمرأة زوجٌ يأنس به ويأنس إليه، ويشعر معه بالسكن النفسي والمودة والرحمة، آية من آيات الله، قال سبحانه: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ"(سورة الروم:21).

فالحياة الأسرية في الإسلام وعلاقة كل من الزوجين تجاه الآخر، ليست شركة مالية تقوم على المصالح المادية البحتة، بل هي حياة تعاونية يتكامل فيها الزوجان، ويتحمَّلان مسؤولية إمداد المجتمع بنسل يعيش في كنف أسرة تسودها المحبة والمودَّة، ولا يظلم أحد طرفيها الآخر، بل يدفع كل واحد منهما عن شريكه الظلم والأذى، ويحنو عليه.

وفلسفة الإسلام الاجتماعية تقوم على أن الزواج بين الرجل والمرأة هو أساس الأسرة، لذا يحث الإسلام عليه، وييسر أسبابه، ويزيل العوائق الاقتصادية من طريقه، بالتربية والتشريع معا، ويرفض التقاليد الزائفة، التي تصعبه وتؤخِّره، من غلاء مهور، ومبالغة في الهدايا والولائم وأحفال الأعراس، وإسراف في التأثيث واللباس والزينة، ومكاثرة يبغضها الله ورسوله في سائر النفقات.

ويحث على اختيار الدين والخلق في اختيار كلٍّ من الزوجين: "فاظفر بذات الدين تربت يداك". "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه، إلا تفعلوا تكنْ فتنةٌ في الأرض وفساد عريض".

وهو — إذ يُيَسِّر أسباب الحلال — يسدُّ أبواب الحرام، والمثيرات إليه، من الخلاعة والتبرُّج، والكلمة والصورة، والقصة والدراما، وغيرها، ولا سيما في أدوات الإعلام، التي تكاد تدخل كل بيت، وتصل إلى كل عين وأذن.

وهو يقيم العلاقة الأسرية بين الزوجين على السكون والمودة والرحمة بينهما، وعلى تبادل الحقوق والواجبات والمعاشرة بالمعروف، "وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً"، (البقرة: 19). "وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"، (البقرة: 228).

ويجيز الطلاق عند تعذُّر الوفاق، كعملية جراحية لا بد منها، بعد إخفاق وسائل الإصلاح والتحكيم، الذي أمر به الإسلام أمراً محكماً صريحاً، وإن أهمله المسلمون تطبيقاً: "وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً"، (النساء: 35)

الضرر المخُوف بزواج غير المسلمة يتحقق في صور كثيرة منها:

1 — أن ينتشر الزواج من غير المسلمات، بحيث يؤثر على الفتيات المسلمات الصالحات للزواج، وذلك أن عدد النساء غالبًا ما يكون مثل عدد الرجال أو أكثر، وعدد الصالحات للزواج منهن أكبر قطعًا من عدد القادرين على أعباء الزواج من الرجال.

فإذا أصبح التزوُّج بغير المسلمات ظاهرة اجتماعية مألوفة، فإن مثل عددهن من بنات المسلمين سيُحرمن من الزواج، ولا سيما أن تعدد الزوجات في عصرنا أصبح في كثير من البلاد أمرًا نادرًا، بل شاذًّا، ومن المقرر المعلوم بالضرورة أن المسلمة لا يحل لها أن تتزوج إلا مسلمًا، فلا حل لهذه المعادلة إلا سد باب الزواج من غير المسلمات إذا خيف على المسلمات.

وإذا كان المسلمون في بلدٍ ما، يمثِّلون أقلية محدودة، مثل بعض الجاليات في أوروبا وأمريكا وأستراليا، وبعض الأقليات في آسيا وإفريقيا، فمنطق الشريعة وروحها يقتضي تحريم زواج الرجال المسلمين من غير المسلمات، وإلا كانت النتيجة ألا يجد بنات المسلمين — أو عدد كبير منهن — رجلًا مسلمًا يتقدَّم للزواج منهن، وحينئذ تتعرض المرأة المسلمة لأحد أمور ثلاث:

(أ) إما الزواج من غير مسلم، وهذا باطل في الإسلام.

(ب) وإما الانحراف، والسير في طريق الرذيلة. وهذا من كبائر الإثم.

(جـ) وإما عيشة الحرمان الدائم من حياة الزوجية والأمومة، وهذا من الحرج الذي رفعه الله عن شريعته.

وكل هذا مما لا يرضاه الإسلام، وهو نتيجة حتمية لزواج الرجال المسلمين من غير المسلمات، مع منع المسلمة من التزوج بغير المسلم.

وهذا الضرر الذي نبَّهنا عليه هو الذي خافه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فيما رواه الإمام محمد بن الحسن في كتابه (الآثار)، حين بلغه أن الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان تزوَّج وهو بالمدائن امرأةً يهودية، فكتب إليه عمر مرة أخرى: أعزم عليك ألا تضع كتابي هذا حتى تُخلِّي سبيلها، فإني أخاف أن يقتدي بك المسلمون، فيختاروا نساء أهل الذمة لجمالهن، وكفى بذلك فتنة لنساء المسلمين.

2 — وقد ذكر الإمام سعيد بن منصور في سننه قصة زواج حذيفة هذه، ولكنه ذكر تعليلًا آخر لمنع عمر لحذيفة، فبعد أن نفى حرمة هذا الزواج قال: ولكني خشيت أن تعاطَوْا المومسات منهن.

ولا مانع أن يكون كلٌّ من العلتين مقصودًا لعمر رضي الله عنه، فهو يخشى من ناحية كسادَ سوق الفتيات المسلمات، أو كثير منهن، وفي ذلك فتنة أي فتنة! ومن ناحية أخرى يخشى أن يتساهل بعض الناس في شرط الإحصان (العفاف) الذي قيَّد به القرآن حِلَّ الزواج منهن، حتى يتعاطَوْا زواج الفاجرات والمومسات، وكلتاهما مفسدة ينبغي أن تُمنع قبل وقوعها، عملًا بسد الذرائع. ولعل هذا نفسه ما جعل عمر يعزم على طلحة بن عبيد الله إلا طلَّق امرأة كتابية تزوَّجها، وكانت بنت عظيم يهود، كما في مصنف عبد الرزاق.

3 — إن الزواج من غير المسلمة إذا كانت أجنبية غريبة عن الوطن واللغة والثقافة والتقاليد — مثل زواج العربي والشرقي من الأوروبيات والأمريكيات النصرانيات — يمثل خطرًا آخر يحس به كل من يدرس هذه الظاهرة بعمق وإنصاف، بل يراه مجسَّدًا ماثلًا للعيان. فكثيرًا ما يذهب بعض أبناء العرب المسلمين إلى أوروبا وأمريكا للدراسة في جامعاتها، أو للتدريب في مصانعها، أو للعمل في مؤسساتها، وقد يمتد به الزمن هناك إلى سنوات ثم يعود أحدهم يصحب زوجة أجنبية، دينها غير دينه، ولغتها غير لغته، وجنسها غير جنسه، وتقاليدها غير تقاليده، ومفاهيمها غير مفاهيمه، أو على الأقل تقاليدها ومفاهيمها غير تقاليد قومه ومفاهيمهم، فإذا رضيت أن تعيش في وطنه — وكثيرًا ما لا ترضى — وقُدِّر لأحد من أبويه أو إخوانه أو أقاربه، أن يزوره في بيته، وجد نفسه غريبًا. فالبيت بمادياته ومعنوياته أمريكي الطابع أو أوروبي في كل شيء، وهو بيت (المدام) وليس بيت صاحبنا العربي المسلم، هي القوَّامة عليه، وليس هو القوَّام عليها. ويعود أهل الرجل إلى قريتهم أو مدينتهم بالأسى والمرارة، وقد أحسُّوا بأنهم فقدوا ابنهم وهو على قيد الحياة!!

وتشتد المصيبة حين يولد لهما أطفال، فهم يشبون — غالبًا — على ما تريد الأم، لا على ما يريد الأب إن كانت له إرادة، فهم أدنى إليها، وألصق بها، وأعمق تأثُّرًا بها، وخصوصًا إذا ولدوا في أرضها وبين قومها هي، وهنا ينشأ هؤلاء الأولاد على دين الأم وعلى احترام قيمها ومفاهيمها وتقاليدها. وحتى لو بقوا على دين الأب، فإنما يبقون عليه اسمًا وصورة، لا حقيقة وفعلًا، ومعنى هذا أننا نخسر هؤلاء الناشئة دينيًّا وقوميًّا، إن لم نخسر آباءهم أيضًا.

وهذا الصنف أهون شرًّا من صنف آخر يتزوَّج الأجنبية، ثم يستقرُّ ويبقى معها في وطنها وبين قومها، بحيث يندمج فيهم شيئًا فشيئًا، ولا يكاد يذكر دينه وأهله ووطنه وأمته. أما أولاده فهم ينشأون أوروبيين أو أمريكيين، إن لم يكن في الوجوه والأسماء، ففي الفكر والخلق والسلوك، وربما في الاعتقاد أيضًا، وربما فقدوا الوجه والاسم كذلك، فلم يبق لهم شيء يذكِّرهم بأنهم انحدروا من أصول عربية أو إسلامية.

ومن أجل هذه المفسدة، نرى كثيرًا من الدول تحرِّم على سفرائها وكذلك ضباط جيشها أن يتزوجوا أجنبيات، بناء على مصالح واعتبارات وطنية وقومية.

تنبيه مهم

وفي ختام هذا البحث، أرى لزامًا عليَّ — في ضوء الظروف والملابسات التي تتغير الفتوى بتغيرها — أن أنبِّه على أمر لا يغيب عن ذوي البصائر، وهو في نظري على غاية من الأهمية، وهو أن الإسلام حين رخص في الزواج من الكتابيات راعى أمرين:

1 — أن الكتابية ذات دين سماوي في الأصل، فهي تشترك مع المسلم في الإيمان بالله وبرسالاته، وبالدار الآخرة وبالقيم الأخلاقية والمثل الروحية، التي توارثتها الإنسانية عن النبوات — وذلك في الجملة لا في التفصيل طبعًا — وهذا يجعل المسافة بينها وبين الإسلام قريبة؛ لأنه يعترف بأصل دينها الذي تتمسك بها، وبنبيها الذي يوجب الإيمان به، ويقر بأصوله في الجملة، ويزيد عليها ويتممها بكل نافع وجديد.

2 — إن المرأة الكتابية — وهذا شأنها — إذا عاشت في ظل زوج مسلم ملتزم بالإسلام، وتحت سلطان مجتمع مسلم مستمسك بشرائع الإسلام، تصبح في دور المتأثِّر لا المؤثِّر، والقابل لا الفاعل، فالمتوقَّع منها والمرجوُّ لها أن تدخل في الإسلام اعتقادًا وعملًا. فإذا لم تدخل في عروة الإسلام — وهذا حقها، إذ لا إكراه في الدين — اعتقادًا وعملًا، فإنها تدخل في الإسلام من حيث هو تقاليد وآداب اجتماعية. ومعنى هذا أنها تذوب داخل المجتمع الإسلامي سلوكيًّا، إن لم تذب فيه عقائديًّا.

وبهذا لا يُخشى منها أن تؤثِّر على الزوج أو على الأولاد؛ لأن سلطان المجتمع الإسلامي من حولها أقوى وأعظم من أي محاولة منها لو حدثت.

مساحة إعلانية