رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

رمضان 1435

1542

القرضاوي : حضور القلب وترك حديث النفس وسائل تحقق التجرد

21 يوليو 2014 , 01:33م
alsharq
الدوحة - بوابة الشرق

المؤلف : الشيخ يوسف القرضاوي

الكتاب: أدب المسلم مع الله والناس والحياة

الحلقة الرابعة والعشرون

— أعمال قلبية قبل التدبُّر:

للإمام أبي حامد الغزالي في (الإحياء) كلام قوي فيما ينبغي مراعاته قبل (التدبر) من الأعمال الباطنة، وهي:

(فهم أصل الكلام. ثم التعظيم. ثم حضور القلب. ثم التدبر.

فالأول: فهم عظمة الكلام وعلوِّه، وفضل الله سبحانه وتعالى، ولطفه بخلقه في نزوله عن عرش جلاله، إلى درجة إفهام خلقه. فلينظر كيف لطف بخلقه في إيصال معاني كلامه الذي هو صفة قديمة قائمة بذاته إلى أفهام خلقه؟ وكيف تجلَّت لهم تلك الصفة في طي حروف وأصوات، هي صفات البشر؛ إذ يعجز البشر عن الوصول إلى فهم صفات الله عز وجل إلا بوسيلة صفات نفسه، ولولا استتار كُنه جلالة كلامه بكسوة الحروف لما ثَبَت لسماعِ الكلام عرشٌ ولا ثرى، ولتلاشى ما بينهما من عظمة سلطانه، وسَبُحات نورِه. ولولا تثبيت الله عز وجل لموسى عليه السلام لما أطاق لسماع كلامه، كما لم يطق الجبل مَبَادِي تجلِّيه حيث صار دكًّا.

الثاني: التعظيم للمتكلم: فالقارئ عند البداية بتلاوة القرآن ينبغي أن يُحضر في قلبه عظمةَ المتكلم، ويعلم أن ما يقرؤه ليس من كلام البشر، وأن في تلاوة كلام الله عز وجل غاية الخطر، فإنه تعالى قال: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة:79]. وكما أن ظاهرَ جِلد المصحف وورقَه محروس عن ظاهر بشرة اللامس إلا إذا كان متطهرًا، فباطن معناه أيضًا — بحكم عزِّه وجلاله — محجوب عن باطن القلب إلا إذا كان متطهرًا عن كل رجس، ومستنيرًا بنور التعظيم والتوقير، وكما لا يصلح للَمْس جلد المصحف كل يد، فلا يصلح لتلاوة حروفه كل لسان، ولا لنيل معانيه كل قلب.

ولمثل هذا التعظيم كان عكرمةُ بنُ أبي جهل إذا نشر المصحف غُشِيَ عليه ويقول: "هو كلام ربي، هو كلام ربي!" فتعظيم الكلام تعظيم المتكلم، ولن تحضره عظمة المتكلم ما لم يتفكَّر في صفاته وجلاله وأفعاله، فإذا حضر بباله العرش والكرسي، والسماوات والأرض، وما بينهما من الجن والإنس والدواب والأشجار، وعلم أن الخالق لجميعها، والقادر عليها، والرازق لها واحد، وأن الكلَّ في قبضة قدرته، مترددون بين فضله ورحمته، وبين نقمته وسطوته، إن أنعم فبفضله، وإن عاقب فبِعدله. وهذا غاية العظمى، والتعالي: فبالتفكر في أمثال هذا يحضر تعظيم المتكلم ثم تعظيم الكلام.

الثالث: حضور القلب وترك حديث النفس: قيل في تفسير {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} [مريم:12]. أي بجد واجتهاد، وأخذه بالجد: أن يكون متجردًا له عند قراءته، منصرف الهمة إليه عن غيره. وقيل لبعضهم: إذا قرأتَ القرآن تُحدِّث نفسك بشيء؟ فقال: أوشيء أحبُّ إليَّ من القرآن حتى أحدِّث به نفسي؟! وكان بعض السلف إذا قرأ آية لم يكن قلبه فيها أعادها ثانية.

وهذه الصفة تتولَّد عما قبلها من التعظيم، فإن المعظِّم للكلام الذي يتلوه يستبشر به ويستأنس ولا يغفل عنه. ففي القرآن ما يستأنس به القلب إن كان التالي أهلًا له، فكيف يطلب الأنس بالفكر في غيره، وهو في متنزَّه ومتفرَّج؟ والذي يتفرج في المتنزهات لا يتفكر في غيرها)( ).

— التخلي عن موانع الفهم:

وينبغي لمن يريد أن يتدبَّر القرآن ويتفهَّمه بحقٍّ أمرٌ آخر، وهو ما سماه الغزالي: (التخلي عن موانع الفهم. فإن أكثر الناس مُنعوا عن فهم معاني القرآن؛ لأسباب وحجب أسدلها الشيطان على قلوبهم، فعميت عليهم عجائب أسرار القرآن.

وحُجُب الفهم أربعة: أولها: أن يكون الهمُّ منصرِفًا إلى تحقيق الحروف بإخراجها من مخارجها. وهذا يتولى حفظه شيطان، وُكِّل بالقرَّاء ليصرفهم عن فهم معاني كلام الله عز وجل، فلا يزال يحملهم على ترديد الحرف، يخيِّل إليهم أنه لم يخرج من مخرجه. فهذا يكون تأمله مقصورًا على مخارج الحروف، فأنَّى تنكشف له المعاني؟ وأعظم ضحكة للشيطان من كان مطيعًا لمثل هذا التلبيس.

ثانيها: أن يكون مقلِّدًا لمذهب سمعه بالتقليد، وجمد عليه، وثبت في نفسه التعصب له بمجرد الاتباع للمسموع، من غير وصول إليه ببصيرة ومشاهدة. فهذا شخص قيَّده معتقده عن أن يجاوزه، فلا يمكنه أن يخطر بباله غير معتقده، فصار نظره موقوفًا على مسموعه، فإن لمع برقٌ على بُعد، وبدا له معنى من المعاني التي تباين مسموعه، حمل عليه شيطان التقليد حملة، وقال: كيف يخطر هذا ببالك وهو خلاف معتقد آبائك؟! فيرى أن ذلك غرور من الشيطان، فيتباعد منه، ويحترز عن مثله. ولمثل هذا قالت الصوفية: إن العلم حجاب! وأرادوا بالعلم: العقائد التي استمر عليها أكثر الناس بمجرد التقليد، أو بمجرد كلمات جدلية حررها المتعصبون للمذاهب وألقوها إليهم، فأما العلم الحقيقي الذي هو الكشف والمشاهدة بنور البصيرة، فكيف يكون حجابًا وهو منتهى المطلب( ).

وهذا التقليد قد يكون باطلا، فيكون مانعًا، كمن يعتقد في الاستواء على العرش التمكُّن والاستقرار (أي كتمكُّن البشر)، فإن خطر له مثلًا في القُّدُّوس أنه المقدَّس عن كل ما يجوز على خلقه، لم يمكنه تقليده من أن يستقر ذلك في نفسه، ولو استقرَّ في نفسه لانجرَّ إلى كشف ثان وثالث.. وتواصل. ولكن يتسارع إلى دفع ذلك عن خاطره لمناقضته تقليده بالباطل. وقد يكون حقًا، ويكون أيضًا مانعًا من الفهم والكشف؛ لأنَّ الحق الذي كُلِّف الخلق اعتقادُه له مراتب ودرجات، وله مبدأ ظاهر، وغور باطن، وجمود الطبع على الظاهر يمنع من الوصول إلى الغور الباطن.

ثالثها: أن يكون مصرًّا على ذنب، أو متَّصفًا بكبر، أو مبتلًى في الجملة بهوى في الدنيا مطاع، فإن ذلك سبب ظُلمة القلب وصدئه، وهو كالخَبَث على المرآة، فيمنع جَلِيَّة الحقِ من أن تتجلَّى فيه، وهو أعظم حجاب للقلب، وبه حُجِب الأكثرون. وكلما كانت الشهوات أشد تراكمًا، كانت معاني الكلام أشد احتجابًا. وكلما خفَّ عن القلب أثقال الدنيا، قرب تجلِّي المعنى فيه. فالقلب مثل المرآة، والشهوات مثل الصدإ، ومعاني القرآن مثل الصور التي تتراءى في المرآة. والرياضة للقلب — بإماطة الشهوات — مثل تصقيل الجَلاء للمرآة. وقد شرط الله عز وجل الإنابة في الفهم والتذكُّر، فقال تعالى: {تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ} [ق:8]. وقال عز وجل: {وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ} [غافر:13]. وقال تعالى: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الرعد:19]. فالذي آثر غرور الدنيا على نعيم الآخرة؛ فليس من ذوي الألباب، ولذلك لا تنكشف له أسرار الكتاب.

أقول: ومما يدلُّ لما ذكره الإمام الغزالي هنا: قوله تعالى: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [الأعراف:146].

قال سفيان بن عيينة: سأنزع عنهم فهم القرآن.

رابعها: أن يكون قد قرأ تفسيرًا ظاهرًا، واعتقد أنه لا معنى لكلمات القرآن إلا ما تناوله النقل عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما، وأن ما وراء ذلك تفسير بالرأي، وأن من فسَّر القرآن برأيه فقد تبوَّأ مقعده من النار. فهذا أيضًا من الحجب العظيمة. وسنبيِّنُ معنى التفسير بالرأي في الباب الرابع، وأن ذلك لا يناقض قول علي رضي الله عنه: إلا أن يؤتي الله عبدًا فهمًا في القرآن. وأنه لو كان المعنى هو الظاهر المنقول لما اختلفت الناس فيه).

مساحة إعلانية