رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تمض ساعات فقط على سيطرة الجيش على الحكم في مصر، وإعلانه عزل الرئيس المصري محمد مرسي، حتى كان الهاتف يرنّ من القاهرة في محاولة للضغط على الجزيرة من أجل ثنيها عن خطها التحريري.
انتهت المكالمة دون أن تحقق هدف المتصل.. في الدوحة، الجزيرة مصرّة على سياستها التحريرية التي انتهجتها منذ سبعة عشر عاما، وهي ذات السياسة التي سببت لها العديد من المشاكل، وفي القاهرة، بدا أن ثمة العديد من الخطوات ستتخذ.
تم اقتحام مكتب الجزيرة مباشر مصر واقتياد 28 من موظفيه مع مدير القناة إلى قسم شرطة العجوزة، قبل أن يفرج عنهم عدا مدير القناة أيمن جاب الله، كانت التهمة في البداية العمل دون ترخيص، حين أبرز الترخيص، تحولت التهمة إلى بث شريط خطاب مرسي، حين قيل لهم إن الجزيرة مباشر مصر لم تبث الشريط، تم الانتقال إلى تهمة ثالثة تتعلق بتكدير السلم العام وتهديد الأمن القومي قبل أن يطلق سراح جاب الله في اليوم الرابع بكفالة مالية وعدم غلق ملف القضية.
ولم يكن الوضع أفضل حالا بكثير في مكاتب قناة الجزيرة (الأم) فبدلا من إرسال مندوب يحمل أمر إغلاق المكتب، تطلب الأمر أكثر من أربعين جنديا بسلاحهم الآلي، اقتحام المكتب واحتجاز موظفي الجزيرة من الطاقم المناوب في غرفة واحد لأكثر من خمس ساعات قبل الإفراج عنهم واعتقال مهندس البث أحمد حسن، ومصادرة العديد من الأجهزة والكاميرات.
ثم إصدار أمر ضبط وإحضار بحق مدير مكتب الجزيرة في القاهرة عبدالفتاح فايد من قبل النائب العام بذات التهمة "بتكدير السلم العام وتهديد الأمن القومي وبث الفتنة"، والذي تم الإفراج عنه بكفالة أيضا، قبل أن ترفع -لاحقا- ضده قضية أخرى "وهمية" تتعلق بسرقة الجزيرة لمحطات البث الخاصة بالتلفزيون المصري في ميدان رابعة العدوية!
لم يتم الاكتفاء بذلك بحق الزميل فايد فقد قام من يفترض أنهم إعلاميون بطلب مغادرته في بداية المؤتمر الصحفي للقوات المسلحة والشرطة، وإطلاق الشتائم بحق الشبكة، لكنهم أنفسهم صفقوا للمتحدث الرسمي في المؤتمر.
أما فريق قناة الجزيرة الإنجليزية فقد نال نصيبه من الاحتجاز في السويس بعد ذلك بأيام، تلاه اعتقال مصور الجزيرة مباشر محمود بدر وتمديد توقيفه خمسة عشر يوما للمرة الثانية، وتعرض المنتج بنفس القناة محمد فرحات إلى الضرب والطعن في وقت سابق من قبل مجهولين أثناء عودته من عمله في المقطم.
أسفل البناية التي تضم مكاتب الجزيرة بالقاهرة كان عدد من البلطجية قد جاءوا لإكمال المهمة، وعلى الجدران علقوا بعض الملصقات تصف الجزيرة بقناة "الفتنة" واستمروا في حمايتها.
(حتى ساعة كتابة المقال لا أعلم من الذي أيقظ الفتنة في مصر).
وكالة الأسوشيتد برس تلقت الأوامر من السلطات المصرية بقطع إمداد إرسالها من الصور لقناة الجزيرة فقط دون بقية القنوات، وأضحى التنبؤ بمواعيد قيام السلطات المصرية بقطع البث والتشويش على شارة الجزيرة عبر الأقمار الاصطناعية، أصبح معروفا ومتزامنا مع كل تغطية للجزيرة لا يريدون لها أن تصل للرأي العام المصري.
في برامج التوك شو وعلى جدران الفيس بوك اشتعلت حملة أخرى، فقد أطلقت عبارات الشتائم والتخوين بحق كل من يعمل في الجزيرة، بعض البرامج تبرعت لبث استقالات أفراد من طاقم الجزيرة مباشر مصر على الهواء، أحدهم يدعى "وسام فضل" قدم نفسه على صفحته على الفيس بوك أنه مراسل قناة الجزيرة مباشر مصر، كتب استقالته احتجاجا على "كذبها العلني" و "بعدها عن المهنية والاحتراف"، وقد تبين فيما بعد أن الزميل "الوهمي" ليس موظفا في الجزيرة مباشر مصر ولا في أي مؤسسة تابعة للجزيرة.
كان من الواضح إذا أن حملة كراهية ضد الجزيرة يتم تدشينها وتلقى قبولا لدى البعض، أدواتها غير مشروعة، يسمح فيها بتوظيف أي مفردة أو كلمة حساسة لدى فئات من الشعب المصري، وهكذا تم فتح القاموس للمفردات ذات العلاقة بقصة الجزيرة.
الكلمة الأولى بالطبع كانت "قطر"، وإذا كانت قطر بل والجزيرة تقران بصيغة العلاقة التي تجمعهما ماليا عبر ميزانية الشبكة الإعلامية، وهي ذات الصيغة التي تجمع الحكومة البريطانية بهيئة الإذاعة البريطانية، فإن مفردة قطر تأخذ هنا أبعادا أخرى، يتعلق بعضها بنظرة "أم الدنيا" إلى "الأخ الأصغر" والوصف الأخير منسوب للأغنية التي قادها الزميل "باسم يوسف" كـ (مايسترو) في إحدى حلقات برنامجه "البرنامج" والتي تقول كلماتها "قطري حبيبي الأخ الأصغر".
ثمة نظرة إذا -لم تفارق العديد من المتأثرين بمسألة الحجم- ترسخت في اللاوعي عند من تصدروا الحملة ضد الجزيرة، بحكم الفارق بين حجم وتاريخ التجربة الإعلامية المصرية العريقة من جهة وتأثير الجزيرة الواضح رغم حداثتها، فالرئيس المصري المخلوع حسني مبارك عرف بقصة شيقة أثناء زيارته إلى مقر الجزيرة قبل سنوات حين قال بسخرية لاذعة في وصفه للجزيرة "كل ده يطلع من علبة الكبريت دي"، بل حتى إن مفكرا وكاتبا معروفا بحجم الأستاذ محمد حسنين هيكل، الذي أطل عبر شاشة الجزيرة عبر برنامجه "مع هيكل" كان واضحا في انتقاده لتجربة "الجزيرة مباشر مصر"، فقد اعتبرها مسّا بسيادة مصر.
وعليه كان من الواضح أيضا أن الحملة على الجزيرة مباشر مصر، فيها رسالة غير مباشرة للقيادة القطرية الجديدة تحاول جس نبضها بشأن مدى تمسكها بمشروع الجزيرة، وهو ما تأكد في الأيام التالية حين بعثت القيادة القطرية بالتهنئة للرئيس المصري المؤقت، دون أن يؤثر ذلك في فضاء الاستقلالية الممنوح للسياسة التحريرية للجزيرة إزاء التعامل مع الشأن المصري، وهي رسالة قرأت في أوساط الإعلاميين بمزيد من التقدير لسمو الأمير الشاب الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، على دعمه المتواصل للمشروع الذي بدأه سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني.
المفردة الثانية في قاموس التحريض على الجزيرة كانت بالطبع "القناة ذات هوى إسلامي"، وهي مفردة أصبحت قادرة على استقطاب الانتباه والتوجس -هذه الأيام- بشكل مبالغ، ويستمر ترديد هذا الاتهام والمزاعم ليصل القول إن الإسلاميين يسيطرون ويسيرون دفة القنوات والسياسة التحريرية وأن الشاشة باتت إسلامية الضيوف.
لعل إطلالة على التنوع الذي تزخر به الجزيرة كفيل بالإشارة إلى أنها أكثر مؤسسة إعلامية متنوعة الثقافات والخلفيات فموظفوها الذين يتجاوز عددهم أربعة آلاف موظف ينتشرون في أكثر من ستين دولة ينتمون إلى نحو ثمانية وخمسين جنسية من مختلف الملل والنحل.
إن نظرة سريعة لخريطة العالم بدءا بشمال إفريقيا مرورا بالشرق الأوسط وصولا إلى أفغانستان، من شأنها أن تظهر حجم الوجود الفاعل للحركات الإسلامية وتأثيرها في المشهد السياسي الراهن: رئاسة الحكومة في كل من المغرب وتونس مع الإسلاميين، في ليبيا هم رقم لا يستهان به، في مصر كانت الرئاسة بحوزتهم، في السودان هم في الحكومة والمعارضة، في غزة الحكومة معهم وفي الضفة هم المعارضة الصعبة، في لبنان مشاركون في الحكومة وفاعلون عسكريا على المستوى الإقليمي، في الأردن هم الرقم الأصعب في المعارضة، في سوريا يحققون إنجازا وحضورا واضحين داخل إطار الثورة وخارجه، في العراق مشاركون في الحكومة والمعارضة، مرورا بإيران وصولا إلى أفغانستان.
ما الذي تعنيه القراءة المتعجلة لخريطة مشهد الإسلام السياسي؟ تعني أن الإسلاميين يفرضون أنفسهم كصانع للحدث حاليا، ومن ثم فهم يحجزون بسبب ذلك وقتا أطول على الشاشة خبرا ورأياً. وعليه لم تتحالف الجزيرة مع الإسلاميين أو مع غيرهم بقدر ما وفـّر منبرها مساحة لجميع الآراء بالظهور.
المفردة الثالثة "الجزيرة قناة فتنة تكذب".. في الملصق الذي نشط معارضو الجزيرة في توزيعه، رسمت صورة لشاشة تلفزيونية مع خبر عاجل يقول "ربما رصاصة تفتل إنسانا لكن كاميرة كاذبة تقتل أمة"، وهو افتراض صحيح إذا تم تطبيقه على كل القنوات بما فيها القنوات المصرية والعربية التي اختارت أن ترينا نصف المشهد، بدعوى أن عرض المشهدين يثير الفتنة ويسهم مثل هذا الكذب في تضليل الشعب.
حجة الفتنة التي توقظها الجزيرة سمعناها مرارا من العديد من الأنظمة العربية، بل حتى من إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش. وتكفي الإشارة هنا إلى تصريحات موفق الربيعي المستشار السابق للأمن القومي بالعراق حول هذا الشأن حين أغلقت السلطات العراقية مكتب الجزيرة في بغداد، بحجة إثارة الفتنة. -للعلم فقط- أعداد من قتل العراقيين في الفترة التي كان فيها المكتب مغلقا أكثر بكثير من الذين قتلوا إبان أن كان المكتب مفتوحا بسبب فتنة الجزيرة.
وإذا ما قررت عزيزي القارئ التوسع أكثر في إسقاط نظرية المؤامرة على دور الجزيرة، ما عليك سوى الولوج عبر الإنترنت إلى موقع "غوغل" والبحث عن كلمات غرار "قناة الجزيرة صهيونية " أو "الجزيرة مشروع أمريكي" أو البحث عن "بعثية الجزيرة" إبان حكم الرئيس العراقي الراحل صدام حسين. حتما بلا شك ستقفز إليك مئات النتائج إن لم تكن بالآلاف، وهو دليل إضافي على أن المحتوى الذي يصنعه الأفراد والمؤسسات عبر محرك غوغل بات يصنع الصورة، لا الحقيقة أو الشاشة فقط، فشاشة الجزيرة تخبرنا بأن الحكم عليها لا يكون عبر انتقاء مشهد واحد من نشرة أخبار أو برنامج للحكم، بقدر ما ينبغي رسم خط بياني منذ نشأة الجزيرة.
والخط البياني لتغطية الجزيرة تجاه مصر كفيل بأن يخبرنا أن الجزيرة كانت ولا تزال أقرب إلى نبض الشارع المصري وهموم المواطن المصري، كانت أقرب إليه في عهد مبارك حين كشفت التجاوزات والفساد، ووقفت مع طوابير الخبز، ونقلت آهات التعذيب في أقسام الشرطة، وفي الوقت ذاته منحت النظام آنذاك الفرصة للتعبير عن وجهة نظره.
كانت الأقرب إليه في ميدان التحرير، بل لعلها هي التي كانت أول من اتخذ قرارا تحريريا سيسجل في تاريخ الإعلام، بأن تفتح الكاميرا على مدار الساعة على ميدان التحرير، وبسبب ذلك القرار نجا المعتصمون بأعجوبة من تبعات موقعة الجمل، وصمدت الجزيرة في الميدان إلى جانب الملايين رغم كل ما أقدم عليه نظام الرئيس المخلوع آنذاك من تضييق واعتقالات وتنزيل للشارة من على القمر الاصطناعي، ما حدا بأحد المصريين لتلخيص المشهد بقوله: "خليهم يعرفوا إنه الشعب المصري التسعين مليون كلهم مراسلين للجزيرة".
كان ذلك قبل عامين، أما اليوم فإن الهدف واضح، فالمطلوب لدى من يتزعم الحملة ضد الجزيرة هو الانتقام من هذه القناة التي ارتبطت في وجدان الشعب المصري بثورة 25 يناير المجيدة والانتقام لا يتم إلا بضرب أساس هذه العلاقة.
وإذا كان المتحول في هذه العلاقة هو موقف الرأي العام المصري تجاه الجزيرة فإن الثابت هنا أن الجزيرة ظلت تفتح شاشتها ومنبرها لمصر بحراكها وأخبارها، بل ولكفاءاتها.
خلاصة القول لم يكن للجزيرة أي مشكلة مع أي نظام أو جماعة أو حزب، غير أن أي نظام أو جهة لديها مشكلة في وجود الرأي الآخر، فسيكون لديها مشكلة مع الجزيرة "قناة الرأي والرأي الآخر".
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3801
| 29 أبريل 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن مع تحولات الاقتصاد العالمي، برزت القمة الخليجية التشاورية في جدة كحدث يتجاوز طابعه البروتوكولي، ليعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً في أداء دول مجلس التعاون، وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها وصياغة مسارات أكثر توازناً للاستقرار الإقليمي والدولي، وقد ترأس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعمال هذه القمة، لتؤكد هذه المحطة أن الخليج بات لاعباً محورياً في إعادة تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي على حد سواء، ومنطلقاً لرؤية موحدة تتعامل مع التحديات الكبرى بمنطق الشراكة والمسؤولية الجماعية. ولم تعد هذه القمة مجرد لقاء تشاوري تقليدي، بل تمثل محطة مفصلية في انتقال الخليج من موقع “التفاعل” مع الأزمات إلى موقع “صناعة التوازن”، حيث جاءت مخرجاتها لترسم خريطة طريق عملية تهدف إلى احتواء الأزمات قبل تفاقمها، في ظل بيئة دولية تتسم بتذبذب أسواق الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، هذا التحول الاستراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار المنطقة ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين، مما يتطلب تنسيقاً عالياً يتجاوز التعاون التقليدي إلى التكامل الفعلي في المواقف والسياسات تجاه القوى الدولية الفاعلة. وفي صلب هذا التحول، جاء التركيز الواضح على أمن الملاحة الدولية كإحدى أبرز أولويات القمة، إذ لم تعد الممرات الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز مجرد مسارات إقليمية، بل شرايين استراتيجية يمر عبرها نحو خُمس تجارة العالم، ومن هنا، بعثت القمة برسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن حماية هذه الممرات هي مسؤولية مشتركة، وأن دول الخليج لن تتوانى عن القيام بدورها القيادي لضمان تدفق التجارة والطاقة، ومواجهة أي تهديدات قد تمس سلامة الملاحة أو تعيق حركة الاقتصاد العالمي، مما يعزز من مكانة دول المجلس كصمام أمان حقيقي في قلب العالم. وقد تجلى في أروقة القمة إصرار خليجي على تعميق العمل المشترك من خلال مشاريع تكاملية ملموسة، تمتد من الربط الكهربائي والسككي وصولاً إلى التنسيق الأمني والعسكري المتقدم، وهو ما يعطي للعمل الخليجي بعداً مؤسسياً قوياً وقادراً على مواجهة التقلبات الجيوسياسية، إن قمة جدة، بما حملته من مضامين، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الخليج هو "البوصلة" التي توجه مسارات الاستقرار في المنطقة، متمسكاً بسيادته ومصالحه الوطنية، وفي الوقت ذاته منفتحاً على صياغة تحالفات دولية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لضمان مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً.
1329
| 30 أبريل 2026
في بيئات العمل، لا تبدأ الإشكالات الكبيرة بقرارات معلنة، بل بتفاصيل صغيرة تتكرر حتى تتحول إلى واقع، مواقف تمر في ظاهرها عادية، لكنها تترك أثرًا غير عادي: انسحاب مفاجئ، قرار بلا توضيح، أو تصرف يُدار بصمت وكأنه لا يستحق التفسير، وهنا نقف في تلك المساحة الدقيقة: هل نبتسم ونتجاوز؟ أم نتوقف ونقرأ ما يحدث كما هو؟ أولًا: حين تختصر الإدارة في (ردة فعل) الإدارة ليست قرارًا سريعًا، ولا موقفًا لحظيًا يُتخذ تحت تأثير الانفعال، حين تتحول أدوات التواصل المهنية إلى حظر أو انسحاب مفاجئ من مساحات العمل، فإننا لا نتحدث عن إدارة موقف، بل عن ردة فعل شخصية تم تغليفها بشكل مهني، وهنا تبدأ المشكلة، عندما تُدار المؤسسات بذهنية الأفراد لا بأنظمة العمل. ثانيًا: السلطة بين التنظيم والاستحواذ السلطة في جوهرها أداة تنظيم، لكنها قد تنزلق بهدوء إلى مساحة أخرى: الاستحواذ، إزالة لوحة، تغيير محتوى، طلب تغييب اسم أو هوية، أو إعادة تقديم عمل بوجه مختلف، كلها ممارسات لا تكشف فقط عن قرار، بل عن تصور داخلي بأن الصلاحية تعني القدرة على إعادة تشكيل كل شيء، وهنا لا تكون المشكلة في الفعل، بل في توسع مفهوم السلطة خارج حدوده. ثالثًا: نقل الأفكار حين يصبح (الإلهام) انتقائيًا في بيئات العمل الناضجة، تُبنى الأفكار وتُوثق، ويُشار إلى مصادرها بوضوح، لكن في بيئات أخرى، تتحول الأفكار إلى مواد قابلة لإعادة التقديم: برنامج يُتابع، مشروع يُلاحظ، ثم يظهر لاحقًا بصيغة مختلفة وفي سياق آخر دون تاريخ أو مرجعية، هذه ليست عملية تطوير، بل إعادة إنتاج بلا اعتراف. رابعًا: التفاصيل التي تكشف مستوى الوعي لا تحتاج بيئة العمل إلى اختبارات معقدة لتُقاس، يكفي أن ننظر إلى التفاصيل: إعلان يفتقر للدقة، صياغة ضعيفة، أخطاء لغوية واضحة، وهوية غير متماسكة، هذه ليست هفوات، بل مؤشرات على مستوى التعامل مع العمل نفسه، فمن لا يُحسن التفاصيل لن يُحسن الصورة الكبرى. خامسًا: فوضى الاستعراض حين يطغى الشكل على الجوهر في بعض البيئات، يتحول العمل من بناء حقيقي إلى فوضى استعراض: كثرة إعلان، قلة إتقان، حضور شكلي، وغياب للعمق، وهنا لا يُقاس النجاح بما يُنجز، بل بما يُعرض. وهذا أخطر التحولات حين يصبح الظهور أهم من القيمة. سادسًا: التجاهل بين الذكاء والخسارة ليس كل موقف يستحق الوقوف عنده، لكن ليس كل موقف يُسمح بتجاوزه، التجاهل يكون ذكاءً حين لا يترك أثرًا، لكنه يصبح خسارة حين يُفسر على أنه قبول أو يُستخدم كمساحة لتكرار نفس السلوك، وهنا يتحول السكوت من قرار إلى سماح غير معلن. سابعًا: التقييم.. حين يفقد حياده! ومن أكثر الممارسات إرباكًا، حين يُستخدم (التقييم الدوري) كمدخل مفتوح لكل تفاصيل العمل، يُطلب الاطلاع الكامل، وتُفحص المستندات، وتُراجع الآليات بدقة، تحت عنوان مهني منضبط، لكن الإشكال لا يبدأ هنا، بل فيما بعده، حين يظهر ما كُشف عنه بحسن نية، في سياقات أخرى، ولدى جهات كنت تعمل معها أصلًا، بصياغة مختلفة، وغياب واضح للمصدر، هنا، يفقد التقييم حياده، ويتحول من أداة ضبط إلى أداة عبور، تتجاوز حدودها المهنية، وتطرح سؤالًا مشروعًا: هل نحن أمام تقييم فعلي أم إعادة تموضع على حساب الآخرين؟ ثامنًا: إدارة الموقف لا التفاعل معه القوة المهنية لا تُقاس بحدة الرد، بل بقدرة الشخص على إدارة المشهد كاملًا، أن تعرف متى توثق، متى تتحدث، متى تتجاوز، ومتى تضع حدًا، هذا هو الفرق بين حضور عابر وحضور يُفرض احترامه. في العمل، ليست كل ضحكة تعني الرضا، ولا كل سكوت يعني الحكمة، بعض المواقف إن تجاوزتها تتكرر وكأنها حق مكتسب، وبعض التصرفات إن لم تُقرأ كما هي تُعاد بصيغة أقوى، لذلك، السؤال لم يعد هل أضحك أم أسكت، بل: هل أُدير الموقف أم أتركه يُدار ضدي؟
990
| 29 أبريل 2026