رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مذهولاً أتساءل: ما سر هذا الغياب العربي والإسلامي عن وقائع ما تتعرض له مدينة القدس بمقدساتها وهويتها الحضارية العربية الإسلامية التي تتعرض لعملية تهويد ومحو ممنهجة, لصالح تكريس المشروع الاستيطاني الاستعماري للكيان الصهيوني؟
هل غابت المشاعر الدينية التي تربطنا بقدس أقداس فلسطين, والأمة بشقيها العربي والإسلامي؟ هل نحن عاجزون إلى حد الثمالة, عن وقف كل هذه العدوانية ضد القدس التي يتعامل معها قطعان بني صهيون باعتبارها موروثاً خالصاً لهم, ويسعون بكل قوة وكفاءة واقتدار للاستحواذ عليها تمهيداً لإعادة إنتاج هيكل سليمان, الذي أكدت الكثير من الدراسات الأثرية الأجنبية الرصينة أنه لاعلاقة له بموقع المسجد الأقصى, بينما دراسات قطعان بني صهيون تحاول أن تروج لوجوده في هذا الموقع المقدس, ويتهافت علماؤهم لتأكيد هذا الوهم الراسخ في أذهانهم فحسب.
أين ما تم اتخاذه من قرارات عربية بشأن تمويل صناديق للأقصى لدعم صمود شعبها منذ سنوات طويلة, ولم تدفع الدول العربية سوى مبالغ ضئيلة من الاستحقاقات التي تضمنتها هذه القرارات, وكأن الأمر لا يعني أحدا وكأن القدس ليست عربية وكأننا استسلمنا لمخططات قطعان بني صهيون.
«لقد بلغ السيل الذبى», والعرب ساكنون والمسلمون مستغرقون في نوم عميق, بينما قطعان بني صهيون يواصلون العمل بدأب للانقضاض على القدس بأقصاها وتاريخها وشعبها, ووفقاً لتقرير قطاع فلسطين والأراضي العربية المحتلة بالجامعة العربية, والذي يشرف عليه السفير محمد صبيح فإن أحدث إجراءاتهم وخطواتهم تتمثل في:
أولاً: تصاعد وتيرة هدم المنازل في مدينة القدس المحتلة بشكل غير مسبوق وخاصة في الأحياء الفلسطينية المجاورة للمسجد الأقصى المبارك وطمس آثار المعالم المقدسية التاريخية، وعدوانها على مقبرتي مأمن الله وباب الرحمة المقدسيتين التاريخيتين اللتين تضمان رفاة كبار العلماء والصحابة الأجلاء وشهداء الفتح الإسلامي في عهد القائد صلاح الدين الأيوبي والقيام بتجريفهما إلى جانب سحب بطاقات هويات المقدسيين وهو ما يعني إلغاء وجودهم بمدينتهم المحتلة بهدف تغيير تركيبتها الديموغرافية لتحقيق أغلبية إسرائيلية على حساب الوجود العربي في القدس المحتلة.
ثانياً: إصدار حزمة قوانين عنصرية (ترقى إلى الإرهاب) لا علاقة لها بالقانون الدولي أو القانون الدولي الإنساني وتنتهك قرارات الشرعية الدولية ذات العلاقة بمدينة القدس المحتلة محذرا من تعالي الدعوات الإسرائيلية لإخراج مدينة القدس المحتلة من الولاية الهاشمية لها برغم أن مدينة القدس مدينة محتلة ينطبق عليها ما ينطبق على باقي الأراضي المحتلة الأخرى، وأن ولاية المملكة الأردنية الهاشمية للمدينة المقدسة هي ولاية أقرها القانون والمجتمع الدولي.
ثالثاً: الاستمرار في محاولات تقسيم المسجد الأقصى زمانياً ومكانياً كمرحلة أولى تمهيداً لفرض السيطرة الإسرائيلية الكاملة عليه ومن ثم تنفيذ دعوات الحاخامات المتطرفين بهدمه وإحلال (الهيكل المزعوم) محله وفي إجراء يكشف ازدواجية معايير وعنصرية ممارسات سلطات الاحتلال.
رابعاً: منع المصلين وطلاب حلقات العلم الفلسطينيين من دخول المسجد الأقصى المبارك واستبعاد فئات عمرية معينة مقابل السماح لجموع المستوطنين المتطرفين والسياح الأجانب بدخوله على شكل أفواج كبيرة.
خامساً: قيام المتطرف جلعاد آردان وزير الأمن الداخلي في إسرائيل (السلطة القائمة بالاحتلال) بمطالبة موشيه يعلون وزير جيش الاحتلال إدراج تنظيمي (المرابطون والمرابطات) في الحرم القدسي الشريف كتنظيمين غير ذي شرعية واعتبارهما خارجين عن القانون، وذلك في أعقاب تحرك مكثف قامت به منظمات إسرائيلية متطرفة تدعو لتشجيع زيارة اليهود للحرم المقدسي وإقامة الشعائر التلمودية بداخله، وهو ما حظي بموافقة جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) والادعاء العام في إسرائيل (السلطة القائمة بالاحتلال).
وفي هذا السياق، يؤكد التقرير أن (المرابطين والمرابطات) هما تنظيمان يدافعان عن المسجد الأقصى المبارك، وأن فتوى وزير أمن الاحتلال في إدراجهم ضمن التنظيمات المحظورة هو نوع من (إرهاب الدولة) الذي تمارسه سلطات الاحتلال ضد المدافعين عن المقدسات، إذ أن حماية هذه المقدسات هي حق مكفول في القانون الدولي، حيث إن من حق الفلسطينيين أن يضطلعوا بالدفاع بوسائل سلمية عن مقدساتهم، وكل أساليب الفلسطينيين السلمية التي يتبعونها في التصدي للمشاريع التهويدية، هي أساليب مشروعة في القانون الدولي لصون مقدساتهم.
سادسا: تصريحات كبار مسئولي الكيان الصهيوني وفي مقدمتهم رئيس حكومة سلطات الاحتلال بنيامين نتنياهو الذي أعلن مراراً أن مدينة القدس (عاصمة أبدية وموحدة لليهود فقط) بالتزامن مع تصاعد الإجراءات التهويدية لفرض أمر واقع على الأرض في مدينة القدس المحتلة بشكل عام وفي المسجد الأقصى المبارك على وجه الخصوص، لتصب في خدمة المشروع التهويدي المسمى بـ(القدس 2020) الذي تعتزم سلطات الاحتلال المضي قدماً فيه دون اكتراث بالقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالمدينة المقدسة.
وعلى الرغم من أن هذا الأسلوب الذي يتبعه قطعان بني صهيون – حسبما يؤكد التقرير- لن يعود بأي فائدة على مشروعهم الاستيطاني الاستعماري حيث إن هذه الممارسات والإجراءات والتصريحات تشكل عنصراً هاماً في استفزاز العالمين العربي والإسلامي والتي تمثل مدينة القدس لهما خطا أحمر، لن يسمحا بتجاوزه، لاسيما المسجد الأقصى المبارك (أقدس المقدسات الإسلامية)، غير أنه لا يتعين الوقوف عند هذا الحد وممارسة البكاء, والاكتفاء بمطالبة المجتمع الدولي ممثلاً بهيئاته ومنظماته ومنها الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني في العالم، وكافة المؤسسات الدولية ذات العلاقة، بالاضطلاع بدورها في التصدي لمثل هذه الإجراءات العنصرية التي ستقود فيها إسرائيل المنطقة, إلى تداعيات خطيرة تشعل من خلالها فتيل حرب دينية جديدة في هذه البقعة الحساسة من العالم, وإنما من الضرورة بمكان القيام بتحرك بخطوات جادة وحقيقية لوقف كل هذه الانتهاكات للقدس تاريخا وحضارة وهوية.
غير أن الخطوة الأهم في تقديري, تكمن في مسارعة الفلسطينيين بكل فصائلهم وقواهم لإعلان انتفاضة جديدة للدفاع عن القدس والأقصى, تعيد إنتاج انتفاضيتين سابقتين في ثمانينات وتسعينيات القرن الفائت ومطلع القرن الواحد والعشرين, على أن تنتهج من السلمية سبيلا حتى تحظى بالإسناد العالمي, ولا يوظفها الإعلام الصهيوني ضمن ما يطلق عليه بالأعمال الإرهابية, مما يجعله يلجأ إلى الاستخدام المفرط للقوة ضد شباب ورجال ونساء القدس وفلسطين, صحيح أن ثمة معلومات تشير إلى أن الجانبين الفلسطيني والصهيوني, يسعيان إلى تجنب مثل هذه الانتفاضة بحسبان كلفتها العالية عليهما, لكن مصائر الأوطان -وهو كلام موجه للفلسطينيين – لا يجب أن تخضع للحسابات الآنية أو المصالح الضيقة, غير أن ذلك يستوجب بداية استعادة المصالحة الوطنية المفقودة والغائبة أو بالأحرى المغيبة, بفعل فاعل منذ 2007, ما فتح ثغرة عميقة في جدار الصمود الفلسطيني والوحدة الوطنية, الأمر الذي وفر إمكانية هائلة أمام سلطات الاحتلال لتمارس التنكيل بالجميع: اعتداءات مستمرة على قطاع غزة وانتهاكات متواصلة للضفة بما في ذلك القدس والأقصى, بينما كل فصيل مشغول بتحقيق ذاته ومحاولة فرض معادلته على الأرض, وما أخشاه أن يواصل قطعان بني صهيون مشروعهم الاستعماري الاستيطاني ليس في القدس والأقصى, ولكن في كل أراضي فلسطين, على اعتبار أنها لا تجد من يدافع عنها أو ينتفض لوقف العدوان عليها, وفي الوقت نفسه فإن العرب مشغولون بالوحش الجديد الذي بات سيفاً مُسلّطاً عليهم والمتمثل في "داعش" وأخواته, والعالم لم يعد يعر القضية الفلسطينية أي اهتمام, سقطت من دائرة الحسابات الإقليمية والدولية فهل ثمة يقظة عربية وإسلامية خاصة أن اللجان والمنظمات التي أنشئت خصيصا من أجل القدس والأقصى, متعددة ومتنوعة لكنها هواء.. هواء.. هواء.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
2517
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2493
| 31 مايو 2026
لم يكن مجرد مسؤول تولّى حقيبة الطاقة والصناعة في مرحلة مفصلية وحرجة من تاريخ بلدنا الغالي، بل يُعدّ أحد أبرز الشخصيات التي أسهمت في إعادة تشكيل قطاع الطاقة والصناعة؛ من خلال دوره في بناء منظومة إدارية ومؤسسية متكاملة عززت مفاهيم الانضباط الإداري، والكفاءة التشغيلية، وحوكمة القرار، بما انعكس إيجاباً على الأداء الإداري والتشغيلي للمؤسسة، ورسّخ أسس العمل المؤسسي القائم على المسؤولية والشفافية، وكان له أثر واضح على أسلوب الإدارة لدى كثير من القيادات القطرية. ارتبط اسمه بمرحلة التحول الكبرى في صناعة الغاز الطبيعي المسال والصناعات الأخرى كالبتروكيماويات والكيماويات والألومنيوم، حين بدأت قطر تشق طريقها بثبات نحو موقع الريادة العالمية في أسواق الطاقة، مستفيدة من رؤى إستراتيجية بعيدة المدى، ومن إدارة اتسمت بالحزم والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار. في الثمانينيات، وفي بداية رحلتي المهنية كمهندس في مدينة مسيعيد الصناعية، ما زلت أتذكر يوم تعيينه وزيراً للطاقة والصناعة. في البداية، بدا الأمر خبراً اعتيادياً، كحال التغييرات الروتينية التي تشهدها المؤسسات عادةً، وظننا أن المسألة لا تتعدى دورة إدارية طبيعية لتولي المهام والمسؤولية. لكن ما إن تسلّم مهامه حتى بدأت ملامح التغيير تظهر بصورة واضحة وسريعة داخل المؤسسة العامة للبترول (QGPC) آنذاك والشركات التابعة لها؛ حيث شعرنا نحن المهندسين والعاملين في الميدان الصناعي بأننا أمام مرحلة حاسمة واستثنائية، أعادت صياغة الفكر الإداري، ورسخت الانضباط المؤسسي، وعززت ثقافة تحمل المسؤولية والمحاسبة. ولعلّ أبرز ما ميّز شخصيته وحقبته، يمكن تلخيصه بإيجاز في النقاط التالية: * أولاً: تميز بشغف استثنائي بالعمل، فكان بحق (Workaholic)؛ من حضور دائم ومتابعة دقيقة لا تعرف التراخي أو الملل. ورافقت هذا الشغف شخصية قيادية حاسمة، تمتلك جرأة اتخاذ القرار دون تردد كلما تعلّق الأمر بمصلحة العمل والمؤسسة، بعيداً عن حسابات المجاملة الضيقة. * ثانياً: كان حزمه مقترناً بالنزاهة والشفافية، حتى مع المقربين منه. ويُذكر في هذا السياق توجيهه الصارم للشركات التابعة ومديري "قطر للبترول" بعدم التعامل مع الشركة المملوكة لأحد أقاربه، في رسالة عملية مفادها أن القانون فوق الجميع، وأن "الواسطة" تنتهي تماماً عندما تتعارض مع هيبة المؤسسة. وبفضل هذا النهج، غدا مكتبه ملاذاً للإنصاف؛ فكان الموظف المظلوم، مهما صغرت درجته، يدرك أن حقه سيعود، وأن المسؤول المتجاوز سيُحاسب دون مواربة، مما رسّخ مقولة شهيرة بين الموظفين: «إذا لك حق عند أبو حمد.. لا تبوق ولا تخاف». * ثالثاً: الأمانة والنزاهة عنده لم تكونَا مجرد شعارات تُرفع، بل عقيدة عمل صارمة تُطبَّق على الجميع دون استثناء. فلم يكن أحدٌ يجرؤ على تخطي القوانين أو الالتفاف على السياسات المعتمدة، سواء كان مسؤولاً تنفيذياً، أو مديراً، أو حتى من كبرى الشركات العالمية والشركاء الدوليين (الشركات الخمس الكبرى). وقد كلّف التجاوز عدداً من القياديين والمديرين مناصبهم - مهما علت رتبهم أو اتسع نفوذهم - بمجرد ثبوت حيدهم عن الأنظمة ولو في صغائر الأمور؛ في رسالة حازمة بأن هيبة المؤسسة وسلطان القانون فوق الجميع. ولم يكن للمحسوبية، أو صلات القرابة، أو أي اعتبارات شخصية موطئ قدم في قاموس "أبو حمد"، إذ ظل معيار الكفاءة المطلقة والانضباط الميداني هو الفيصل في التقييم واتخاذ القرار. * رابعاً: شهدت حقبته قراراً حاسماً بدمج العمليات البرية والبحرية والمقر الرئيسي تحت مظلة واحدة، بهدف توحيد الرؤية وخلق كيان مرن ومتكامل ينافس عالمياً، وهو التوجه الذي أثمر خفضاً ملموساً للنفقات التشغيلية ورفع كفاءة الأداء في خطوة وصفها الخبراء بأنها "سبقت زمنها". وتزامن ذلك مع إعادة الهيبة والصلابة لإدارة التدقيق الداخلي، ومنحها صلاحيات واسعة لضمان تطبيق الأنظمة بدقة وحزم. * خامساً: آمن إيماناً عميقاً بالثروة البشرية الوطنية؛ فمنح القيادات القطرية الفرصة الكاملة لإدارة الشركات التابعة لـ "قطر للبترول" رافضاً حصرهم في الأدوار الثانوية. وصاغ مفهوم "التقطير والتوطين" كسياسة إستراتيجية بعيدة المدى، دعمها بمنظومة مبتكرة للابتعاث والتأهيل الأكاديمي الخارجي لبناء جيل ينافس بالمعايير العالمية. ولم تغب المرأة القطرية عن هذه الرؤية، إذ فتح أمامها أبواب قطاع الطاقة والصناعة بفاعلية، في وقت لم يكن فيه هذا التمكين مألوفاً أو يسيراً كما هو اليوم. * سادساً: امتاز بشخصية متواضعة وقريبة جداً من الناس، تسندها ذاكرة استثنائية ومخزون معرفي هائل؛ فإذا تحدّث في التاريخ، أو الرياضة، أو النفط، أجبر الحضور على الإنصات والاستفادة، ليرسّخ عملياً مقولة "المكان لمن حضر" بحضوره الفذ لا بمنصبه فقط. وحتى أولئك الذين اختلفوا مع قراراته، كانوا يقابلونها باحترام جمّ، ليقينهم بأنها تنبع من اعتبارات العدالة والمصلحة العامة لا من المزاجية أو المحاباة والظلم. * سابعاً: تمتع بسرعة بديهة في المواقف الطارئة؛ ويُروى أنه في إحدى المناسبات الرسمية الكبرى، تأخرت الكلمة المكتوبة والمعدة له، فارتجل الخطاب كاملاً بأسلوب مترابط، بليغ، ومقنع، أذهل الحضور وأثبت سعة اطلاعه وثقته العالية بأدواته القيادية تحت الضغط. ولم تنعكس هذه السمات على الداخل الإداري فحسب، بل امتدت لبناء شراكات واستثمارات إستراتيجية طويلة الأجل مع أضخم الشركات العالمية، مما أمّن لقطر تدفقات مالية مستدامة ساندت مشاريع البنية التحتية والنهضة التنموية، ورسّخت مكانة الدولة كمورد طاقة موثوق به عالمياً. وسيبقى - رحمه الله - في وجدان من عاصروا تلك الحقبة، كبير مهندسي النهضة الطاقوية القطرية، والشخصية المحورية التي نقلت قطر من مجرد دولة منتجة للطاقة إلى لاعب دولي مؤثر يملك ثقلاً يتجاوز حدود الجغرافيا. وستظل تجربته حكاية ملهمة تُروى للأجيال عن العمل الجاد وبناء المؤسسات. فإن ما تحقق من تحولات وإنجازات في تلك المرحلة الحرجة يُحسب، في المقام الأول، لنظرة وسداد رؤية وحُسن اختيار صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله ورعاه، باني نهضة قطر الحديثة، لشخصية سعادة عبد الله بن حمد العطية. فاللهم ارحم "عبدالله بن حمد" برحمتك الواسعة، وأكرم نزله، واجعل ما قدّمه لوطنه في ميزان حسناته، واجزه عنّا خير الجزاء وأسكنه فسيح جناتك مع الأبرار والصالحين؛ فقد كان بحق: الرجل المناسب، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب، ورجل المهام الاستثنائية الذي ترجل عن دنيانا وبقي أثره خالداً في وجدان الوطن.
1605
| 29 مايو 2026