رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مذهولاً أتساءل: ما سر هذا الغياب العربي والإسلامي عن وقائع ما تتعرض له مدينة القدس بمقدساتها وهويتها الحضارية العربية الإسلامية التي تتعرض لعملية تهويد ومحو ممنهجة, لصالح تكريس المشروع الاستيطاني الاستعماري للكيان الصهيوني؟
هل غابت المشاعر الدينية التي تربطنا بقدس أقداس فلسطين, والأمة بشقيها العربي والإسلامي؟ هل نحن عاجزون إلى حد الثمالة, عن وقف كل هذه العدوانية ضد القدس التي يتعامل معها قطعان بني صهيون باعتبارها موروثاً خالصاً لهم, ويسعون بكل قوة وكفاءة واقتدار للاستحواذ عليها تمهيداً لإعادة إنتاج هيكل سليمان, الذي أكدت الكثير من الدراسات الأثرية الأجنبية الرصينة أنه لاعلاقة له بموقع المسجد الأقصى, بينما دراسات قطعان بني صهيون تحاول أن تروج لوجوده في هذا الموقع المقدس, ويتهافت علماؤهم لتأكيد هذا الوهم الراسخ في أذهانهم فحسب.
أين ما تم اتخاذه من قرارات عربية بشأن تمويل صناديق للأقصى لدعم صمود شعبها منذ سنوات طويلة, ولم تدفع الدول العربية سوى مبالغ ضئيلة من الاستحقاقات التي تضمنتها هذه القرارات, وكأن الأمر لا يعني أحدا وكأن القدس ليست عربية وكأننا استسلمنا لمخططات قطعان بني صهيون.
«لقد بلغ السيل الذبى», والعرب ساكنون والمسلمون مستغرقون في نوم عميق, بينما قطعان بني صهيون يواصلون العمل بدأب للانقضاض على القدس بأقصاها وتاريخها وشعبها, ووفقاً لتقرير قطاع فلسطين والأراضي العربية المحتلة بالجامعة العربية, والذي يشرف عليه السفير محمد صبيح فإن أحدث إجراءاتهم وخطواتهم تتمثل في:
أولاً: تصاعد وتيرة هدم المنازل في مدينة القدس المحتلة بشكل غير مسبوق وخاصة في الأحياء الفلسطينية المجاورة للمسجد الأقصى المبارك وطمس آثار المعالم المقدسية التاريخية، وعدوانها على مقبرتي مأمن الله وباب الرحمة المقدسيتين التاريخيتين اللتين تضمان رفاة كبار العلماء والصحابة الأجلاء وشهداء الفتح الإسلامي في عهد القائد صلاح الدين الأيوبي والقيام بتجريفهما إلى جانب سحب بطاقات هويات المقدسيين وهو ما يعني إلغاء وجودهم بمدينتهم المحتلة بهدف تغيير تركيبتها الديموغرافية لتحقيق أغلبية إسرائيلية على حساب الوجود العربي في القدس المحتلة.
ثانياً: إصدار حزمة قوانين عنصرية (ترقى إلى الإرهاب) لا علاقة لها بالقانون الدولي أو القانون الدولي الإنساني وتنتهك قرارات الشرعية الدولية ذات العلاقة بمدينة القدس المحتلة محذرا من تعالي الدعوات الإسرائيلية لإخراج مدينة القدس المحتلة من الولاية الهاشمية لها برغم أن مدينة القدس مدينة محتلة ينطبق عليها ما ينطبق على باقي الأراضي المحتلة الأخرى، وأن ولاية المملكة الأردنية الهاشمية للمدينة المقدسة هي ولاية أقرها القانون والمجتمع الدولي.
ثالثاً: الاستمرار في محاولات تقسيم المسجد الأقصى زمانياً ومكانياً كمرحلة أولى تمهيداً لفرض السيطرة الإسرائيلية الكاملة عليه ومن ثم تنفيذ دعوات الحاخامات المتطرفين بهدمه وإحلال (الهيكل المزعوم) محله وفي إجراء يكشف ازدواجية معايير وعنصرية ممارسات سلطات الاحتلال.
رابعاً: منع المصلين وطلاب حلقات العلم الفلسطينيين من دخول المسجد الأقصى المبارك واستبعاد فئات عمرية معينة مقابل السماح لجموع المستوطنين المتطرفين والسياح الأجانب بدخوله على شكل أفواج كبيرة.
خامساً: قيام المتطرف جلعاد آردان وزير الأمن الداخلي في إسرائيل (السلطة القائمة بالاحتلال) بمطالبة موشيه يعلون وزير جيش الاحتلال إدراج تنظيمي (المرابطون والمرابطات) في الحرم القدسي الشريف كتنظيمين غير ذي شرعية واعتبارهما خارجين عن القانون، وذلك في أعقاب تحرك مكثف قامت به منظمات إسرائيلية متطرفة تدعو لتشجيع زيارة اليهود للحرم المقدسي وإقامة الشعائر التلمودية بداخله، وهو ما حظي بموافقة جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) والادعاء العام في إسرائيل (السلطة القائمة بالاحتلال).
وفي هذا السياق، يؤكد التقرير أن (المرابطين والمرابطات) هما تنظيمان يدافعان عن المسجد الأقصى المبارك، وأن فتوى وزير أمن الاحتلال في إدراجهم ضمن التنظيمات المحظورة هو نوع من (إرهاب الدولة) الذي تمارسه سلطات الاحتلال ضد المدافعين عن المقدسات، إذ أن حماية هذه المقدسات هي حق مكفول في القانون الدولي، حيث إن من حق الفلسطينيين أن يضطلعوا بالدفاع بوسائل سلمية عن مقدساتهم، وكل أساليب الفلسطينيين السلمية التي يتبعونها في التصدي للمشاريع التهويدية، هي أساليب مشروعة في القانون الدولي لصون مقدساتهم.
سادسا: تصريحات كبار مسئولي الكيان الصهيوني وفي مقدمتهم رئيس حكومة سلطات الاحتلال بنيامين نتنياهو الذي أعلن مراراً أن مدينة القدس (عاصمة أبدية وموحدة لليهود فقط) بالتزامن مع تصاعد الإجراءات التهويدية لفرض أمر واقع على الأرض في مدينة القدس المحتلة بشكل عام وفي المسجد الأقصى المبارك على وجه الخصوص، لتصب في خدمة المشروع التهويدي المسمى بـ(القدس 2020) الذي تعتزم سلطات الاحتلال المضي قدماً فيه دون اكتراث بالقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالمدينة المقدسة.
وعلى الرغم من أن هذا الأسلوب الذي يتبعه قطعان بني صهيون – حسبما يؤكد التقرير- لن يعود بأي فائدة على مشروعهم الاستيطاني الاستعماري حيث إن هذه الممارسات والإجراءات والتصريحات تشكل عنصراً هاماً في استفزاز العالمين العربي والإسلامي والتي تمثل مدينة القدس لهما خطا أحمر، لن يسمحا بتجاوزه، لاسيما المسجد الأقصى المبارك (أقدس المقدسات الإسلامية)، غير أنه لا يتعين الوقوف عند هذا الحد وممارسة البكاء, والاكتفاء بمطالبة المجتمع الدولي ممثلاً بهيئاته ومنظماته ومنها الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني في العالم، وكافة المؤسسات الدولية ذات العلاقة، بالاضطلاع بدورها في التصدي لمثل هذه الإجراءات العنصرية التي ستقود فيها إسرائيل المنطقة, إلى تداعيات خطيرة تشعل من خلالها فتيل حرب دينية جديدة في هذه البقعة الحساسة من العالم, وإنما من الضرورة بمكان القيام بتحرك بخطوات جادة وحقيقية لوقف كل هذه الانتهاكات للقدس تاريخا وحضارة وهوية.
غير أن الخطوة الأهم في تقديري, تكمن في مسارعة الفلسطينيين بكل فصائلهم وقواهم لإعلان انتفاضة جديدة للدفاع عن القدس والأقصى, تعيد إنتاج انتفاضيتين سابقتين في ثمانينات وتسعينيات القرن الفائت ومطلع القرن الواحد والعشرين, على أن تنتهج من السلمية سبيلا حتى تحظى بالإسناد العالمي, ولا يوظفها الإعلام الصهيوني ضمن ما يطلق عليه بالأعمال الإرهابية, مما يجعله يلجأ إلى الاستخدام المفرط للقوة ضد شباب ورجال ونساء القدس وفلسطين, صحيح أن ثمة معلومات تشير إلى أن الجانبين الفلسطيني والصهيوني, يسعيان إلى تجنب مثل هذه الانتفاضة بحسبان كلفتها العالية عليهما, لكن مصائر الأوطان -وهو كلام موجه للفلسطينيين – لا يجب أن تخضع للحسابات الآنية أو المصالح الضيقة, غير أن ذلك يستوجب بداية استعادة المصالحة الوطنية المفقودة والغائبة أو بالأحرى المغيبة, بفعل فاعل منذ 2007, ما فتح ثغرة عميقة في جدار الصمود الفلسطيني والوحدة الوطنية, الأمر الذي وفر إمكانية هائلة أمام سلطات الاحتلال لتمارس التنكيل بالجميع: اعتداءات مستمرة على قطاع غزة وانتهاكات متواصلة للضفة بما في ذلك القدس والأقصى, بينما كل فصيل مشغول بتحقيق ذاته ومحاولة فرض معادلته على الأرض, وما أخشاه أن يواصل قطعان بني صهيون مشروعهم الاستعماري الاستيطاني ليس في القدس والأقصى, ولكن في كل أراضي فلسطين, على اعتبار أنها لا تجد من يدافع عنها أو ينتفض لوقف العدوان عليها, وفي الوقت نفسه فإن العرب مشغولون بالوحش الجديد الذي بات سيفاً مُسلّطاً عليهم والمتمثل في "داعش" وأخواته, والعالم لم يعد يعر القضية الفلسطينية أي اهتمام, سقطت من دائرة الحسابات الإقليمية والدولية فهل ثمة يقظة عربية وإسلامية خاصة أن اللجان والمنظمات التي أنشئت خصيصا من أجل القدس والأقصى, متعددة ومتنوعة لكنها هواء.. هواء.. هواء.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4632
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1173
| 01 أكتوبر 2026