رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عربي ودولي

340

بعد أن جفّ الضرع والزرع..

مرضعات غزة.. وهناً على وهن

25 يوليو 2025 , 07:00ص
alsharq
❖ غزة - محمـد الرنتيسي

في خيمة متهالكة من خيام الموت في مخيم جباليا، يتقلب الطفل راكان أبو صفية بجسده النحيل، على بساط رث، يصارع الجوع، بينما ترتجف يداه الغضة وهو يحاول عبثا، الإمساك بعبوة "شبه الحليب" يمرر لسانه عليها بحثاً عن قطرة حليب لم يتذوقها منذ أيام، ولا يدري أنها ربما تكون الرضعة الأخيرة.

بينما أخذت أمه "تروّد" له بترانيم حزينة، بعد عجزها عن فعل شيء، تحاول إرضاع راكان، لكن يستعصي الحليب، بعد أن جف الضرع، وفجأة يدوي صوت انفجار عنيف، لتهتز معه الأجساد النحيلة. تجهش أماني أبو صفية بالبكاء، وهي تنظر إلى شفتي راكان الجافتين، متسائلة: لماذا يقتلون الأطفال؟.. ألا يكفي كل هذا القتل والدمار؟.. لقد أرهقتنا الحرب، وأوجعت قلوبنا، ألم يحن الوقت لوقفها؟.

وتروي لـ"الشرق": "لم ينعم راكان بالرضاعة الطبيعية سوى لبضعة أيام، ولا يوجد حليب للأطفال في غزة، وإن وجد لا نستطيع شراءه لقلة المال والأسعار المرتفعة، وبدأنا نسمع عن موت أطفال رضّع بسبب سوء التغذية، والحصار المستمر على قطاع غزة، ولا نريد أن نفقد أطفالنا".

عجزها عن توفير ولو رضعة لطفلها، مبينة أن حليب الأطفال أصبح ممزوجاً بالدم، وكل ما تملكه لإبقائه على قيد الحياة، القليل من الماء والسكر، منوهة إلى حالات اليتم التي يعيشها كثيرون من أطفال غزة، بعد أن قضى الآباء والأمهات بفعل الغارات أو الجوع.

وليست قصة راكان استثناءً، فهو واحد من بين أكثر من 17 ألف طفل، يواجهون سوء التغذية، ونثرت الحرب التي استؤنفت في مارس الماضي، غباراً من اليأس على وجوه أمهاتهم، اللواتي لم يبق لهن ما يدافعن به عن أطفالهن في مواجهة الموت المحتم، سوى قطرات ماء، توشك على النفاد.

وفيما بدا كأنه نسق الساعات الأخيرة بين الحياة والموت، يصارع أطفال غزة للبقاء، بعد أن جف حليب الأمهات الجائعات، ونفدت آخر قطرات الحياة من الصيدليات والمستشفيات والحاضنات، وبعد أن أخذ الموت يتخطّف أرواحهم فرادى وجماعات، تارة تحت وطأة الغارات المتواصلة، وأخرى على وقع مجاعة قاتلة.

وفي غزة، يعدّ عدم وجود أخبار جديدة، أمر جيد من وجهة نظر الغزيين، لأن أي خبر جديد لا يحمل معه إلا المزيد من الرعب، والخشية من أن يُكتب لغزة إقامة أطول في دائرة القتل والنزوح والجوع.

هذه الخشية أطلت برأسها أخيراً، في ضوء جمود أصاب مفاوضات التهدئة، والتي طُبعت بعنوان "لا جديد" ما يشي بأثمان جديدة، يدفع أطفال غزة فاتورتها الأعلى، تحت لافتة خيبة الأمل هذه.

ولا يترك أهل غزة، وسيلة تبقيهم على قيد الحياة إلا واستخدموها، فلا مجازفة للانتظار حتى يأتيهم الموت، الكل يتمسك بالحياة حتى آخر غارة، والأطفال يتشبثون بعبوات الحليب الفارغة، بعد أن بسطت المجاعة سلطتها، ودخلت غزة في فلك كارثة إنسانية كبرى.

وقضى نحو 40 طفلاً في قطاع غزة بالجوع، منذ استئناف الحرب، ما تسبب بصدمة مزلزلة في أوساط المنظمات الحقوقية في العالم، وشكّل ضربة إضافية لأطفال غزة، الذين أرهقهم الحصار، وخطف طفولتهم قصف الطائرات، ونالت منهم المجاعة القاتلة، لدرجة بات صراخ الجوعى أعلى وأقوى من صوت المدافع.

مساحة إعلانية