رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عربي ودولي

1319

العيد في إدلب السورية.. فرحة منقوصة

03 مايو 2022 , 07:00ص
alsharq
سونيا العلي - إدلب

يسعى أهالي إدلب السورية لانتزاع الفرح بعيد الفطر، وتجاوز الأزمات والتغلب على قسوة واقعهم رغم النزوح والفقر والغلاء وجحيم الحرب التي تحاصرهم منذ سنوات، حيث شهدت الأسواق حركة نشطة، لإحياء طقوس العيد وتهيئة أجواء ترسم الفرحة على وجوه الأطفال البريئة.

تعلو رائحة كعك العيد على رائحة البارود بعد حصولها على مساعدة مالية من أخيها الذي يعمل في تركيا، بادرت سلوى الطحان (32 عاماً) لتجهيز الطحين والبهارات اللازمة، وجمعت جاراتها في خيمتها المتواضعة للبدء بصناعة كعك العيد، وعيون أطفالها تترقب بلهفة إخراج الكعك المحمص، تقول للشرق: "لا يمكن الاستمتاع بقدوم العيد إن لم يكن الكعك حاضراً على موائد الضيافة، لذا بادرت هذا العيد بإعداده، لأدخل البهجة uلى قلوب أولادي، وأخرجهم من حالتهم النفسية المتردية بسبب القصف ومشاهد الدمار العالقة في ذاكرتهم، ولأعيد العمل بعادات وطقوس ما نزال نتعلق بها ونحافظ عليها منذ سنوات".

وتضيف: "أثناء إعداد الحلويات لا أجد تلك البهجة نفسها التي كانت في السابق، ولكن رغم مرارة النزوح والتهجير لابد لحياتنا أن تستمر، ولابد أن نبث السعادة في قلوب أطفالنا بهذه المناسبة، فهم فرحة العيد، وأملنا بقادم أفضل".

وتلفت الطحان أن كعك العيد من أهم الموروثات والطقوس في عيد الفطر لدى شريحة واسعة من السوريين، يمثل مظهراً من مظاهر الفرح والبهجة، حيث تجتمع النسوة ويباشرن العمل ويتوزعن المهام، وتبدأ غالباً حملة التحضير بعد الفطور ولا تنتهي حتى ساعات متأخرة من الليل، فيما تجتهد الكثير من ربات البيوت بصناعة أنواع أخرى منها البيتي فور والغريبة والمعمول والبرازق، وتتصدر هذه الحلويات الاستعدادات لقدوم العيد، مؤكدة أن النساء لا يفوتهن تخصيص جزء من هذه المعجنات للجيران والأقارب.

وتشرح طريقة إعداد الكعك بابتسامة: "تحتوي عجينة الكعك على الكثير من التوابل منها الشمرا، حبة البركة، اليانسون، السمسم، المحلب، وغيرها، بالإضافة للسمنة والزيت والملح أو السكر، ثم نقوم بتشكيل العجين على شكل حلقات دائرية صغيرة، وتكون المرحلة الأخيرة بشيها في الفرن".

وتلفت إلى أن كعك العيد يتوافر في الأسواق جاهزاً إلا أن معظم الأسر تفضل أن تحضّره في منازلها على أن تشتريه من الأسواق، مؤكدة أن ما يصنع في المنزل له نكهة خاصة ومتعة في الإعداد.

ولا تخفي الطحان رغبتها وحنينها أن يكون العيد القادم في منزلها الذي أبعدتها عنه الحرب، والخلاص من حياة الخيام والتشريد.

مشقة تأمين كسوة العيد

وجدت الكثير من العوائل في إدلب صعوبة ومشقة في تأمين احتياجات أطفالهم في العيد بسبب قسوة العيش وارتفاع الأسعار وتردي الأوضاع المعيشية.

عبد اللطيف الحير (41 عاماً) فضل بيع دراجته النارية لشراء ملابس العيد والحلويات، لرسم الفرحة والبسمة على وجوه أطفاله، وعن ذلك يقول لـ الشرق: "أنا عامل مياوم بأجر لا يتجاوز دولارين يومياً، لذا أشعر بالقلق مع قدوم العيد وأتحمل أعباء مادية كبيرة، ولكنني أؤمن أن من حق أولادي أن يفرحوا بالعيد كسائر الأطفال".

كما دفع الغلاء الكثير من أهالي إدلب لشراء ملابس العيد لأطفالهم من محلات بيع الألبسة المستعملة "البالة" للتخلص من الأسعار الخيالية التي يطلبها أصحاب محال الملابس الجديدة، واختصار بعض النفقات والتكاليف التي تثقل كاهلهم.

سلمى الملص (40 عاماً) النازحة من مدينة معرة النعمان إلى مخيم على أطراف مدينة سرمدا بريف إدلب الشمالي، فقدت زوجها منذ ثلاث سنوات، وهي أم لخمسة أبناء، لم تتمكن من شراء ملابس جديدة لهم بمناسبة العيد، لذا قصدت محلات الملابس المستعملة "البالة" لأن كلفتها أقل، وعن ذلك تقول: "أعباء الحياة المتزايدة وتردي الأوضاع المادية أجبرتني في هذا العيد على شراء ملابس مستعملة لأطفالي الذين ينتظرون قدوم العيد بفارغ الصبر".

وتبين أنها تعمل مستخدمة في مركز صحي مقابل 100 دولار أمريكي شهرياً، فيما يحتاج شراء ملابس جديدة لأولادها لمبلغ لا يقل عن 200 دولار أمريكي. وتردف بحزن: "أصبح من الصعب في ظل الغلاء الذي نعيشه، أن نوفر حياة كريمة لأبنائنا".

العيد.. غصة وحنين

رغم حصولها على ملابس جديدة من إحدى الجمعيات الخيرية التي زارت المخيم الذي تقطن به، إلا أن العيد يحمل للطفلة فاطمة العلوش (10 سنوات) الحزن، لأنها تحن إلى أمها التي قتلت بإصابة حربية بداية عام 2020، وعن معاناتها تقول: "كانت أمي تحتفي بنا في العيد، وتصنع لنا الكعك والحلويات، لكنني اليوم أشتاق إليها وأفتقد وجودها إلى جانبي في العيد". وتبين أنها تعيش مع والدها وجدتها المسنة، ويقع على عاتقها الاهتمام بشؤون المنزل، وتتحمل مسؤوليات كبيرة رغم صغر سنها.

جميع الأعياد مؤجلة لدى الخمسينية عائشة الرحال، بعد اعتقال ولدها من قبل أحد حواجز النظام السوري، وعن ذلك تقول: "تم اعتقال ولدي البالغ من العمر 22 عاماً منذ سنتين أثناء وجوده في جامعة مدينة حلب، ومنذ ذلك اليوم لا أعرف مصيره، فكيف للفرح أن يعرف طريقاً إلى قلبي، ولا أعلم إن كان حياً أو ميتاً". وتضيف: "يمر علينا العيد وفي كل عائلة فقيد أو معتقل أو جريح، ولكن فرحة الأطفال هي من تصنع فرحة العيد بأصوات ضحكاتهم التي تملأ أرجاء الشوارع والحارات."لم تستطع آلة الحرب في سوريا أن تحرم أهالي إدلب من الفرح والبهجة بقدوم عيد الفطر المبارك، محاولين التعايش مع الواقع وقسوة الظروف، والاحتفال بالعيد علّهم يتناسون بعضاً من آلام وهموم لا تنتهي.

مساحة إعلانية