رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

رمضان 1436

1409

منير طه: "القرنقعوه" شبيهة باحتفال "الماجينه" البغدادية

24 يونيو 2015 , 03:38م
الشرق
هاجر بوغانمي - الدوحة - بوابة الشرق

متنقلاً بين المدن.. عابرًا أو مقيمًا.. يعود الباحث الأثاري العراقي الدكتور منير طه بذاكرته الى سنوات الطفولة والشباب.. حيث المكان الذي ولد فيه وترعرع، كعودة السنونو الى انطلاقته الأولى.. يحدث ذلك في مناسبات عديدة أهمها شهر رمضان الكريم الذي تتجلى فيه ـ إضافة إلى الروحانيات ـ خصوصيات الثقافة الواحدة. من بلاد المغرب، وصولا الى الخليج العربي، وانتهاء بالدوحة يعيش د.منير شهر الصيام في إطار من الحنين والانسجام،

وفي لقائه مع "الشرق" يصف الغربة بأنها كلمة قاسية على النفس البشرية لما لها من تداعيات تذكر سامعها بأنه (غريب) .. ويفسر ذلك بقوله: أي إنه في غير العالم الذي اعتاد العيش به.. وفي غير ذاك المجتمع الذي رأى النور فيه وترعرع في كنفه بين أهله وذويه وأحبته. لذلك كثيرا ما يكون الغريب شديد الإحساس، مشرود النفس، ضعيف الإرادة في كثير من الأحيان.. والغريب إذا ما انسجم مع محيطه الجديد عن قرب أو من بعيد فإنه بالمحصلة النهائية سيظل يعاني من ألم تداعيات انفصام ذاته.

ويتابع: من هذا المنطلق.. وذاك، فإن الغريب المحمل بعاداته وتقاليده التي ورثها من أسلافه ومارسها بين أبناء جلدته وأهله المقربين، سيجد نفسه بين ليلة وضحاها وهو في محيطه الجديد في دوامة الصراع بين قطبين متعاكسين، القطب السالب ويتجلى في قبول ما هو كائن مع الاحتفاظ بمكامن الخزين الذي يحن إليه بين الحين والآخر، والقطب الموجب والذي يتمثل بقبول واقع الحال والانسجام التام بالواقع الجديد الذي سيعمد إلى محو كل ما اعتاد عليه. ومن أهم تداعيات القبول بهذا القطب عدم النظر الى الوراء، وقبول كل التداعيات، وكثيرا ما ينتهي المطاف بعقدة الذنب التي تؤرق الذات طيلة الحياة.

خصوصيات

والملاحظ أيضا ومهما تشابهت نسب وأبعاد ما هو كائن في الذات من عادات وتقاليد وذكريات، إلا أن خصوصياتها تبقى المحور المحير بمعادلة ما يعرف بالهوية الوطنية والتمسك بالأرض. وعلى سبيل المثال لا الحصر، وفي سياقات هذا اللقاء الجميل والخاص بمناسبة روحية تتجلى أبعادها في طقوس وتقاليد شهر رمضان الكريم، أقول في مضامين هذا اللقاء إنه مهما تقاربت التقاليد والعادات الرمضانية خلال هذا الشهر الفضيل تبقى خصوصيات التقاليد اليومية التي تمارس طيلة أيامه تختلف من بلد إلى آخر، وقد ينسجم الصائم الغريب مع التقاليد والعادات والأعراف التي يتعايش معها بسبب غربته، إلا أنه وفي واقع الحال وعلى كل مائدة إفطار يتذكر تقاليده التي تركها هناك.. لذلك فإن التقاليد الرمضانية وغيرها من التقاليد الروحية الكامنة في الدواخل لا يمكن محوها من الذاكرة، مهما بلغت انخراطات الغريب في محيطه الجديد. أنا شخصيا شهدت عدة تقاليد وعادات خاصة بشهر رمضان المبارك أولها كانت في المغرب .. وآخرها في قطر.

تجربة

أتذكر جيدا كم كانت دهشتي التي أضمرتها في داخلي بعيدة كل البعد عمن حولي وأنا أرى سياقات تقديم الفطور على مائدة الإفطار، والتي كانت عبارة عن أطباق تقدم تباعا.. تبدأ بالحريرة وتنتهي بطبق الختام.. إن تلك التجربة الأولى أعطتني من الزخم ما يكفي لقبول الانسجام مع التقاليد والعادات التي أنا فيها، مهما بلغت المسافات، مع الاحتفاظ بما في الدواخل، وممارستها وكأنني لست بعيدا عن هناك.. لذلك فإن تجربتي مع أول طقوس رمضان عشتها في الدوحة والتي كانت قبل خمسة عشر عاما كانت لا تختلف عن غيرها، ولكن المهم في الأمر هو أني شهدت طقوس وممارسات الإفطار في دولة الامارات ومملكة البحرين والتي في مضامينها العامة لا تختلف كثيرا عن طقوس قطر الرمضانية، إلا أن الفرق الوحيد الذي لمسته في بدايات وصولي الى الدوحة هو خلو الشوارع (تماما) من المارة ، وقلة سير المركبات لحين حلول أو بالأحرى قرب موعد صلاة التراويح، وبعدها تمتلىء الشوارع والأسواق بمختلف الأعمار والجنسيات.

أجواء

إن وجود العائلة معي في الدوحة ساعدني كثيرا على خلق أجواء العودة الى التقاليد والعادات الرمضانية التي اعتدنا على ممارستها عندما كنا في بغداد، والتي من أهمها أطباق الفطور، وفي كثير من الأحيان كنا نخلط ما بين الاثنين بشراء بعض الأطباق وتحديدا الأطباق التي تحوي على المشويات أو في بعض الأحيان الإفطار خارج البيت. لذلك كانت تجربة أول إفطار لنا في الدوحة جميلة الأبعاد، وفي ذات الوقت كنا كالآخرين نحرص على المشاركة في الأجواء الرمضانية كالذهاب إلى الأسواق الشعبية والتي كانت قبل خمسة عشر عاما أكثر عفوية من الآن. الى جانب ذلك التبضع في الأسواق وخاصة قبل حلول عيد الفطر المبارك. ومن أبرز المواقف التي علقت في ذهني في بدايات عملي في الدوحة في ما يخص أجواء شهر رمضان هي أبعاد شارع الكورنيش.. وحدائق (البدع) الملاذ الأكبر لكثير من الوافدين. من هذا المنطلق وذاك فإن الأجواء الرمضانية القريبة بعض الشيء من الأجواء البغدادية كانت أقل وطأة من الأجواء الرمضانية التي عشتها في بلدان أخرى والتي لازالت حلاوتها عالقة في ذهني مهما طالت الأيام، ومن أهمها أجواء طرابلس وتونس العاصمة.. ناهيك عن الأجواء الرمضانية في بلاد الغرب.

طقوس

ومن أبرز الطقوس الرمضانية التي لازالت عالقة في ذهني خلال أول رمضان في الدوحة هي الزينة الرمضانية التي كانت تملأ الأسواق العامة وبعض الشوارع الى جانب التحضيرات المميزة التي كانت تبث عبر وسائل الإعلام لاستقبال شهر رمضان المبارك. الى جانب ذلك كنت أواصل الكتابة والبحوث طيلة الشهر الفضيل، إضافة إلى مشاركتي بعمود يومي في إحدى الصحف المحلية في كل عام. إلا أن أهم ما أريد قوله في ما يخص تجربتي الأولى في الدوحة هي الاحتفال بليلة القرنقعوه، وقد شاهدت الأطفال يطوفون في المنطقة التي كنت أسكن فيها في ليلة الرابع عشر من رمضان، وهم يرتدون ملابس تقليدية زاهية الألوان ويرددون أنواع الأهازيج والأغاني الشعبية التراثية، وكيف كان المحتفلون يوزعون عليهم الحلوى والمكسرات، وعندما سألت عن أصل كلمة القرنقعوه أخبرني البعض أنها مشتقة من مفردة (قرقعة) والتي تعني انبعاث الأصوات عند ضرب الأواني المعدنية بعضها ببعض. والأواني تلك هي في واقع الحال كانت توضع بها الحلوى والمكسرات تحديدا. ذكرتني هذه الاحتفالية باحتفالية شبيهة بها يحتفل بها الأطفال البغداديون في شهر رمضان وبذات الطريقة وتسمى (الماجينه).

وأخيرا وليس آخرا يمكن القول إن النفحات الرمضانية الحقيقة تكمن في تجريد الانسان من أنانيته والتقرب الى خالقه عز وجل، والعمل على نسيان ومسامحة من أساء إساءات عفوية وليس بدافع الأنانية والحقد، الى جانب مدّ يد العون والمساعدة لكل محتاج قريبا كان أم غريبا.

مساحة إعلانية