أصدرت سفارة دولة قطر بالرياض، اليوم السبت، تنويهاً للمواطنين القطريين المتواجدين في المملكة العربية السعودية والعالقين في المطارات نتيجة الإغلاق. وأهابت السفارة دولة...
رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
المؤلف : الشيخ يوسف القرضاوي
الكتاب: أدب المسلم مع الله والناس والحياة
الحلقة الثالثة عشر
بيَّن القرآنُ أن العبادات الشعائرية الكبرى من الصلاة والزكاة، والصيام والحج، لا تصل عند الله إلا إذا كانت معها عبادة قلبية تقدمها إلى الله تعالى، وهي الإخلاص لله، كما قال سبحانه: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة:5]. فأي عبادة من هذه العبادات خلت من الإخلاص، وأفسدها الرياء، فهي مرفوضة عند الله، كما قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة:5]. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا} [البقرة:264].
ولهذا كانت هذه الذنوب الكبيرة من أشد ما يُبعد عن رضا الله سبحانه، مثل الرياء والعُجب، واليأس من روح الله، والأمن من مكرِه، ونحوها. قال تعالى: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا} [التوبة:25]. وقال: {وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف:87]. وقال: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف:99].
لا بد من تطهير الأنفس، وتصفية القلوب، وتنقية الضمائر من هذه الموبقات، "إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم". "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صَلَحت صلَح الجسدُ كلُّه، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب".
ولذلك ما زلنا نؤكد على العبادات القلبية، التي لا يلتفت إليها كثير من الناس، لتيههم وغفلتهم عنها، وهي التي تعبر عن حقيقة إيمانهم، وتُعرِّف بقيمتهم الحقيقية عند الله.
وقد سمعت أحاديث الثلاثة الذين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنهم: أنهم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة: المنافق والقارئ (أو العالم) والمجاهد، الذين رُفِضَت عباداتهم عند الله؛ لأنهم زيَّفوها على الله، وغلَّفوها بغلافٍ ظاهرِ الحُسن، وهو زائف، فردَّها الله عليهم؛ لأنه تعالى لا يقبل الزيف، ولا يُخدعه أحد.
من العبادات القلبية المهمة
ولا بد أن نضع أمام المسلم الغيور على دينه، والحريص على نجاته، المقبل على آخرته، المعنيِّ برضا ربه، هذه العبادات المعروفة عند أهل التقوى والإخلاص بالعبادات: القلبية أو الروحية.
عبادة الشكر لله
عبادة الشكر لله تعالى على نعمائه، فلا يكفي في هذا أن يقول اللسان: الحمد لله، وقلبه محجوب عن رؤية فضل الله تعالى، ولا يرى إلا الناس، الذين ساعدوه، والذين أمدُّوه أو موَّلوه، فهذا ليس بالشكر له، ولكنه الكفر به. قال تعالى: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم:7]. وقال تعالى: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ:13]. وقد بدا قبول شكر داود، ولذلك زاده الله نعمة وفضلًا. {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [سبأ:10 — 11]. وقال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ} [سبأ:15 — 17].
والقرآن يأمر عبادَ الله بالشكر له، وعدم الكفر به، كما قال تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ * فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} [البقرة:51 — 52].
والنعم التي يُسبغها الله على عباده متعددة الأنواع والألوان، منها نِعَمٌ مادية، كما في نعمة سبأ، وجنتيها عن يمين وشمال، ومنها نِعَم معنوية، كالنعمة التي آتاها الله لقمان، وهي الحكمة {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [لقمان:12].
ومن ذلك نعمة الله على الإنسان منذ ولادته، فقد غمره الله تعالى في نعمه المادية والمعنوية: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان:14]. وقد طلب الله من الولد أن يشكر لله الذي خلقه، وهيَّأ له ما يحفظه ويعينه من الأشياء، ويشكر لوالديه اللذين كانا سببًا في ميلاده وحياته وبقائه، مع فضل الله تعالى وإمداده.
عبادة الصبر لله
وكما يطالب الإنسان بشكر الله تعالى، يطالب بالصبر على بلائه، كما جاء في حديث صهيب الذي رواه مسلم: "عجبًا لأمر المؤمن، إن أمرَه كلَّه خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سرَّاءُ شَكَر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاءُ، صبر فكان خيرًا له".
1 — الصبر على طاعة الله
وللمؤمن أنواع ودرجات من الصبر، فهناك صبر على طاعة الله، كما قال تعالى: {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ} [مريم:65]. وقوله أيضًا: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه:132].
وقد استخدم القرآن هنا صيغة الافتعال من الصبر "اصطبر"، مكانَ الصيغة المعتادة "اصبر"؛ لأن الافتعال يدل على المبالغة في الفعل، فزيادة المبنى تدل في العادة على زيادة المعنى، وما ذاك إلا لأن الطريق إلى طاعة الله مليئة بالمعوِّقات من داخل النفس ومن خارجها. وفيها يقول الشاعر:
إنـــي ابتُليــــــــتُ بأربعٍ يرمينَني بالنَّبْل عـــــــن قـــــــــــوسٍ له توتيـــــرُ
إبليسُ والدنيا ونفسي والوَرَى يا رب أنت على الخلاص قديرُ
فإذن العبودية شاقَّة على النفس مطلقًا، ثم من العبادات ما يُكره بسبب الكسل؛ كالصلاة، ومنها ما يكره بسبب البخل؛ كالزكاة، ومنها ما يكره بسببهما جميعًا؛ كالحج والجهاد، فالصبر على الطاعة صبر على الشدائد.
ويحتاج المطيع إلى الصبر على طاعته في ثلاث أحوال:
الأولى: قبل الطاعة، وذلك في تصحيح النية والإخلاص، والصبر عن شوائب الرياء ودواعي الآفات، وعقد العزم على الإخلاص والوفاء، وذلك من الصبر الشديد عند من يعرف حقيقة النية والإخلاص، وآفات الرياء، ومكايد النفس، وقد نبَّه عليه النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى". وقال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة:5]. ولهذا قدَّم الله تعالى الصبر على العمل، فقال تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [هود:11].
الحالة الثانية: حالة العمل، كي لا يغفل عن الله في أثناء عمله، ولا يتكاسل عن تحقيق آدابه وسننه، ويدوم على شرط الأدب إلى آخر العمل الأخير، فيلازم الصبر عن دواعي الفتور إلى الفراغ، وهذا أيضًا من شدائد الصبر، ولعله المراد بقوله تعالى: {نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * الَّذِينَ صَبَرُوا} [العنكبوت 58 — 59]. أي صبروا إلى تمام العمل.
الحالة الثالثة: بعد الفراغ من العمل، إذ يحتاج إلى الصبر عن إفشائه، والتظاهر به للسمعة والرياء، والصبر عن النظر إليه بعين العُجب، وعن كل ما يبطل عمله ويُحبط أثره، كما قال تعالى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد:33]. وكما قال تعالى: {لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} [البقرة:264]. فمن لا يصبر بعد الصدقة عن المن والأذى فقد أبطل عمله.
والطاعات تنقسم إلى فرض ونفل، وهو محتاج إلى الصبر عليهما جميعًا، وقد جمعهما الله تعالى في قوله: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى} [النحل:90]. فالعدل هو الفرض، والإحسان هو النفل، وإيتاء ذي القربى هو المروءة وصلة الرحم، وكل ذلك يحتاج إلى صبر).
2 — الصبر عن معصية الله:
وهناك صبر عن المعصية. مثل صبر يوسف عليه السلام، حيث فُتِنت به امرأة العزيز، وهي امرأة ذات منصب وجمال، وقد هيَّأت الأسباب، وغلَّقت الأبواب، وقالت: {هَيْتَ لَكَ} بصريح العبارة، فقال: {مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [يوسف: 23]، فردعها بكل الروادع الربانية والأخلاقية والعملية، ومع هذا لم ترتدع، وقالت بصراحة أمام النسوة التي دعتهن إلى قصرها، فأرتهن يوسف، فلم يملكْن حين رأيْنَه فجأة، إلا أن قطَّعْن أيديَهُن بالسكاكين التي فيها، وقلن: {حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ * قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ} [يوسف 31 — 32].
ولقد كان يوسف عليه السلام مخيَّرًا بين محنتين: محنة في دينه: أن يستجيب لها، وينجو من السجن، وينضم إلى أرباب العشق، وأخدان النساء، ويصبح من الفاسقين، أو يرفض، ويستقبل ما يأتي به القدر من نتائج، وهو ما صمَّم عليه. ولكنه ظل صابرًا عن المعصية، فانتصر في صبره، رَضِي بمحنة الدنيا على محنة الدين، ودخل في السجن، ولبث فيه بضع سنين.
3 — الصبر على البلاء ومحن الدعوة:
وهناك الصبر على البلاء، كما صبر أيوب عليه السلام على مرضه الذي طال عليه، وفقد من فقد من أولاده، كما ذكر القرآن: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} [الأنبياء:83 — 84]. وقال الله تعالى عن أيوب: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص:44].
ولقد صبر المسلمون في سبيل عقيدتهم على ما نزل بهم من بلاء في أنفسهم وأهليهم وأموالهم، وكل ما لهم، كما قال تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت:2 — 3]. هذا في مكة. وفي العهد المدني: جاءت نوازل أخرى، ابتُلي بها المؤمنون وزُلزلوا زلزالًا شديدًا. كما قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [155 — 157].
وفي غزوة الأحزاب، كان بلاءٌ شديد، وصفه القرآن بقوله: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} [الأحزاب:10 — 11]. وهنا ظهر صبر المؤمنين الصادقين: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [الأحزاب:22].
4 — الصبر على الدعوة ومشاقِّها ومتاعبها:
وهناك الصبر على الدعوة ومشاقها، وما يحفُّ بها من متاعب وآلام، تنوءُ بها الظُّهور، وتضعف عن حملها الكواهل، إلا من رحم الله.
فالصبر هنا — كما قال الإمام علي —: سيف لا ينبُو، ومطيَّة لا تكبو، وضياء لا يخبو. وكما جاء في الحديث الصحيح: "الصبر ضياء".
وهذا هو السر في اقتران التواصي بالصبر بالتواصي بالحق في سورة العصر: {إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر:2 — 3]. فلا بقاء للحق بغير صبر.
وهو السرُّ فيما ذكره الله على لسان لقمان الحكيم، حيث وصَّى ابنَه بالصبر على ما يصيبه من بلاء وأذى، عقب وصيته له بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال الله تعالى على لسانه: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمور} [لقمان:17].
قيم تمثِّل مشاقَّ الدعوة إلى الله:
ومشاقُّ الدعوة إلى الله تتمثَّل في صور شتى، وقد ذكر القرآن منها أنواعًا وأمثلة:
أ — تتمثل في إعراض الخلق عن الداعية، فليس أشقُّ على نفس صاحب الدعوة أن يدعو بملء فيه، ويصيح بأعلى صوته، بشيرًا ونذيرًا، فلا يجد إلا آذانًا صُمًّا، وقلوبًا غُلْفًا!
رأينا ذلك مع نوح عليه السلام، حيث قال مناجيًا ربه: {رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا} [نوح:5 — 7].
ورأينا ذلك مع هود عليه السلام حين قال له قومه: {يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} [هود:53].
ورأينا ذلك مع خاتم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم، حيث وصف الله حال قومه معه فقال: {حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ} [فصلت:1 — 5]. ولهذا قال الله لرسوله: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} [النحل:127].
وأوضح من يمثل هذا النوع من الصبر: نوح عليه السلام، حيث لقي من الإعراض والصدِّ ما لم يلْقَه نبي بعده.
ب — وتتمثل متاعب الدعوة في أذى الناس بالقول أو الفعل، فليس أشد على نفس الرجل المخلص في دعوته، البريء من الهوى، المحبِّ لخير الناس، من أن يُمحِّض لهم النصح، فيتهموه بما ليس فيه، وأن يدعوهم إلى سبيل ربه بالحكمة، فيردوه بالقوة، ويعظهم بالحسنى، فيستقبلوه بالسوء، ويجادلهم بالتي هي أحسن، فيقاومونه بالتي هي أخشن، ويدلُّهم على الخير، فيقذفوه بالشر، ويصدع فيهم بكلمة الحق، فلا يسمع منهم إلا كلمة الباطل.
وهذا ما أقسم القرآن على وقوعه للداعين إلى الله، حيث خاطب بذلك المؤمنين ليوطنوا أنفسهم على الصبر الطويل، فقال: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [آل عمران:186]، ومن هنا أمر الله رسوله أن يصبر على إيذاء قومه بمثل قوله تعالى: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا} [المزمل:10].
والأنبياء جميعًا يمثلون هذا النوع من الصبر، ولهذا حكى الله على لسانهم هذا القول ردًّا على أقوامهم: {وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} [إبراهيم:12]. وعزَّى الله خاتم رسله بما حدث لإخوانه من قبله فقال: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ} [الأنعام:34].
ومن أتباع الرسل ذكر لنا القرآن هنا مثلًا رائعًا، يتجلى في سحرة فرعون، حين وقع الحق، وبطَل ما كانوا يعملون، فأعلنوا إيمانهم برب موسى وهارون، وعندها قال لهم فرعون: {آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأعراف:123 — 124].
فماذا كان موقف السحرة إزاء هذا الوعيد الهادر من ملك جبَّار يقول للناس: أنا ربكم الأعلى؟ لقد وقفوا بإيمانهم الجديد كالجبال الشُمِّ، متحدِّينَ جبروت فرعون، مستعدين لكل ما يُرغِي به ويُزبد، سائلين الله تعالى أن يُفرِغ عليهم صبرًا يتحملون به العذاب راضين، ويستقبلون به المكاره مطمئنين.. ومن هنا قالوا لفرعون: {إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ* وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} [الأعراف:125 — 126].
جـ — وتتمثل مشاقُّ الدعوة كذلك في صورة أخرى هي طول الطريق، واستبطاء النصر، فقد جعل الله العاقبة للمتقين، وكتب النصر لدعاة الحق من رسله وأتباعهم وورثتهم المؤمنين، ولكن هذا النصر لا يتحقق بين عشية وضحاها، ولا تشرق شمسه إلا بعد ليل طويل حالك، من الشدائد والمحن المتعاقبة، تزيغ لهَوْلها الأبصار، وتبلغ القلوب الحناجر، ويظن الناس بالله الظنونَ، هناك يبتلي المؤمنون ويزلزلون زلزالًا شديدًا، كما صور القرآن الحالة النفسية للمسلمين في غزوة الأحزاب.
وكم أكد القرآن هذه الحقيقة في أكثر من موضع، وبأكثر من أسلوب، فهو يخاطب المؤمنين في المدينة فيقول: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة:214]. يقولون: متى نصر الله؟ استبطاءً له، واستعجالًا لمجيئه، فيجيء معه الغوث للملهوف، والفرج للمكروب. ويقول جل شأنه: {حَتَّى إِذَا اسْتَيأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [يوسف: 110].
%MCEPASTEBIN%%MCEPASTEBIN%
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أصدرت سفارة دولة قطر بالرياض، اليوم السبت، تنويهاً للمواطنين القطريين المتواجدين في المملكة العربية السعودية والعالقين في المطارات نتيجة الإغلاق. وأهابت السفارة دولة...
133428
| 28 فبراير 2026
أعلنت الأمانة العامة لمجلس الوزراء القطري اعتماد نظام العمل عن بعد يوم الأحد الموافق 1 مارس 2026، وذلك لكافة الموظفين في جميع الوزارات...
37510
| 28 فبراير 2026
أوصت وزارتا العمل ووزارة التجارة والصناعة باعتماد نظام العمل عن بُعد يوم الأحد الموافق 1 مارس 2026، لكافة العاملين في منشآت القطاع الخاص،...
31194
| 28 فبراير 2026
أعلنت وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، في تعميم صادر اليوم، عن تحويل الدراسة إلى نظام التعليم عن بعد في رياض الأطفال والمدارس الخاصة...
23346
| 28 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الدوحة - موقع الشرق شهدت أسعار الغاز في أوروبا، اليوم الإثنين، ارتفاعاً كبيراً بأكثر من 50% بعد أن أعلنت شركة قطر للطاقة تعليق...
508
| 02 مارس 2026
أغلق مؤشر بورصة مسقط 30 تداولاتها، اليوم، مرتفعًا بحوالي 80.8 نقطة، أي بنسبة 1.11 بالمئة، ليبلغ مستوى 7369.34 نقطة، مقارنة مع آخر جلسة...
60
| 02 مارس 2026
انخفض مؤشر بورصة الكويت، اليوم، بنحو 164.02 نقطة، أي بنسبة 1.91 بالمئة، ليبلغ مستوى 8408.29 نقطة. وسجلت جلسة التعاملات تداول 280.2 مليون سهم،...
52
| 02 مارس 2026
أغلق مؤشر بورصة قطر تداولاته، اليوم، منخفضا بواقع 474.15 نقطة، أي بنسبة 4.29 بالمئة، ليصل إلى مستوى 10581.03 نقطة. وتم خلال الجلسة تداول...
114
| 02 مارس 2026
مساحة إعلانية
تابع الأخبار المحلية والعالمية من خلال تطبيقات الجوال المتاحة على متجر جوجل ومتجر آبل




أكدت سفارة جمهورية مصر العربية في الدوحة متابعتها عن كثب للتطورات والأحداث الجارية في المنطقة، مشددة على حرصها الكامل على سلامة وأمن جميع...
20372
| 28 فبراير 2026
في ظل الأوضاع الراهنة ومستجدات الاستهداف الإيراني لأراضي الدولة، تهيب وزارة الداخلية بالمواطنين والمقيمين والزوار البقاء في منازلهم وعدم الاقتراب من النوافذ أو...
14054
| 28 فبراير 2026
أكد مطار حمد الدولي استمرار تعليق عمليات الطيران في المطار في الوقت الراهن، وسيتم استئناف العمليات فور صدور إشعار رسمي من الهيئة العامة...
11858
| 01 مارس 2026