رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

فوزية أحمد

مساحة إعلانية

مقالات

675

فوزية أحمد

المراهقون والهويّة الرقميّة

29 سبتمبر 2025 , 02:55ص

في العصر الرقميّ الحاليّ، لم تعد هوية الأطفال والمراهقين تتشكل فقط من خلال الأسرة والمدرسة والبيئة المحيط بهم، بل أصبح للفضاء الإلكتروني دور كبير وتأثير عميق في رسم معالم هذه الهوية، فمع انغماسهم في منصات التواصل الاجتماعي المليئة بالمؤثرين والمحتوى الرقمي، أصبح التأثير بشكل مباشر بما يشاهدونه وبمن يتابعونه من مؤثرين، إضافة إلى تفاعلهم المستمر معهم، والذي يؤثر على قيمتهم الحقيقيّة وتقديرهم لذاتهم، وهذا يساهم بدوره في تكوين هويتهم وبناء معالم شخصيتهم في فضاء العالم الرقمي. كذلك يلعب دورا محوريّا في كيفية التفاعل مع الآخرين، ليكتسب المراهق مهارات اجتماعية جديدة تعيد تشكيل مفاهيم العلاقات والنجاح والقبول، لذا وجب على الآباء وصناع القرار فهم تأثير هذه المنصات على الهوية حتى يتمكنوا من التوجيه بشكل إيجابي يعيد التوازن النفسي والاجتماعي.

كثير من المراهقين اليوم يعيشون حالة من التوهم عندما يتعلق الأمر بقياس القيمة الذاتية بما يحصدونه من عدد الإعجابات، التعليقات، إعادة النشر، والمتابعين، فيسعى لبناء شخصية رقميّة وهمية لا تعكس حقيقته، ويغيّر من سلوكه واهتماماته لينشر محتوى يرضي المتابعين بمعايير غير واقعية لا تمثل قيمه وأفكاره ومشاعره وهويته الحقيقيّة، بل محاولة للهروب من واقع نفسي أو مجتمعي يشعره بعدم القبول واعتقاده بأن النسخة الوهمية ستحظى بالاهتمام والتعاطف والشهرة التي يفتقدها في حياته الواقعية، ومع ذلك قد يغفل عن خطورة انتهاك الخصوصية والتنمر الإلكتروني وإدمان مواقع التواصل، وقد يؤدي ذلك أحيانًا إلى مشاركة معلوماته الشخصية مع غرباء أو شخصيات وهمية، مما يعرضه للأذى النفسي والخطر.

التقليد والمقارنة المستمرة بالمؤثرين ومشاهير المنصات الاجتماعية، يهددان ثقة المراهق بنفسه، ويزيدان من الشعور بالنقص، وتقليد أنماط حياة غير مناسبة، لذلك من الضروري أن يعرف نفسه أولًا ليكتشف ميوله واهتماماته ويعبّر عنها بمصداقيّة، محاكياً الواقع من خلال تفاعله مع الأسرة والأصدقاء لتنمية مهاراته التي تساعده على بناء هويته الحقيقية.

التكنولوجيا أصبحت اليوم في متناول الجميع، لذا قبل أن نمنح الموافقة والحرية لأبنائنا في استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، من الضروري التأكد من نضجهم العقلي والعاطفي، ومتابعتهم وتوجيههم بحب بعيداً عن الرقابة الصارمة، وتعليمهم حسن التصرف بحكمة مع المخاطر مثل السخرية، التعليقات المؤذية، المقارنات السلبية، والإدراك بوعي أن هويتهم الرقميّة جزء من حياتهم لكنها لا تعكس دائماً القيمة الحقيقية للذات، كما أن التوجيه المستمر والحوار المفتوح والقدوة الملهمة والفلترة الواعية للمحتوى تساعدهم على تنمية ثقتهم بأنفسهم بوعي في عالم رقمي معقد ومتغير.

في ظل العصر الرقمي، يلعب الآباء دوراً حاسماً في توجيه أبنائهم نحو بناء هوية رقمية متوازنة من خلال التواصل المفتوح والقدوة الإيجابية، ومنحهم مساحة للتعبير بحريّة وصدق بعيداً عن التعقيد والشدّة، مع تعزيز السلوكيات الإيجابية اليومية مثل ممارسة الشكر والثناء والالتزام بالوعود، والاعتراف بالخطأ، ومشاركة القصص والمواقف الواقعيّة ومناقشة القيم المجتمعية. تساهم هذه الممارسات في تطوير القدرة على التفكير النقديّ قبل اتخاذ القرارات المتعلقة بالنشر أو المشاركة، وتمثل وسيلة فعالة لصقل الشخصية وتنميتها مقارنة بالتوجيهات والأوامر.

يستطيع الأهل الاستفادة من تأثير المؤثرين الإيجابيين بدلاً من مقاومتهم، لا سيما إذا كان المراهق يتفاعل معهم بإعجاب طبيعي، فهذا يتيح له فرصة للتأثر بسلوكيات محترمة ومتوازنة تمثل نموذجاً يحتذى به. المؤثرون الذين يقدمون محتوى تعليميا وثقافيا ويلهمون الآخرين، ويتحدثون بلغة قريبة من عالم المراهق، يمكن أن يكونوا شركاء فعّالين في عمليّة التعليم والتوجيه بما يساعد الأبناء على التمييز بين القدوة الصحيحة والسلوكيّات السلبيّة. كما يسهم هؤلاء المؤثرون في صقل مهارات فرز المحتوى الرقميّ، وتشجيع المراهقين على التعبير عن ذاتهم بصدق، واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي بوعي وحذر، دون الانصياع لضغوط الآخرين أو إرضاء المتابعين ليصبح العالم الرقمي أداة إيجابية تعزز الإبداع والتعلم والتواصل الهادف.

مهما كان دور الأهل حاسماً، يجب تشجيع المراهق على التعبير بحرية، ومناقشته بدل التحكم به، مع مساعدته على فهم أن قيمته لا تقاس بالمظاهر أو بعدد الإعجابات، وتعليم الطفل فلترة المحتوى واختيار القدوة المناسبة يحميه من التأثيرات السلبية ويعزز ثقته في اتخاذ قراراته، إذ إن القدوة الملهمة التي يختارها المراهق بإرادته، تشجعه على التطور والنمو الشخصي، بخلاف القدوة المفروضة التي قد تولد رفضًا أو مللًا. لذلك من الضروري غرس الوعي الرقمي لدى المراهقين، وتدريبهم على التفكير المنطقي عند استهلاك المحتوى، وتشجيعهم على استخدام المنصات بطريقة تعزز ثقتهم بأنفسهم وتمكّنهم من التعبير عن هويتهم بشكل صحي ومتوازن، ليصبح العالم الرقمي مساحة للنمو والتعلم وليس للضغط أو التشويه.

في النهاية، يظل الترابط الأسري هو الأقوى تأثيراً على تكوين شخصية الأبناء أكثر من أي قواعد أو حظر، فالأبوة والأمومة الواعية، القائمة على الشراكة والحوار والقدوة، تمنح الأبناء القدرة على استخدام منصات التواصل بذكاء وحذر، وبناء هوية قوية مستقلة، تجعله قادرا على التمييز بين الصواب والخطأ، والاعتماد على نفسه دون أن يضيع بين المؤثرين والمحتوى الرقمي، وهكذا يصبح العالم الرقمي أداة للابتكار والإبداع، وليس مصدراً لفقدان الهويّة.

اقرأ المزيد

alsharq مُعلم القرآن

يمثل تصريح وزيرة التربية والتعليم والتعليم العالي في دولة قطر بشأن بدء تنفيذ مبادرة «معلم القرآن الكريم» في... اقرأ المزيد

177

| 22 فبراير 2026

alsharq وماذا بعد شهر الروحانيات؟

تقترن التبريكات والتهاني بشهر رمضان مع بداية دخوله بكلمات قيمية متداولة عبر المنصات الاجتماعية تعبر عن التسامح والاعتذار... اقرأ المزيد

108

| 22 فبراير 2026

alsharq من بغداد إلى طهران.. تفاوضٌ على حافة الغزو

تتسارع الخطى الأمريكية على نحو لافت تجاه ما يبدو أنه لحظة حسم مع إيران، حربًا أو سلمًا، في... اقرأ المزيد

165

| 22 فبراير 2026

مساحة إعلانية