رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أملي العميق في أن تنصف حكومات الربيع العربي الثقافة العربية عن طريق حفظ لغتها وتأمين مبدعيها وعلى الأقل نعود إلى تقاليد الخلفاء المسلمين الذين كانوا يقربون العلماء والأدباء (لا المنافقين والمطبلين) في بلاطهم ويعفونهم من طلب الرزق بعمل مرهق فكانت للفكر العربي صولات وجولات وانتقل إلى العالمية وأشعة شمس العرب والإسلام على الغرب. دعيت منذ أيام قلائل إلى قصر القبة (غير قصر القبة المصري) الواقع على ضفاف نهر السين بشارع كي كونتي بباريس، وهو مقر الأكاديمية الفرنسية للغة والآداب والعلوم، المسماة بمجمع الخالدين، أي أن الأدباء والعلماء وكبار السياسيين الذين ينتخبون لعضويتها يظلون هناك مدى الحياة وتفرغهم الدولة الفرنسية لخدمة الثقافة الفرنسية ولغتها وحضارتها وضمان إشعاعها في الخارج ودوام تأصيلها في الداخل. وهذه الأكاديمية العريقة موجودة بباريس منذ أسسها الوزير الكاردينال ريشوليو عام 1635 في عهد الملك لويس الثالث عشر، وتداول عليها منذ ذلك التاريخ مئات العظماء الذين أدوا للثقافة الفرنسية أجل الخدمات وقدموا أفضل الأعمال. والدولة الفرنسية الممثلة لإرادة الشعب الفرنسي تصرف لهم رواتب توازي رواتب الوزراء إلى أن يتوفاهم الله وتكرمهم في حياتهم بالتبجيل والتقدير وتكرم ذكراهم إذا رحلوا عن هذه الدنيا بالدرس وإحياء المناسبات والتمجيد. ثم إن عضوية الأكاديمية تحظى بالتشريف الذي تستحقه هذه المؤسسة الكبرى، فينتخب العضو الجديد في كرسي العضو الذي مات، ويلقي خطاب الدخول للأكاديمية ليستعرض مآثر ومناقب الذي سبقه ويشيد بجهوده ومساهماته في الأدب والعلم، ثم إن القادم يرتدي ما يسمى هنا بالكسوة الخضراء وهي الزي الرسمي للشخصيات التي تحتل مقاعد المؤسسة تحت القبة المذهبة، ويمتشق كل منهم السيف التقليدي المرصع بالحجر الكريم، ثم ينطلق في خدمة وطنه بما يراه من جليل الأعمال وطيب الأفكار وسديد النصح لأهل السياسة وأصحاب الأمر في أعلى مناصب الدولة. وكانت الدعوة لحضور مراسم قبول الرئيس الأسبق للجمهورية الفرنسية فاليري جيسكار دستان الذي انتخب آخر عضو في مجمع الخالدين لما أسداه من دفع للغة والثقافة الفرنسيتين حين كان يرأس الجمهورية فأنشأ وزارة الفرنكوفونية التي تقدمت للبرلمان بقانون معاقبة مستعملي العبارات الأجنبية (والمقصود كان الإنجليزية) في الإعلانات واليافطات في صورة توفر المصطلح الفرنسي! وتصل العقوبات حتى إلى السجن مع الغرامة في قانون كاترين تاسكا وزيرة الفرنكوفونية آنذاك وذلك لصيانة لغتهم والحفاظ على هويتهم، هذا إلى جانب قيام الرئيس جيسكار برئاسة اللجنة الأوروبية لتحرير الدستور الأوروبي وتوليه إصدار مذكراته بعد انتهاء ولايته الرئاسية عام 1981 في لغة راقية بعنوان (النفوذ والحياة)، وهذه المؤسسة العلمية لا تقتصر على الفرنسيين بل تكرم بعضويتها الكاملة غير الفرنسيين ومن بين أعضائها الشاعر السينغالي الراحل ليوبولد سيدار سنغور رئيس أول جمهورية سينغالية والكاتب البريطاني جراهام غرين والكاتب اللبناني العربي أمين معلوف والكاتبة الجزائرية أسية جبار لا فرق لديهم بين فرنسي وأعجمي إلا بخدمة الثقافة الفرنسية وإشعاعها.
والحقيقة لم أذكر هذا المثال الراقي والحضاري من تكريم الأمم الحرة لمفكريها إلا حين عادت بي الذكرى إلى شهر مارس من عام 1973، حينها كنت عضوا بالهيئة المديرة لاتحاد الكتاب التونسيين وعقدنا المؤتمر الثامن للأدباء العرب في تونس، وحل بيننا ضيوف من أشهر أقطاب الفكر والأدب العربيين منهم عمالقة مصر من أمثال الشاعر صالح جودت والشاعر أحمد رامي والكاتب عزيز أباظة رحمهم الله وغيرهم. وأذكر أحاديث شيقة متعني الله بها مع هذه النخبة حول منزلة الأدب في العالم العربي، حين قال لي طيب الذكر أحمد رامي صاحب الروائع التي أنشدتها أم كلثوم: "دا أنا يا ابني لم ترحمني الإدارة إلى يوم حصولي على المعاش، حيث واصلت القيام بوظيفتي إلى بلوغ سن التقاعد". وأردت التخفيف على الشاعر العبقري فقلت له: "حتى الروائع التي كتبها قلمك الفذ وغنتها أم كلثوم لم تشفع لك". وأضاف عزيز أباظة: "ونجيب محفوظ الشيء نفسه وهو أكبر روائي عربي" (ولم يكن في ذلك العهد حصل بعد على جائزة نوبل) عاش موظفا بإحدى الوزارات ولم تعتق رقبته إلا عند التقاعد.. ولا فائدة من ذكر الأمثلة العربية لأن كلا من القراء الأفاضل لديه مثال في نكران العرب وبعض حكوماتنا للنخبة التي تصون اللغة وتحمي ثغور الحضارة وتوجه العقول وتنير الطريق هذا إذا نجا المثقفون من السجون والمنافي!
ومن اللحظات المأساوية التي لن تمحى من ذاكرتي لحظة تفاجأت في سوق (ماركس دورموا) بباريس في شتاء عام 1978 بأحد أفضل كتاب ومثقفي المغرب العربي المنفيين ماسكا بمعطفه يعرضه للبيع على المارة، وقد اضطرته الحياة القاسية لإحدى المصيبتين: الصقيع أو الجوع، ولم يكن يتقن لعبة النفاق ليكتب بالمقابل ولم يكن تاجر مخدرات ليتمعش. ولله الأمر من قبل ومن بعد.
من برجي نيويورك إلى مضيق هرمز.. 25 عاماً من صناعة الخوف وسوء الفهم
في الحادي عشر من سبتمبر 2001 لم يسقط في نيويورك برجا مركز التجارة العالمي فحسب، بل سقطت أيضاً... اقرأ المزيد
258
| 11 سبتمبر 2026
عودة وساطة الخير والسلام القطرية
عندما كنت بصدد تحرير مقالي واخترت عنوانه فوجئت كما فوجئتم جميعا بعودة الاشتباكات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران... اقرأ المزيد
168
| 04 سبتمبر 2026
الغرب المنتقل من حكم القانون إلى الشعبوية (1)
الشعبوية بطبعها مناقضة للأمن والسلام وجلابة للعنف بين الدول وهو ما يجرنا للإشارة الى جهود دولة قطر بتوجيه... اقرأ المزيد
297
| 27 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4311
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
2586
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1173
| 28 سبتمبر 2026