رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

سعدية مفرح

كاتبة كويتية

مساحة إعلانية

مقالات

51

سعدية مفرح

ما الذي ينقص أعيادنا؟

31 مايو 2026 , 11:49م

قبل أيام من كل عيد تبدأ الحركة المعتادة، قوائم شراء طويلة، ورسائل متلاحقة، وصور للأزياء والحلويات والهدايا، واستعدادات لا تنتهي. يبدو المشهد مفعمًا بالحياة، وكأن الفرح يقترب بخطوات واسعة. ثم يأتي العيد، فنكتشف أحيانًا أن كل شيء كان حاضرًا إلا ذلك الشعور القديم الذي كان يجعل العيد عيدًا بالفعل.

أتساءل أحيانًا: ما الذي ينقص أعيادنا؟

السؤال لا يصدر عن حنين أعمى إلى الماضي، فالماضي لم يكن فردوسًا كاملًا، وكانت فيه متاعبه ونقائصه وهمومه، ومع ذلك كان يمتلك ميزة صغيرة يصعب العثور عليها اليوم؛ كان أكثر بساطة، وكانت تلك البساطة تمنح الفرح مساحة أوسع للتنفس.

كان العيد يصل إلى البيوت من أبوابها الحقيقية، لا عبر الشاشات. وكانت التهاني تُقال بصوتٍ يسمعه الآخر، وتُقرأ على الوجوه قبل أن تُقرأ في الكلمات. وكان الناس يزور بعضهم بعضًا لأن اللقاء نفسه غاية، لا مادة تصلح للنشر أو التوثيق أو جمع الإعجابات.

لم تكن البيوت أفخم، ولا الموائد أكثر امتلاءً، ولا الملابس أكثر فخامة. ومع ذلك كان شيء ما يربط القلوب بخيطٍ خفي يجعل للعيد مذاقًا مختلفًا. كنا ننتظر اجتماع العائلة أكثر مما ننتظر الهدايا، ونفرح بزيارة قريب بعيد أكثر مما نفرح بصورة جميلة نلتقطها وننشرها.

أما اليوم فقد تحوّل جزء كبير من العيد إلى مناسبة للاستعراض الاجتماعي، صرنا نهتم بكيف سيبدو العيد في الصور أكثر من اهتمامنا بكيف سيُعاش في الواقع. نجلس حول المائدة نفسها، لكن كل واحد يحمل عالمه الصغير بين يديه. نتبادل النظرات سريعًا، ثم نعود إلى الشاشات. نلتقط عشرات الصور للحظة الواحدة، بينما اللحظة نفسها تمر من بين أصابعنا بهدوء.

حتى المعايدات تغيّرت. كانت في الماضي رحلة قصيرة نحو الآخر، فيها صوت وملامح ومصافحة وربما كوب شاي وحديث عابر. أما الآن فأصبحت في كثير من الأحيان رسالة جماعية تصل إلى مئات الأشخاص في ثانية واحدة، وتغادرهم بالسرعة نفسها. وقد تحقق الغرض الشكلي من التهنئة، لكن شيئًا من حرارتها يبقى مفقودًا.

ولعل أكثر ما يفتقده العيد اليوم هو الوقت. ذلك الوقت الذي كان الناس يمنحونه لبعضهم بسخاء. أصبح الجميع مستعجلين على نحوٍ دائم. يزورون بسرعة، ويغادرون بسرعة، ويعايدون بسرعة، وكأن العيد مهمة ينبغي إنجازها لا مناسبة ينبغي عيشها. حتى الفرح نفسه صار محكومًا بجدول مزدحم.

ولا يتعلق الأمر بالأفراد وحدهم، فإيقاع الحياة كله تبدّل. الضغوط الاقتصادية أثقلت كثيرين، والقلق تسلل إلى تفاصيل عديدة، والأخبار المؤلمة أصبحت ضيفًا دائمًا على موائدنا. يصعب على القلب أن ينعزل تمامًا عن كل ذلك. ولهذا يحمل العيد أحيانًا عبء العالم معه، بدل أن يكون استراحة منه.

ومع ذلك فإن ما نفتقده ليس مستحيلًا. فالعيد لا يحتاج إلى معجزة كي يستعيد شيئًا من روحه. يحتاج إلى قرار صغير بأن نعطي الأولوية للبشر على الأشياء، وللذكريات على المظاهر، وللقاءات الحقيقية على توثيقها. يحتاج إلى أن نجلس مع من نحب من دون أن ننشغل طوال الوقت بتصوير الجلسة، وأن نصغي إلى حكايات الكبار، وأن نترك للأطفال مساحة لخلق ذكرياتهم الخاصة بعيدًا عن إدارة الكاميرات.

الفرح في جوهره كائن بسيط. لا يحتاج إلى كل هذا الجهد الذي نبذله أحيانًا في مطاردته. يكفي أن يشعر المرء بأنه محاط بمن يحب، وأن يجد وجهًا يبتسم له بصدق، وأن يسمع دعاءً طيبًا من أم أو أب أو صديق قديم. هذه التفاصيل الصغيرة هي التي كانت تصنع أعياد الأمس، وهي نفسها القادرة على أن تصنع أعياد اليوم.

لهذا أظن أن أعيادنا لم تفقد جمالها تمامًا، فقد ازدادت أناقة واتسعت خياراتها وتنوعت مظاهرها، لكنها تحتاج إلى أن تستعيد شيئًا من دفئها الأول. تحتاج إلى قلوب أقل انشغالًا بالمشهد الخارجي وأكثر انتباهًا لما يجري في الداخل. فعندما يصبح اللقاء أهم من الصورة، والذكرى أغلى من المنشور، والضحكة الصادقة أثمن من أي استعراض، يعود العيد إلى معناه الأصلي، ويجلس بيننا كما كان دائمًا: ضيفًا خفيفًا يحمل الفرح من يدٍ إلى يد، ومن قلبٍ إلى قلب.

مساحة إعلانية