رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

دين ودنيا alsharq
تنفيذ العقوبات من القصاص والحدود والتعازير مسؤولية الدولة وليس الأفراد

الكتاب : فقه التعامل عن الإساءة إلى المقدسات الإسلاميةدراسة شرعية وتأصيلية وقانونية في ضوء فقه المواطنة مزودة ببرنامج شرعي للأقليات المسلمة في بلاد الغرب وعامة المسلمينالمؤلف: د. علي محي الدين القرة داغيالحلقة : الثانية والعشرونإذا كان القول: الإرهاب لا دين له، فإنه لا يجوز تحميل هذا الإرهاب للإسلام، كما لا يجوز تحميل الإرهاب الذي يقوم به بعض أصحاب الأديان على تلك الأديان أنفسها.. وإذا كنا نتحدث عن الإفراط والتفريط والتشدد في الشرق الإسلامي، فإنه وجدت في الغرب مجموعة من الأعمال المتمثلة في الرسوم المسيئة والأفلام والمسرحيات والمقالات التي نالت من مقام الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم المبعوث رحمة للعالمين.. سوف نتناول في هذا البحث المبادئ والقواعد العامة والأحكام المتعلقة بالأقليات الإسلامية..والمبادئ والقواعد العامة المستنبطة من قصة سيدنا يوسف عليه السلام، حيث يعتبر قدوة للأقليات، ومن المهاجرين في حبشة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم. فقه المواطنة باعتباره مدخلاً للتعايش ومنطلقاً للاندماج الإيجابي.ثم نتحدث عن فقه التعامل مع الآخر عند الاساءة إلى المقدسات الإسلامية حيث نبين المبادئ العامة الحاكمة فيه، حق الإنسان في حرية التعبير، موضحاً أسباب الاندفاع البعض نحو الاساءة، ثم بيان الموقف الشرعي (التأصيل الشرعي) بالنسبة للمسلم الذي يعيش في البلاد غير الإسلامية، والواجب الشرعي للأقلية المسلمة نحو الاساءات الموجهة للمقدسات، وواجب الدول والعالم الإسلامي نحوها، وضرورة وجود خطة استراتيجية هادئة وهادفة لمنع الازدراء بالأديان.إن إقامة العقوبات من القصاص والحدود والتعازير، ليست من شأن الأفراد، أو الأقليات المستضعفة، أو جماعة، وإنما الحدود تقيمها الدولة من خلال محاكم عادلة تتوافر فيها إقامة الحجج والبيّنات من طرف المتهم المدعى عليه، والمدّعي، وقد اتفق علماء المسلمين قديماً وحديثاً على أنه لا يجوز لأحد إقامة الحدود إلاّ الإمام (الدولة) أو من ينسبه من القضاة والحكام، حيث جاء في الحديث الصحيح المتفق عليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الإمام جُنّة يقاتل من ورائه، ويتقى به، فإن أمر بتوقى الله، وعدل كان له بذلك أجر...) حيث قال الأئمة مثل النووي، وابن حجر، وغيرهما ان الحديث يدل على أن الجهاد، وإقامة الحدود من حق الدولة وأنه لا يجوز الافتئات على حقها).وقد ذكر الإمام أحمد ضمن أدلة وجوب الحاكم: (لا بد للناس من حاكم، أفتذهب حقوق الناس) قال بهوتي: (لا يقتله — أي من يجب عليه الحد — إلا الإمام أو نائبه) أي السلطة الشرعية، وروى الطحاوي عن بعض الصحابة قولهم: إن الحدود والفيئ إلى السلطان قال الطحاوي: لا نعلم له مخالفاً من الصحابة، وروى البيهقي عن خارجة بن زيد عن أبيه، وأخرجه أيضاً عن أبي الزناد عن أبيه عن الفقهاء الذي ينتهي إلى أقوالهم من أهل المدينة أنهم كانوا يقولون: لا ينبغي أن يقيم شيئاً من الحدود دون السلطان).بل إن جمهور الفقهاء منهم الإمام الشافعي على أنه لا يجيزون لأمير سرية ولا لأمراء الأجناد أن يقيموا الحدود لا في دار الإسلام ولا في دار الحرب، لأن وظيفة إقامة الحدود منوطة بالإمام (رئيس الدولة) ومن ينوب عنه وهم القضاة الذين تتوافر فيهم الشروط المطلوبة في القضاء.قال ابن العربي المالكي: (لا خلاف في أن المخاطب بهذا الأمر — إقامة الحد — هو الإمام ومن ناب عنه)، وذلك لما فيها من خطر على الفرد، والمجتمع، فلابد من ضبطها والتحقق منها حتى لا تقع الفوضى والثأر.وإذا كان هناك خلاف أو بعض أقوال من العلماء حول جواز إقامة حد لجماعة أو أحد فإنه محمول على حالات استثنائية لا تترتب عليها أي مفسدة، وعلى عدم القصاص فيمن فعل ذلك، ولكنه بلا شك محمول أيضاً على بلاد المسلمين فقط.ومن ناحية أخرى فإن إقامة الحدود خاصة بدار الإسلام عند جماعة كثيرة من الفقهاء، منهم أبو حنيفة، وأبو يوسف، والأوزاعي، وقال الشافعي: (أجاز بعض أشياخنا عن مكحول عن زيد بن ثابت أنه قال: لا تقام الحدود في دار الحرب وحدثنا بعض أشياخنا عن ثور بن يزيد عن حكيم بن عمير أن عمر كتب إلى عمير بن سعد الأنصاري، وإلى عماله: ألا تقيموا حداً على أحد من المسلمين في أرض الحرب حتى يخرجوا إلى أرض المصالحة)، قال الشافعي: (وكيف يقيم أمير سرية حداً وهو ليس بقاض ولا أمير يجوز حكمه..).لذلك فالراجح الذي يقرُبُ من الصواب أن حق إقامة العقوبات، والحدود الإسلامية منوطة بالقضاء العادل التابع للدولة الإسلامية، لأنها من حق الله تعالى، وأنها في غاية الأهمية ومرتبطة بتحقيق مقاصد الشريعة، كما أنها تفتقر في تطبيقها إلى الاجتهاد، وأنها تترتب عليها آثار خطيرة، لذلك يجب ربطها بالقضاء العادل في ظل دولة لها قدرتها وقوتها على حماية أمن المجتمع.استهزاء المشركين بالرسول صلى الله عليه وسلم، وصبره عليهمكان المشركون في مكة المكرمة والمنافقون في المدينة المنورة يستهزئون بالله تعالى وبالرسول صلى الله عليه وسلم وبالقرآن الكريم، ويؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام بمختلف أنواع الأذى المادي والمعنوي، ولكنهم كانوا يصبرون صبراً جميلاً في سبيل دعوتهم.ومن أشد أنواع الأذى المعنوي: الاستهزاء والسخرية، حيث سجل القرآن الكريم ذلك، حيث تكررت مشتقات الاستهزاء 42 مرة، كما تكرر لفظ السخرية بمعنى الاستهزاء عدة مرات، نستعرض مقصود بعض هذه الآيات:1 — الاستهزاء بالله وآياته ورسوله، حيث قال الله تعالى: (قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ).2 — استهزاء المنافقين عند شياطينهم الانس، حيث قالوا: (وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ).ويلاحظ أن القرآن الكريم لم يذكر لهم أي عقوبة دنيوية، بل بيّن أن الله يمدهم ويمهلهم، ولكن لا يهملهم علماً أن هذه الفترة كانت فترة مدنية كان للرسول صلى الله عليه وسلم الحكم والقوة.3 — استهزاء المنافقين في المدينة المنورة عند سماع آيات الله، وأن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام بترك المكان وعدم القعود معهم حتى يتركوه فقال تعالى: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً) حيث تدل الآية على أن المطلوب عند سماع المنافقين آيات الله تعالى واستهزائهم بها ترك هذا المكان وعدم القعود معهم حتى يخوضوا في حديث غيره، ثم ذكر لهم العذاب الأخروي فقط.4 — لم تطلب الآيات الواردة في الاستهزاء من الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام إيقاع أيّ عقوبة دنيوية على هؤلاء المستهزئين، وإنما طلب منهم عدم القعود معهم ما داموا مستهزئين.5 — بين الله تعالى في أكثر من آية أن الاستهزاء عادة الكفار والمنافقين مع جميع الرسل والأنبياء فقال تعالى: (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون) وقال تعالى: (وَمَا يَأْتِيهِم مِّن نَّبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون).6 — وكذلك قام المشركون والمنافقون بالسخرية من الرسول صلى الله عليه وسلم فقال تعالى: (وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ) وتحدث القرآن الكريم عن مصير هؤلاء الساخرين في جهنم فقال تعالى: (إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ).7 — أما كلمات السخرية والاستهزاء والسب والشتيمة والاتهام بالجنون والسحر والكذب فقد بيّنها القرآن الكريم في آيات كثيرة لا يسع البحث بسردها.

2666

| 10 يوليو 2015

دين ودنيا alsharq
القرة داغي: الإسلام رفض الواسطة بين العبد وربه

الكتاب : فقه التعامل عن الإساءة إلى المقدسات الإسلاميةدراسة شرعية وتأصيلية وقانونية في ضوء فقه المواطنة مزودة ببرنامج شرعي للأقليات المسلمة في بلاد الغرب وعامة المسلمينالمؤلف: د. علي محي الدين القرة داغيالحلقة : السادسة عشرإذا كان القول: الإرهاب لا دين له، فإنه لا يجوز تحميل هذا الإرهاب للإسلام، كما لا يجوز تحميل الإرهاب الذي يقوم به بعض أصحاب الأديان على تلك الأديان أنفسها.. وإذا كنا نتحدث عن الإفراط والتفريط والتشدد في الشرق الإسلامي، فإنه وجدت في الغرب مجموعة من الأعمال المتمثلة في الرسوم المسيئة والأفلام والمسرحيات والمقالات التي نالت من مقام الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم المبعوث رحمة للعالمين.. سوف نتناول في هذا البحث المبادئ والقواعد العامة والأحكام المتعلقة بالأقليات الإسلامية..والمبادئ والقواعد العامة المستنبطة من قصة سيدنا يوسف عليه السلام، حيث يعتبر قدوة للأقليات، ومن المهاجرين في حبشة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم. فقه المواطنة باعتباره مدخلاً للتعايش ومنطلقاً للاندماج الإيجابي.ثم نتحدث عن فقه التعامل مع الآخر عند الاساءة إلى المقدسات الإسلامية حيث نبين المبادئ العامة الحاكمة فيه، حق الإنسان في حرية التعبير، موضحاً أسباب الاندفاع البعض نحو الاساءة، ثم بيان الموقف الشرعي (التأصيل الشرعي) بالنسبة للمسلم الذي يعيش في البلاد غير الإسلامية، والواجب الشرعي للأقلية المسلمة نحو الاساءات الموجهة للمقدسات، وواجب الدول والعالم الإسلامي نحوها، وضرورة وجود خطة استراتيجية هادئة وهادفة لمنع الازدراء بالأديان.إن مظاهر التكريم للإنسان في الاسلام الذي نزل قبل أكثر من أربعة عشر قرناً كثيرة منها ما يأتي:أولاً — أن الله تعالى خلق هذا الانسان بيده منذ الخليقة عند خلق آدم (عليه السلام) وهذا تشريف وتكريم ما بعده من تكريم حيث يقول الله تعالى: (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ). ثانياً — أن الله تعالى خلق هذا الانسان في أحسن تقويم حيث يقول: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ)، ويقول أيضاً: (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ). ثالثاً — أن الله تعالى كرّم هذا الإنسان من خلال أمره تعالى الملائكة كلهم بالسجود لآدم أبي الانسانية فقال تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ).رابعاً — أن الله تعالى أكرم هذا الانسان بالعقل والتفكير، وبالسمع والبصر وبقية الحواس حيث يقول تعالى: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ). خامساً — ان الله تعالى نفخ في هذا الانسان نفخة من روحه وبذلك تحقق له السمو الروحي، والروح العلوي، فقال تعالى: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) وهذا أعظم تكريم للإنسان، وهذا يفرض على كل إنسان أن يحترم أي إنسان مهما كان، احتراماً لما تحمله من هذه النفخة المباركة، فكيف يتسنى للإنسان أن يعتدي على من فيه نفخة من روح الله تعالى؟!!.سادساً — جعله الله تعالى خليفة في الأرض دون الملائكة، والجنّ أجمعين فقال تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) وهذا شرف عظيم لم تنله الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم وأنهم مستغرقون في الذكر، والتسبيح، والتبجيل لله تعالى.سابعاً — أن الله تعالى سخرّ لهذا الانسان كل ما في هذا الكون بسمواته وأرضه، وما فيهما وما بينهما من شموس وأقمار ونجوم وكواكب ومجرات فقال تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ).ثامناً — أن الله تعالى حرر هذا الانسان، أي البشرية من كل عبودية لأي مخلوق مهما كان فضله وعظمته، وفي ذلك قمة التحرر، حيث نقل من عبودية البشر والخضوع لهم إلى عبودية الله تعالى.فقد بعث الرسول صلى الله عليه وسلم في عصر ساد فيه الشرك العالم كله وضربت الوثنية أطنابها بين الناس، سواء كانت بين العرب أم غيرهم، فكان الناس يعبدون ويخضعون لأنواع من المخلوقات من الأصنام والبشر، حتى بلغ الشرك بعض منتسبي الأديان السماوية ويعتقدون أن سيدنا عيسى هو ثالث ثلاثة (الله، مريم، عيسى) وإن كانون يقولون في عبارة غير مفهومة وهي (ثلاثة في واحد، وواحد في ثلاثة )، فأنقذ الله تعالى البشرية من هذا الخضوع والعبودية لغير الله تعالى، ودعا إلى توحيد الله وحده في ربوبيته وألوهيته، واستحقاقه للعبودية والطاعة المطلقة له وحده دون سواه، فرفع شعار (لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له) وهذه خلاصة رسالة الإسلام حيث عبر عنها ربعي بن عامر عندما خاطب عظماء الفرس فقال: (إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الأديان ).وهذا هو الجديد الذي الذي أتى به الاسلام في العصر الذي سادت فيه الوثنية والشرك، ولهذا التوحيد آثار عظيمة على نفسية الموحد، وسلوكياته وتصرفاته، حيث لا يسجد ولا يركع، ولا يخضع إلاّ لله تعالى وحده.تاسعاً — رفض الواسطة بين العبد وربه، فقد ابتدع معظم أهل الأديان السماوية ناهيك عن غيرها وسائط بين الانسان وربه حتى ولو كان الإيمان بالله تعالى في الظاهر، أو بوحدانية الله تعالى موجوداً، وظهر أثر ذلك في تصرفات القسيسيين مع أتباعهم في اعترافهم بذنوبهم أمام هؤلاء القسيسيين، ثم إعطاؤهم صكوك الغفران، وفي بعض الأحيان كانت تعطى صكوك الغفران للاستغلال والاستعمار والاحتلال كما في الحروب الصليبية، فقال تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) يقول الفرنسي ايتين دينيه الذي سمى نفسه بعد إسلامه (نصر الدين) في كتابه (محمد رسول الله) وهو يتحدث عن ميزات الرسالة وعالميتها ودورها الممكن في المستقبل إذ يقول: (وهناك شيء مهم وهو انتفاء الواسطة بين العبد وربه، وهذا هو الذي وجده أهل العقول العملية في الاسلام، لخلوه من الأسرار وعبادة القديسين، ولا حاجة به إلى الهياكل والمعابد، لأن الأرض كلها مسجد لله، وفوق ذلك قد يجد بعض أهل مذهب الاعتقاد بالله دون غيره من التطلع... قد يجدون في الاسلام المذهب النقي للاعتقاد بالله فيجدون فيه أبدع وأسمى أعمال العبادة).عاشراً — تحرير الانسان من الخوف من المستقبل والقلق واليأس والكآبة، من خلال الإيمان بالقضاء والقدر مع الأخذ بكل الأسباب المادية.فهذا الايمان بالقضاء والقدر يجعل الانسان المؤمن في حالة من الأمن والأمان وفي حالة العزة والاحساس بالكرامة، وعدم الهم والحزن والأسى على ما فاته ما دام لم يقصر في الأخذ بالأسباب، لأنه من عند الله تعالى فقال تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ).فهذا الايمان يجعل صاحبه في توازن نفسي واستقرار حقيقي، واطمئنان كبير، حيث لا تؤثر فيه المصائب ولا تجعله هلعاً، كما أنا لتعم والمسرات لا تجعله مغروراً بطراً.

581

| 03 يوليو 2015

رمضان 1436 alsharq
القرة داغي: المواطنة في الإسلام أوسع وأشمل من الدائرة القومية

الكتاب : فقه التعامل عن الإساءة إلى المقدسات الإسلامية دراسة شرعية وتأصيلية وقانونية في ضوء فقه المواطنة مزودة ببرنامج شرعي للأقليات المسلمة في بلاد الغرب وعامة المسلمين المؤلف: د. علي محي الدين القرة داغي الحلقة : الحادية عشرة إذا كان القول: الإرهاب لا دين له، فإنه لا يجوز تحميل هذا الإرهاب للإسلام، كما لا يجوز تحميل الإرهاب الذي يقوم به بعض أصحاب الأديان على تلك الأديان أنفسها.. وإذا كنا نتحدث عن الإفراط والتفريط والتشدد في الشرق الإسلامي، فإنه وجدت في الغرب مجموعة من الأعمال المتمثلة في الرسوم المسيئة والأفلام والمسرحيات والمقالات التي نالت من مقام الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم المبعوث رحمة للعالمين.. سوف نتناول في هذا البحث المبادئ والقواعد العامة والأحكام المتعلقة بالأقليات الإسلامية..والمبادئ والقواعد العامة المستنبطة من قصة سيدنا يوسف عليه السلام، حيث يعتبر قدوة للأقليات، ومن المهاجرين في الحبشة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم. فقه المواطنة باعتباره مدخلاً للتعايش ومنطلقاً للاندماج الإيجابي. ثم نتحدث عن فقه التعامل مع الآخر عند الاساءة إلى المقدسات الإسلامية حيث نبين المبادئ العامة الحاكمة فيه، حق الإنسان في حرية التعبير، موضحاً أسباب الاندفاع البعض نحو الاساءة، ثم بيان الموقف الشرعي (التأصيل الشرعي) بالنسبة للمسلم الذي يعيش في البلاد غير الإسلامية، والواجب الشرعي للأقلية المسلمة نحو الاساءات الموجهة للمقدسات، وواجب الدول والعالم الإسلامي نحوها، وضرورة وجود خطة استراتيجية هادئة وهادفة لمنع الازدراء بالأديان. المواطنة الدولية وفي أواخر القرن العشرين وبداية هذا القرن لاحظ المفكرون من الغرب أن مفهوم المواطنة بالمفهوم السائد تواجهه صعوبات جمة وتحديات عالمية كثيرة كعدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية، والعملية التقنية، ونحوها في مجال حقوق الإنسان، كما أن وجود حضارات قوية وأمم لها ديانات وثقافات مختلفة، وظهور العولمة، وإقرار الحقوق للإنسان — باعتباره إنساناً — من قبل الأمم المتحدة، كل ذلك دفع إلى تطور مفهوم المواطنة والميل به نحو شيء من العالمية ليظهر مصطلح جديد وهو: (المواطنة الدولية) حيث اتسعت دائرتها، وتحددت مواصفاتها بما يأتي: 1 — احترام حقوق غير المواطنين وحريتهم داخل الدولة. 2 — الاعتراف بثقافات وديانات أخرى غير ثقافة الوطن ودينه. 3 — فَهم وتفعيل أيديولوجيات سياسية واقتصادية مختلفة. 4 — العناية بالشؤون الدولية. 5 — الحث على التعايش بأمان، والمشاركة في تشجيع السلم والسلام الدولي. 6 — التشجيع على الحوار في إدارة الصراعات بعيداً عن العنف. وهذا التوسع في مفهوم دائرة (المواطنة الدولية) يضعف دائرة القومية، ويقرب هذا المصطلح من مفهوم المواطنة في الاسلام، وذلك لأن الوطن المعبر بالوطن القومي لشعب واحد، أو تحديده بالجنسية لجزء صغير أو كبير من ذلك الشعب المقسم وإن كانت له بعض الحقوق في الاسلام — كما سنوضحه — ولكنه لا ينبغي أن يكون إطاراً ضيقاً محدوداً تنحسر فيه الحقوق والواجبات في تلك الدائرة الضيقة. ويبدو أن العالم بعد التجارب المريرة يضطر للعودة إلى الإسلام ومبادئه العظيمة إنْ عاجلاً أو آجلاً قال تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ). موقف الإسلام من فكرة المواطنة المعاصرة (التوازن) إن مما لا شك فيه أن الإسلام يقيم المجتمع والأمة والدولة على أساس روابط العقيدة والدين دون إهمال الروابط الايجابية الاخرى بتوازن دقيق يسعى جاهداً لتحقيق الاخوة الحقيقية تأصيلاً وتنظيراً وتطبيقاً وتفعيلاً فقال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)، ويفرض على المسلمين جميعاً حقوق الاخوة من الولاء والنصرة والتعاون والتكافل والتضامن فقال سبحانه وتعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) بل إن الله تعالى بيّن ضرورة هذه الولاية الجامعة على الايمان لحمايته ولدرء العدوان، أمام الولاية الجامعة على الكفر والنفاق لأجل القضاء على الاسلام والمسلمين فقال تعالى: (وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ).والسنة قد أفاضت في هذه الاخوة الايمانية وحقوقها وآثارها. ولكن مع هذه الأخوة الإيمانية توجد أخوة النسب التي حصر الله تعالى فيها الارث دون أخوة الإيمان، كما أن هناك أخوة في الإنسانية، وفي الوطن المشترك، وبالتالي فلكل رابطة حقوقها المتقابلة. الاسلام راعى الجوانب الايجابية والإنسانية في المواطنة ومع هذه الاخوة الايمانية الجامعة فإن الاسلام لم يهمل الجوانب الايجابية البعيدة عن التعصب والتفريق والتمزيق للقومية والوطنية في ضوء ما يأتي: 1 — الوطن في المفهوم الاسلامي هو الوطن الكبير للأمة الإسلامية، حيث كان المواطن (مسلماً أو كافراً) في الدولة الاسلامية منذ الخلافة الراشدة إلى سقوط الدولة العثمانية يصول ويجول في عرض العالم الإسلامي وطوله دون قيد ولا شرط، فكانت جنسيته الاسلام، فأينما أقام فهو وطنه له حقوقه وعليه الواجبات، فالمسلم ولاؤه لوطنه الاسلامي الكبير. 2 — إن الجوانب الإيجابية للمواطنة من الحقوق والواجبات، وربط المواطن المسلم بدولته وتصرفه لمجتمعه بالحق والعدل، وتعاونه مع مجتمعه ودولته على البر والتقوى مشروعة بل مطلوبة، وأن انتماء المسلم إلى دولته التي آوته وأعطت له حقوقه لا يتعارض مع انتمائه إلى الإسلام ما دام في الحدود التي رسمها له، كما لا يتعارض انتماؤه القومي والقبلي ما داما في إطار التعاون المشترك، وأن الشرط الأساسي في هذه الانتماءات أن لا تكون أيديولوجية بديلة عن الإسلام وأن لا تؤدي إلى الانصهار فيها والذوبان، فالمسلم العربي في فرنسا هو فرنسي من حيث الوطن له حقوق، وعليه واجبات الوطن، وعربي من حيث اللغة، ومن قبيلة فلان — مثلاً —. لذلك دعونا نحن في المجلس الأوروبي للافتاء والبحوث إلى الاندماج الايجابي البعيد عن الانصهار والذوبان، وعن الانعزال. والحق أن مبدأ الإسلام في هذا المجال أيضاً هو مبدأ التوازن الدقيق بين كل هذه الروابط والانتماءات وهنا تأتي عظمة الاسلام، وهنا يجب على المسلم أن يحقق هذا التوازن بحكمة بالغة وميزان دقيق، في حين أن معظم البشرية تميل بهم العواصف الفكرية يميناً أو شمالاً، فإمّا إهمال لرابطة الدين، أو لرابطة المواطنة، أو القومية..الخ. 3 — ومع ذلك فإن الاسلام راعى الجانب الفطري للإنسان من حبه لوطنه الذي ولد فيه، وحنينه لمسقط رأسه، بل لاقليمه الذي ينتمي إليه: أ — فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته يحنون إلى مكة المكرمة حنيناً شديداً، وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لمكة المكرمة: (ما أطيبك من بلد، وأحبك إليّ، ولولا أن قومك أخرجوني منك ما سكنت غيرك).

1130

| 27 يونيو 2015

دين ودنيا alsharq
القرة داغي: علينا الاستفادة من إيجابيات المواطنة وتجنب سلبياتها

الكتاب : فقه التعامل عن الإساءة إلى المقدسات الإسلاميةدراسة شرعية وتأصيلية وقانونية في ضوء فقه المواطنة مزودة ببرنامج شرعي للأقليات المسلمة في بلاد الغرب وعامة المسلمينالمؤلف: د. علي محي الدين القرة داغيالحلقة : العاشرةإذا كان القول: الإرهاب لا دين له ، فإنه لا يجوز تحميل هذا الإرهاب للإسلام ، كما لا يجوز تحميل الإرهاب الذي يقوم به بعض أصحاب الأديان على تلك الأديان نفسها.. وإذا كنا نتحدث عن الإفراط والتفريط والتشدد في الشرق الإسلامي ، فإنه وجدت في الغرب مجموعة من الأعمال المتمثلة في الرسوم المسيئة والأفلام والمسرحيات والمقالات التي نالت من مقام الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم المبعوث رحمة للعالمين.. سوف نتناول في هذا البحث المبادئ والقواعد العامة والأحكام المتعلقة بالأقليات الإسلامية .. والمبادئ والقواعد العامة المستنبطة من قصة سيدنا يوسف عليه السلام ، حيث يعتبر قدوة للأقليات ، ومن المهاجرين في حبشة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم . فقه المواطنة باعتباره مدخلاً للتعايش ومنطلقاً للاندماج الإيجابي.ثم نتحدث عن فقه التعامل مع الآخر عند الاساءة إلى المقدسات الإسلامية حيث نبين المبادئ العامة الحاكمة فيه ، حق الإنسان في حرية التعبير ، موضحاً أسباب اندفاع البعض نحو الاساءة ، ثم بيان الموقف الشرعي (التأصيل الشرعي) بالنسبة للمسلم الذي يعيش في البلاد غير الإسلامية ، والواجب الشرعي للأقلية المسلمة نحو الاساءات الموجهة للمقدسات ، وواجب الدول والعالم الإسلامي نحوها ، وضرورة وجود خطة استراتيجية هادئة وهادفة لمنع الازدراء بالأديان.المواطن داخل ضمن العقد الاجتماعي الذي ينظم العلاقة بين المواطن والدولة ، ولذلك تنظم معظم الدساتير حقوق المواطنة ومسؤولياتها حيث إن من مقتضياتها أو من واجباتها على المواطن ما يلي:1- الولاء والانتماء للوطن.2- تحمل الواجبات المالية بدفع الضرائب والرسوم عند الطلب ، وبالخدمة العسكرية ونحوها ، واحترام الدستور والنظام العام ، والحفاظ على الممتلكات العامة ، وعدم خيانة الوطن ، والتصدي للشائعات المغرضة ، والتكاتف مع أفراد المجتمع لحماية الوطن.3- المشاركة في الحياة العامة وفي الأنشطة السياسية والاجتماعية.4 - قبول جميع المواطنين - على أساس المواطنة فقط - مهما كانت عقديتهم ودينهم .ومن الواجبات الملقاة على الدولة ما يلي :1- حماية حقوق الوطن ، والمواطن وحريته وكرامته وإنسانيته وحياته.2- السعي الجاد لتوفير الأمن السياسي ، والاجتماعي ، والاقتصادي ، والصحي ، والثقافي ، والتعليمي ، والقانوني ، والقضائي بالعدل والانصاف والمساواة .3- المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات وتكافؤ الفرص.4- توزيع الثروات توزيعاً عادلاً حسب الدستور والقوانين العادلة والسعي الجاد لحمايتها ، بل وتحقيقها واكتشافها والافادة منها لتحقيق حياة كريمة لكل مواطن ..وأما مصطلح (الوطنية) فيستعمل في تبني الفكر الوطني ، وجعله الرابط الجامع ، فالوطني هو من يتبنى ذلك ويظهر مشاعر حب الوطن .وتتحقق المواطنة في عصرنا الحاضر بالجنسية وهي بكونه مواطناً ولد من والد له جنسية البلد ، أو اكتسب الجنسية بسبب مشروع في ظل الدولة ، ولذلك تعتبر من مكوناتها الأساسية : الدولة ، والشعب ، والأرض ، والانتماء الجامع الذي تمثله القومية ، ولذلك لأن فكرة المواطنة ظهرت بديلاً عن فكرة الكنيسة الجامعة لأهلها على يد القوميين الثائرين عليها.ويرى الأستاذ علي الكواري أن ثلاثة تحولات كبرى متكاملة حدثت في أوروبا هي التي أرست مبادئ المواطنة في الدولة القومية الديمقراطية المعاصرة ، وهي :1- بروز الدولة القومية نتيجة صراع الملوك مع الكنيسة.2- المشاركة السياسية للمواطنين.3- صياغة القوانين التي تنظم العلاقات على أساس المواطنة ولكنها في ظل العولمة وتداعياتها تمر المواطنة بمرحلة المراجعة التي تستهدف كسر حاجزها القومي ، كما هو الحال في الاتحاد الأوروبي الذي كسر حاجز القوميات.وقد استفادت أوروبا من وحدتها السياسية والاقتصادية فأصبحت قوة ثانية أو ثالثة اقتصادياً بعد أمريكا والصين فلولاها لما أمكنها إنقاذ بعض دولها من الافلاس الاقتصادي مثل اليونان ، واسبانيا ، وايطاليا ونحوها ، كما أنه لولا هذه الوحدة لما استطاعت أيضاً دولها الكثيرة أن تشكل هذه القوة الضاغطة سياسياً القادرة على الدفاع عن نفسها ومصالحها وأن تكون لسياستها القوة الملحوظة دولياً واقليمياً حيث ظهرت بوضوح - حتى بعيدة عن أمريكا - في إسقاط نظام القذافي ، وعسكرياً حيث وفرت الأموال الكثيرة للصرف على مجموعة من الجيوش القوية من خلال القوة العسكرية الضاغطة (ناتو) بالتعاون مع أمريكا.وقصدي من ذلك أن الانحسار في الدائرة القومية الضيقة ، أو المواطنة الضيقة له سلبياته الكثيرة ، ومن هنا فعلينا أن نستفيد من إيجابياتها ، ولا نأخذ سلبياتها - كما سنوضحه فيما بعد - بل إن الغرب تعامل بها بروح المصالح ودرء المفاسد ولم يتعصب لها عندما وجد أن مصالحه في الوحدة الأوروبية بل الوحدة الأوروبية الأمريكية .يقول المفكر الاسلامي الأستاذ راشد الغنوشي : (ارتبط مفهوم المواطنة في الفكر السياسي الحديث بالدولة القومية من جهة ، وبالديمقراطية من جهة ثانية ، وبالعلمانية غالباً ، إذ أن الدولة في السابق (أي في عهد الكنسية) كانت مرتبطة بالدين المسيحي الجامع لعدد من القوميات والأعراق ، وكان الدين هو الرابط ، فلما تخلت أوروبا عن الدين ..تبنت الوطنية القومية ، ولكنها لم تربط المواطنة بالمساواة دائماً).وحقاً أن المساواة بين الهنود الحمر (السكان الأصليين) وبين الأمريكيين المستوطنين لم تتحقق في أمريكا في ظل المواطنة ، كما لم تتحقق هذه المساواة للسود إلى وقت قريب ، كما أن ألمانيا في ظل الحكم النازي فعلوا باليهود المواطنين هولكوست ، كما أن الأفكار اليمينية المتطرفة في أوروبا اليوم لا تعترف بالمساواة بين المسلمين المواطنين وغيرهم ، بل تطالب بطردهم من أوروبا ، وتضيق على حرياتهم الدينية ، فقد صدرت قوانين بمنع النقاب ، بل والحجاب في بعض الدول.مدى الفرق بين الجنسية والمواطنة :إن مما لاشك فيه أن المواطنة تقوم على أساس الجنسية ، وأن من لديه جنسية دولة يتمتع - من حيث المبدأ - بجميع الحقوق المقررة له من خلال دستورها ، وكذلك عليه واجبات، ولذلك لم يذكر معظم الباحثين أو الموسوعات الدولية الفرق بينهما ، فكلاهما بمعنى واحد ، أو مؤداهما واحد.ولكن دائرة المعارف البريطانية فرقت بينهما من حيث إن الجنسية تتضمن بالاضافة إلى المواطنة حقوقاً أخرى مثل الحماية من الخارج.وأزعم أن هذا الفرق غير جوهري إذ من حقوق المواطن على دولته أن تدافع عنه ، وتحميه بكل الوسائل المتاحة حتى خارج وطنه.

7318

| 26 يونيو 2015

رمضان 1436 alsharq
القرة داغي: لو فعلنا مثل ما فعل يوسف لدخل معظم العالم الإسلام

الكتاب : فقه التعامل عن الإساءة إلى المقدسات الإسلامية دراسة شرعية وتأصيلية وقانونية في ضوء فقه المواطنة مزودة ببرنامج شرعي للأقليات المسلمة في بلاد الغرب وعامة المسلمين المؤلف: د. علي محي الدين القرة داغي الحلقة : الثامنة إذا كان قول: الإرهاب لا دين له، فإنه لا يجوز تحميل هذا الإرهاب للإسلام، كما لا يجوز تحميل الإرهاب الذي يقوم به بعض أصحاب الأديان على تلك الأديان أنفسها.. وإذا كنا نتحدث عن الإفراط والتفريط والتشدد في الشرق الإسلامي، فإنه وجدت في الغرب مجموعة من الأعمال المتمثلة في الرسوم المسيئة والأفلام والمسرحيات والمقالات التي نالت من مقام الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم المبعوث رحمة للعالمين.. سوف نتناول في هذا البحث المبادئ والقواعد العامة والأحكام المتعلقة بالأقليات الإسلامية ..والمبادئ والقواعد العامة المستنبطة من قصة سيدنا يوسف عليه السلام، حيث يعتبر قدوة للأقليات، ومن المهاجرين إلى الحبشة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم . فقه المواطنة باعتباره مدخلاً للتعايش ومنطلقاً للاندماج الإيجابي . ثم نتحدث عن فقه التعامل مع الآخر عند الإساءة إلى المقدسات الإسلامية حيث نبين المبادئ العامة الحاكمة فيه، حق الإنسان في حرية التعبير، موضحاً أسباب اندفاع البعض نحو الاساءة، ثم بيان الموقف الشرعي (التأصيل الشرعي) بالنسبة للمسلم الذي يعيش في البلاد غير الإسلامية، والواجب الشرعي للأقلية المسلمة نحو الإساءات الموجهة للمقدسات، وواجب الدول والعالم الإسلامي نحوها، وضرورة وجود خطة إستراتيجية هادئة وهادفة لمنع الازدراء بالأديان . إن قول يوسف بعد سجود أبويه وإخوانه للعرش: (هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) يحمل بين طياته مجموعة من المخففات، بل والمرطبات لنفوس إخوانه، بل والموجبات للشكر على ضوء ما يأتي: أ- بنى يوسف خطابه على النهاية السعيدة التي وصل إليها دون التطرق إلى الماضي المؤلم أي أن المهم هو هذه الخاتمة السعيدة، والخير الذي حصل له ولهم جميعاً . ولم يدخل في بيان ما أصابه من مصائب وسجن وعذاب، فلم يعش مع الماضي والمعاناة . ب- أسند كل ما حدث له إلى تأويل رؤياه التي جعلها الله حقاً فقال: (هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا) وهذا يعني أن ذلك بتدبير الله له حتى يصل إلى هذه المنزلة. ج- ذكر النتائج الخيرة، والإحسان والنعم فقال: (وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ) كما أنه لم يتطرق إلى الماضي، وبدأ بنعمة خروجه من السجن، والتمكين من الأرض. د- أسند كل ما حدث إلى نزغ الشيطان، فقال: (مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ) هـ- قدم نفسه بالنسبة لنزغ الشيطان قبل إخوانه، مع أنه كان صغيراً، ولم يكن له بدّ فيه، وإنما من بيان أن الجميع معرض لهذا النزغ من الشيطان . و- استعمل لفظ ( إخوتي ) بالإضافة إلى نفسه مما يشعر بحبّ دافق، وعاطفة جياشة نحوهم . هذا هو الأنموذج العظيم القدوة لكل الأقليات المسلمة في العالم أجمع، أن تكون مثل يوسف عليه السلام، في تعامله مع وطنه الذي استقر فيه، ومع وطنه الأول وأهله الذين أساءوا إليه. فوالله لو فعلنا مثل ما فعل يوسف لدخل معظم العالم في الإسلام، كما دخلت شعوب شرق آسيا من خلال أخلاق التجار ودعوتهم . ثانياً - الصحابة المهاجرون إلى الحبشة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم: فقد ذكر أصحاب السير أن قريشاً حينما زادت من الأذى والتعذيب والتضييق على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة المكرمة، أذن لبعضهم بالهجرة، فقد جاء في تأريخ ابن كثير: ( قال محمد بن إسحاق‏:‏ فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية، بمكانه من الله عز وجل، ومن عمه أبي طالب، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء‏.‏ قال لهم‏:‏ ‏‏‏(‏ لو خرجتم إلى أرض الحبشة‏؟‏ فإن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد، وهي - أرض صدق - حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه‏)‏‏ فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة، وفراراً إلى الله بدينهم‏.‏ فكانت أول هجرة في الإسلام، فكان أول من خرج من المسلمين عثمان بن عفان، وزوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ ) .‏ قال ابن إسحاق‏:‏ ( ثم خرج جعفر بن أبي طالب، ومعه امرأته أسماء بنت عميس، وولدت له بها عبد الله بن جعفر، وتتابع المسلمون حتى اجتمعوا بأرض الحبشة ) ‏.‏ وقد روى الإمام أحمد بسنده عن ابن مسعود قال: ( بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي، ونحن نحو من ثمانين رجلاً، فيهم‏:‏ عبد الله بن مسعود، وجعفر، وعبد الله بن عرفطة، وعثمان بن مظعون، وأبو موسى فأتوا النجاشي‏.‏ وبعثت قريش عمرو بن العاص، وعمارة بن الوليد بهدية، فلما دخلا على النجاشي سجدا له، ثم ابتدراه عن يمينه، وعن شماله ثم قالا له‏:‏ إن نفراً من بني عمنا نزلوا أرضك، ورغبوا عنا وعن ملتنا‏.‏ قال‏:‏ فأين هم‏؟‏ قالا‏:‏ في أرضك، فابعث إليهم، فبعث إليهم فقال جعفر‏:‏ أنا خطيبكم اليوم فاتبعوه، فسلَّم ولم يسجد‏.‏ فقالوا له‏:‏ مالك لا تسجد للملك‏؟‏ قال‏:‏ إنا لا نسجد إلا لله عز وجل‏.‏ قال‏:‏ وما ذاك‏؟‏ قال‏:‏ إن الله بعث إلينا رسولاً، ثم أمرنا ألا نسجد لأحد إلا لله عز وجل، وأمرنا بالصلاة والزكاة‏.‏ قال عمرو‏:‏ فإنهم يخالفونك في عيسى بن مريم‏.‏ قال‏:‏ فما تقولون في عيسى بن مريم وأمه‏؟‏ قال‏:‏ نقول كما قال الله‏:‏ هو كلمته وروحه ألقاها إلى العذراء البتول، التي لم يمسها بشر، ولم يفرضها ولد‏.‏ قال‏:‏ فرفع عوداً من الأرض ثم قال‏:‏ يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان، والله ما يزيدون على الذي نقول فيه ما سوى هذا، مرحباً بكم وبمن جئتم من عنده، أشهد أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأنه الذي نجد في الإنجيل‏.‏ وأنه الرسول الذي بشَّر به عيسى بن مريم، انزلوا حيث شئتم، والله لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أكون أنا الذي أحمل نعليه‏.‏ وأمر بهدية الآخرين فردت إليهما، ثم تعجَّل عبد الله بن مسعود حتى أدرك بدراً‏.‏ وزعم‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم استغفر له حين بلغه موته‏.‏قال ابن كثير: وهذا إسناد جيد قوي، وسياق حسن‏.‏ وفيه ما يقتضي أن أبا موسى كان ممن هاجر من مكة إلى أرض الحبشة، إن لم يكن ذكره مدرجاً من بعض الرواة والله أعلم‏) .

657

| 24 يونيو 2015

محليات alsharq
القرة داغي: يجب على الأقلية المسلمة أن تدعو بالحكمة والموعظة الحسنة

الكتاب : فقه التعامل عن الإساءة إلى المقدسات الإسلامية دراسة شرعية وتأصيلية وقانونية في ضوء فقه المواطنة مزودة ببرنامج شرعي للأقليات المسلمة في بلاد الغرب وعامة المسلمين المؤلف: د. علي محي الدين القرة داغي الحلقة : الخامسة سوف نتناول في هذا البحث المبادئ والقواعد العامة والأحكام المتعلقة بالأقليات الإسلامية .. والمبادئ والقواعد العامة المستنبطة من قصة سيدنا يوسف عليه السلام ، حيث يعتبر قدوة للأقليات ، ومن المهاجرين في حبشة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم . فقه المواطنة باعتباره مدخلاً للتعايش ومنطلقاً للاندماج الإيجابي . ثم نتحدث عن فقه التعامل مع الآخر عند الاساءة إلى المقدسات الإسلامية حيث نبين المبادئ العامة الحاكمة فيه ، حق الإنسان في حرية التعبير ، موضحاً أسباب اندفاع البعض نحو الاساءة ، ثم بيان الموقف الشرعي (التأصيل الشرعي) بالنسبة للمسلم الذي يعيش في البلاد غير الإسلامية ، والواجب الشرعي للأقلية المسلمة نحو الاساءات الموجهة للمقدسات ، وواجب الدول والعالم الإسلامي نحوها ، وضرورة وجود خطة استراتيجية هادئة وهادفة لمنع الازدراء بالأديان. من أهم الاستنباطات في فقه الاقليات عدم الظلم لأهل البلد حتى لو وقع من بعضهم أومن حكامهم ودولهم ظلم للمهاجر أو الأقلية، أو للدول الاسلامية بالاستعمار، فالظلم لا يقابل بظلم محض قال يوسف بعد محاولة زوجة العزيز معه (إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) . وفي ذلك رد قوي على بعض المسلمين المهاجرين الذي يبررون الاعتداء على أموال الدول الأوروبية أو الأمريكية بأنها كانت دولاً استعمارية أخذت أموال المسلمين ، وبالتالي فما يأخذونه هو جزاء ما فعلته ، فهذا فهم سقيم مخالف للشرع لذلك فالرد أن هذا ظلم لأدلة كثيرة منها ما ذكرناه ، ومنها قوله تعالى : (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) ومنها أن هؤلاء المهاجرين لا يمثلون المسلمين المظلومين بالاستعمار . 4- التوطين ، وحب الوطن الذي عاش فيه ، فالملاحظ أن سيدنا يوسف عليه السلام لما ضيق عليه الخناق من هؤلاء النسوة لم يقل : الهجرة ، أو الخروج أحب إليّ مما يدعونني إليه ، بل قال : (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) وهذا دليل على أنه استوطن مصر ، وأحبها وآثر السجن فيها على الخروج منها ، وأكثر من ذلك طالب أن يجعله الملك على خزائن الأرض ليخدم شعب مصر ، بل أتى بوالديه واخوانه جميعاً إلى مصر ليستوطنوا فيها مع أنها لم تكن تدين بدين إبراهيم(عليه السلام) . 5- القيام بواجب الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة ، فلم يترك سيدنا يوسف عليه السلام واجب الدعوة إلى الله على الرغم من ظروف صعبة أحاطت به ، من حيث كونه قد اشترى ـ ظلماً ـ فأصبح عبدا وبالتالي ضعفه الاجتماعي في البداية ، كما لم يترك دعوته حتى في السجن ، بل استثمر وجوده في السجن فنجح نجاحاً كبيراً ، إذا دخل معه السجن فتيان رأيا رؤيا ، فقبل أن يفسر لهما رؤياهما ذكرهما بالآيات التي أكرمه الله تعالى من معرفة أشياء لا تأتي إلاّ من قبل الله تعالى ، ثم بين لهما دين إبراهيم القائم على توحيد الله تعالى ، وعدم الاشراك به وعلى الحنيفية السمحة ، كما بين لهما اخطورة الشرك ، وان هؤلاء الشركاء المعبودين ـ من دون الله تعالى لا قيمة لهم ، ولا سلطان ، وان الأمر والحكم كله لله تعالى ، ثم فسّر لهما رؤياهما. وهكذا الأمر بالنسبة للأقلية المسلمة فيجب عليها أن تدعو إلى الله تعالى وتعرّف بالإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة ، والجدال بالتي هي أحسن ، لأن الدعوة إلى الله تعالى واجبة على الجميع ، كل حسب علمه وقدرته ، ولو كان بتبليغ آية ، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( بلغوا عني ولو آية ) بل إن الله تعالى حصر الفلاح فيمن يدعو إلى الخير ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فقال تعالى : (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ). 6- غير المسلمين (الكفار) ليسوا سواء ، فمنهم العادل الطيب الصالح في التعامل الدنيوي ، ومنهم من يقبل المسلم ليحكم في بلده ، فيقلده الوظائف المؤثرة ، ومنهم دون ذلك ، ولذلك لا يجوز أن يكون الحكم فيهم سواء. فعزيز مصر كانت لديه الطيبة في التعامل والعدل فقال لامرأته منذ البداية : (لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ) وانه لما رأى يوسف وزوجته يستبقان الباب ، وشهد شاهد من أهله قال : (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا) وقال لزوجته : (وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ) فلم يصدق زوجته عندما قالت : (مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) بل إنه وبخها وسمى عملها كيداً ، كما قص القرآن الكريم : (فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ) . والحق أن هذا الموقف لو تكرر اليوم أمام أحد الجبابرة والظلمة من الحكام لجعل من يوسف ضحية لانقاذ شرفه ، والحكم عليه بالاعدام ، أو العذاب الأليم ، ويصدق زوجته أمام شخص غريب ، في حين أن عزيز مصر لم تأخذه العزة بالاثم ، ولم يصدق زوجته الحسناء ، بل استمع إلى الشاهد ، وصدقه ، وبنى عليه وحكم على زوجته بأنها من الخاطئين ، ووصف عملها بالمكيدة العظيمة ، واعتذرليوسف ونصحه فقال : (أَعْرِضْ عَنْ هَذَا) . وكذلك كان الملك صافي الذهن والبصيرة صالحاً في دنياه ، وفضل مصلحة شعبه ، ولم ينس فضل العلم والعلماء ، فمع أن يوسف عليه السلام فسّر رؤياه ، وأعطى صديقه ( مندوب الملك ) كل تفاصيل رؤيا الملك فقال له : (تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ ) لكنه أبى إلاّ أن يطلبه لمقابلته ، فلو كان ذلك في عصرنا لربما أسنده الملك إلى نفسه ، ولم يسند الفضل الى هذا الغريب المتهم المسجون إذ كيف يتنازل لعبد غريب فيسند إليه الفضل ، فكم نرى اليوم أفكاراً عظيمة يأخذها الوزير من أحد مستشاريه من الخلف فيسنده إلى نفسه .

331

| 21 يونيو 2015

رمضان 1436 alsharq
القرة داغي: قصة يوسف تنطبق على أوضاع المسلمين في الغرب

الدوحة- الشرق الكتاب : فقه التعامل عن الإساءة إلى المقدسات الإسلامية دراسة شرعية وتأصيلية وقانونية في ضوء فقه المواطنة مزودة ببرنامج شرعي للأقليات المسلمة في بلاد الغرب وعامة المسلمين المؤلف: د. علي محي الدين القرة داغي الحلقة : الرابعة سوف نتناول في هذا البحث المبادئ والقواعد العامة والأحكام المتعلقة بالأقليات الإسلامية .. والمبادئ والقواعد العامة المستنبطة من قصة سيدنا يوسف عليه السلام ، حيث يعتبر قدوة للأقليات ، ومن المهاجرين في حبشة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم . فقه المواطنة باعتباره مدخلاً للتعايش ومنطلقاً للاندماج الإيجابي . ثم نتحدث عن فقه التعامل مع الآخر عند الاساءة إلى المقدسات الإسلامية حيث نبين المبادئ العامة الحاكمة فيه ، حق الإنسان في حرية التعبير ، موضحاً أسباب اندفاع البعض نحو الاساءة ، ثم بيان الموقف الشرعي (التأصيل الشرعي) بالنسبة للمسلم الذي يعيش في البلاد غير الإسلامية ، والواجب الشرعي للأقلية المسلمة نحو الاساءات الموجهة للمقدسات ، وواجب الدول والعالم الإسلامي نحوها ، وضرورة وجود خطة استراتيجية هادئة وهادفة لمنع الازدراء بالأديان. القدوة في التعامل من خلال: أولاً - قصة يوسف عليه السلام ، ودلالاتها (قدوة للأقليات المسلمة) : إن الله تعالى أمر رسوله صلى الله عليه وسلم وأمته بالاقتداء والاهتداء بما ذكره القرآن الكريم للأنبياء والمرسلين، فقال تعالى بعدما ذكرهم : "أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ" وقال تعالى في سورة الأنبياء بعدما ذكر عدداً من الأنبياء مخاطباً رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم وأمته : "إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ" ودلت الآيات والأحاديث على أن رسالة الإسلام واحدة ، وممتدة من سيدنا آدم عليه السلام إلى أن ختمت وأكملت برسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فقال تعالى : "شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ" وقال تعالى : "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً" وبالتالي فما أسنده القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة إلى الأنبياء والمرسلين، هو حق وثابت وقدوة وشرع لنا؛ إلاّ إذا دلّ دليل صحيح على نسخه ، وهذا رأي المحققين من العلماء . * أوضاع المسلمين إن قصة يوسف عليه السلام تكاد تنطبق تماماً على أوضاع المسلمين في الغرب ، فقد خرج سيدنا يوسف عليه السلام مضطهداً من إخوانه الذين قالوا "اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ قَالَ قَآئِلٌ مَّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ" ، ومعظم من جاء إلى أوروبا ، او أمريكا جاؤوا مضطهدين في بلادهم إما سياسياً أو اقتصادياً ، وقلة منهم جاء للتعلم ولم يرجع. وحتى الظروف الصعبة التي مرت بسيدنا يوسف داخل مصر من الخدمات الصعبة كادت أن تكون متوافرة لدى بعض الأقلية، ونحن هنا نذكر أهم الاستنباطات المتعلقة بالأقلية المسلمة لتكون قدوة لهم، وهي: 1- فقد عاش يوسف عليه السلام في مصر محافظاً على دينه وعقيدته وأخلاقه ، ولم ينزلق - بفضل الله تعالى- نحو الشهوات على الرغم من الضغوط الشديدة من امرأة العزيز ، ونسوة أخريات ، حتى بلغ الأمر إلى ما ذكره القرآن الكريم : "... وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ" . وقد ضحى في سبيل الحفاظ على أخلاقه بكثير من المميزات ، بل سجن على ذلك عدة سنوات. وهو أن على الأقلية المسلمة أن تأخذ القدوة من يوسف عليه السلام في أن يكون همها الأكبر الحفاظ على دينها ، وعقيدتها ، وأخلاقها ، وأخلاق الأجيال اللاحقة من خلال الأخذ بكل الأسباب المادية والمعنوية ، والآليات التربوية والعملية الممكنة لتحقيق هذا الهدف ، وهنا يظهر دور الثبات والحفاظ على الهوية والأفراد ، وإلاّ فلا قيمة لأي هدف دنيوي مهما كان كبيراً وعظيماً إذا ترتب عليه ضياع الدين والأخلاق ، وهذا ما صرح به سيدنا يوسف فقال : "رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي" وذكر السجن مطلقاً حتى يفهم منه أن السجن حتى ولو طال كل العمر أحب وأفضل من الوقوع في معصية تؤدي إلى غضب الله تعالى ، فما بالك بوقوع الكفر ، والانصهار ، والذوبان للشخص نفسه ، أو للجيل اللاحق . 2- الوفاء لكل من أحسن إليه حتى ولو كان كافراً، حيث إن عزيز مصر حينما اشترى يوسف عليه السلام قال لامرأته : "أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا". فلم ينس يوسف هذا الجميل منه ، لذلك كان أحد الدوافع في عدم الاستجابة لطلب زوجته ـ بعد خوفه من الله ـ حيث قال : "إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ" حيث أرجع الضمير بعض المفسرين إلى عزيز مصر بقرينة الحال ، حتى لو رجع الضمير إلى الله تعالى، فإن تكملة الآية تدل على ذلك فقال : "إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ". 3- عدم الظلم لأهل البلد حتى لو وقع من بعضهم أو من حكامهم ودولهم ظلم للمهاجر أو الأقلية، أو للدول الإسلامية بالاستعمار، فالظلم لا يقابل بظلم محض قال يوسف بعد محاولة زوجة العزيز معه "إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ".

2100

| 20 يونيو 2015

دين ودنيا alsharq
في الإسلام أحكام لا تنفذ ولا يجب تطبيقها إلاّ في ظل دولة إسلامية

الكتاب : فقه التعامل عن الإساءة إلى المقدسات الإسلامية دراسة شرعية وتأصيلية وقانونية في ضوء فقه المواطنة مزودة ببرنامج شرعي للأقليات المسلمة في بلاد الغرب وعامة المسلمين المؤلف: د. علي محي الدين القرة داغي الحلقة : الثالثة سوف نتناول في هذا البحث المبادئ والقواعد العامة والأحكام المتعلقة بالأقليات الإسلامية .. والمبادئ والقواعد العامة المستنبطة من قصة سيدنا يوسف عليه السلام ، حيث يعتبر قدوة للأقليات ، ومن المهاجرين في حبشة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم . فقه المواطنة باعتباره مدخلاً للتعايش ومنطلقاً للاندماج الإيجابي . ثم نتحدث عن فقه التعامل مع الآخر عند الاساءة إلى المقدسات الإسلامية حيث نبين المبادئ العامة الحاكمة فيه ، حق الإنسان في حرية التعبير ، موضحاً أسباب اندفاع البعض نحو الاساءة ، ثم بيان الموقف الشرعي (التأصيل الشرعي) بالنسبة للمسلم الذي يعيش في البلاد غير الإسلامية ، والواجب الشرعي للأقلية المسلمة نحو الاساءات الموجهة للمقدسات ، وواجب الدول والعالم الإسلامي نحوها ، وضرورة وجود خطة استراتيجية هادئة وهادفة لمنع الازدراء بالأديان. الإسلام يعترف بمجموعة من دوائر الارتباط والوشائج وإن كان قد جعل وشيجة العقيدة والاخوة الإيمانية هي الأساس ، حيث يريد من خلال التوسع في هذه الدوائر إيجاد أرضيات مشتركة للتقارب والتعايش والتعاون ، والدعوة ، وتلك الدوائر هي: أ ـ دائرة الإنسانية حيث الجميع من آدم وحواء ولذلك يجيء الخطاب بـ : يا أيها الناس. ب ـ دائرة القومية ، حيث عبر القرآن عنها بالاخوة أيضاً ـ كما سبق ـ . ج ـ دائرة أهل الكتاب د ـ وأخيراً دائرة الباحثين عن الحق مطلقاً. 9- ان إعلان الإسلام الجهاد في أول آية تنزل فيه ؛ لأجل الحرية الدينية ، والمعابد مطلقاً لا بدّ أن يأخذ حيزاً كبيراً في التعامل ، حيث يقول الله تعالى : (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ ) . 10- ان في تركيز الإسلام ـ على أن الجهاد في سبيل الله ليس القتال فقط ، بل القتال هو آخر المطاف بشروطه وضوابطه ـ إعطاءً لفرص أخرى من الدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة ، ونحوها. 11- ان مقاصد الشريعة في الاختلاف هو التعارف ، وليس الصراع ، والتناحر بنص القرآن الكريم فقال تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) . 12- إن المبدأ العام الذي أوجبه الله تعالى للتعامل مع غير المسلمين هو ما ذكره القرآن الكريم في الآيات الثلاث الآتية : (عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) حيث تؤكد على ما يأتي : أ- ان الإسلام يتطلع إلى إزالة العداوة بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين المشركين ، وأسبابها ، حتى تعم المودة ، والتعايش والأمن والأمان. ب- أن الذين لم يقوموا بالاعتداء وعدم الإخراج والقتال ضد المسلمين فهؤلاء يتعامل معهم على أساس الاحسان والعدل. ج- وأن الإسلام لا يعلن الحرب إلاّ على مَنْ أعلنوا الحرب والقتال ضد المسلمين وتآمروا على المسلمين فأخرجوهم من ديارهم بمكة ، فهؤلاء لا يجوز نصرتهم والولاء لهم. الأحكام العامة المرتبطة بفقه الأقليات المسلمة: وأما الأحكام العامة المرتبطة بفقه الأقليات المسلمة فهي : 1- إن الأصل في جميع التكاليف الشرعية هو شمولها لجميع المكلفين إذا توافرت شروط التكليف في الحكم الشرعي ، وشروط التكليف ، والتنزيل ، والتنفيذ ، وتحقيق المناط هي التي تجعل دائرة الحكم الشرعي واسعة أو ضيقة ، أو غير موجودة . 2- إن الأحكام التكليفية سواء كانت للأكثرية أم الأقلية منوطة بالقدرة والاستطاعة التي تتاثر بالزمان والمكان والظروف والأحوال ، فقد قال الله تعالى : (لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا) وقد تكرر محتوى هذه الآية في القرآن الكريم ، وفصلتها السنة النبوية المطهرة. 3- إن علاقة الأقلية الإسلامية بدولتها وبالمؤسسات والمجتمع تقوم على أساس حقوق المواطنة التي تنشأ من العقود التي رضي بها المسلم ، ومن النظام الذي قبله ، والقوانين والتشريعات السائدة ، وبالتالي فيجب عليه أن يؤدي ما عليه من حقوق مشروعة ، كما قبل أواستفاد مما له من حقوق منذ دخوله تلك البلاد أو وجوده الأصلي فيها - وسيأتي تفصيل لذلك - 4- إن قاعدة التيسير ورفع الحرج والمشقة ومراعاة حالات الضرورة والحاجة للأفراد ، والجماعة من المبادئ العامة القطعية التي تواترت عليها نصوص الكتاب والسنة ، وعليها الاجماع. 5- إن في الإسلام أحكاماً لا يتحقق تطبيقها ، بل ولا يجب تطبيقها إلاّ في ظل دولة إسلامية مثل قضايا الحدود والعقوبات المقررة في الإسلام. 6- إن من مقاصد الشريعة أمن الجماعة والمجتمع والحفاظ عليه بالاضافة إلى أمن الفرد في نفسه وعرضه ، وبالتالي يجب أن يكون هذا المقصد دائماً أمام نظرنا في كل حكم ، أو نشاط إسلامي ، بل إن حاجيات الجماعة ، والمجتمع تنزل منزلة الضرورة ، فلتقرأ ما ذكره إمام الحرمين : الجويني : 7- إن الأصول العامة للفقه الإسلامي هي : (الكتاب ، والسنة ، والاجماع ، والقياس ، وشرع من قبلنا ، والمصالح المرسلة ، والاستحسان ، والعرف) هي الحاكمة في فقه الأقليات أيضاً ، ولكن مع ربطها بالمقاصد العامة للشريعة وفقه المآلات وسد الذرائع ، والتدقيق في تحقيق المناط ، وشروط التنفيذ ، وفقه التنزيل ، ورعاية القواعد العامة والمبادئ العامة الخاصة بالتيسير ورفع الحرج ، ورعاية الفتوى بتغير المكان والزمان والأعراف ، ونحو ذلك.

697

| 19 يونيو 2015