رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
رغم كل المعارك القتالية الدائرة على صعيد اليمن الشقيق، ورغم كل الخسائر المادية التي لحقت بأهلنا في اليمن، إلا أن فجرا عربيا قد بزغ من هناك في يوم الـ26 من مارس من هذا العام.
نور ذلك الفجر، كان القرار الشجاع الذي اتخذه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود ببدء الحملة العسكرية على الطغاة (الحوثي وعلي المخلوع) اللذين قادا اليمن إلى ما نحن فيه اليوم، سيسجل التاريخ المعاصر للعاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز بأنه ملك العزم والحسم.
(2)
إن قرار الحرب على البغاة، صالح والحوثي، أثبت مكانة المملكة العربية السعودية، عربيا ودوليا، بأنها قادرة على جمع تحالف دولي لمواجهة كل باغ متربص بأمن وسلامة الخليج العربي وأخص المملكة العربية السعودية.
لقد راح بعض أصحاب الأهواء السياسية في وطننا العربي يرددون بأن المملكة السعودية منحرفة نحو السلبية والجمود وأنها غير قادرة على تفعيل قوتها العسكرية التي بين يديها وأنها تعتمد على الولايات المتحدة الأمريكية في تسيير أمورها الأمنية، لأنها لا تثق في جيشها ولا قادتها العسكريين وأن عسكرها فقط للتشريفات الملكية لا غير.
لقد سقطت تلك المقولة عمليا وأثبت الطيارون السعوديون وإخوانهم من دول مجلس التعاون أنهم صف واحد في الأزمات التي تمس أمن دولهم وسيادتها.
اليوم أثبتت القيادة العسكرية السعودية أنها قوة وطنية عقيدتها حماية الوطن من كل من تسول له نفسه المساس بأمن وسلامة المملكة وقيادتها السياسية.
لليوم الخامس على التوالي لم تلحق بقوى التحالف الجوية التي تجوب الأجواء الحربية أي خسائر مادية، وإذا استثنينا سقوط طائرة في البحر الأحمر حتى ولو فرضا بنيران معادية، إلا أن ذلك لا يحسب في الحسابات العسكرية خسارة يعتد بها. وعلى ذلك يمكن القول إن هناك قيادة ماهرة مدربة على خوض حروب حاضرة ومستقبلية، نسأل الله أن يجنب هذه المنطقة ويلات الحروب.
(3)
رغم كل الاتفاقات الأمنية والدفاعية المعقودة بين دول مجلس التعاون، منفردة أو مجتمعة، مع قوى دولية أخرى، مثل (الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا وفرنسا وغيرها من الدول الكبرى)، إلا أن تلك الاتفاقيات والمعاهدات لم يطلب منها أن تطرح مطرح التنفيذ في هذه الأزمة، لقد كان القرار سعوديا / خليجيا اتخذ بسرية كاملة، وأبلغت تلك الدول الغربية الحليفة بالقرار لحظة تنفيذ العملية العسكرية ضد (جيش علي المخلوع وحليفه الحوثي ومليشياته) ولم يكن قبلها، وذلك إعلان بأن قادتنا يملكون الإرادة السياسية لا اتخاذ قرار السلم والحرب، ونظرا لمكانة المملكة العربية السعودية فقد نالت التأييد العربي والإسلامي والدولي.
(4)
لا يفوتنا أن أشيد بموقف القيادة التركية من هذه الأزمة والوقوف إلى جانب دول مجلس التعاون، معلنة تأييدها "لعملية عاصفة الحزم".
لقد حمل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إيران في خطاب متلفز المسؤولية الكاملة عن العبث الذي تقوم به في الشرق الأوسط، خاصة في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وطالبها علانية أمام الرأي العام بوقف تدخلاتها في الشؤون الداخلية لتلك الدول.
إنه موقف مشرف نحتفظ بالجميل للسيد أردوغان رئيس الجمهورية التركية وللشعب التركي على تلك المواقف الشجاعة.
(5)
نتابع بقلق بالغ ما تتناقله بعض وسائل الإعلام العربية والدولية بأن قوات صالح والحوثي احتلت مطار عدن للمرة الثالثة وآخرها بالأمس الإثنين، وكذلك معسكر (بدر) المجاور للمطار، كما تشير المعلومات الميدانية المؤكدة إلى أن جميع قوات المقاومة الموالية للشرعية اليمنية قد انسحبت من مسرح المطار وكذلك السكان المحيطين به، ليفسحوا المجال لقوات التحالف الجوية بتدمير المطار بما حوله على رؤوس من فيه من أتباع الحوثي والمخلوع صالح، كما أن قوات حوثية تتواجد بشكل كثيف في منطقة برية اسمها (بير النعامة) تبعد عن مدينة عدن قرابة الخمسين كيلو مترا باتجاه باب المندب ــ الصبيحة.
كما توجد أرتال عسكرية، دبابات ومدرعات وحاملات جند في (مزرعة غازي) بالمدينة الخضراء، والطريق الممتد بين المدينة الخضراء والشارع الرئيسي المؤدي إلى لحج، وهناك قوات متقدمة نحو عدن في منطقة اللحوم أي (خط عدن ــ تعز) وهذه المزرعة تعتبر غرفة عمليات الحوثيين وعلي المخلوع، فلابد من تدميرها بمن فيها.
كما تشير المعلومات الموثقة إلى أن معسكر اللواء 33 داخل مدينة الضالع بجوار مستشفى السلام وسط المدينة لم تمسه طائرات التحالف، أي أنه لم يضرب، وهو يعتبر المعسكر الرئيسي وسط المدينة والقائد ضبعان يتواجد في ذلك المعسكر.
وتشير المعلومات الميدانية إلى أن اللواء 15 ميكانيكي مشاة، متواجد في أبين جنوب شرق مدينة زنجبار على بعد 3 إلى 5 كيلو مترات ويتخذه الحوثيون مركز تجمع لقواتهم وقاعدة خلفية للإمداد والتموين للقوات المتقدمة من (أبين إلى عدن).
السؤال، لماذا لا يحسم أمر مطار عدن والمعسكرات في الضالع وما حولها وكذلك بعض المعسكرات المتواجدة في جنوب اليمن مرة وإلى الأبد؟.
الحرب لابد أن يكون فيها ضحايا من المدنيين وغيرهم، لكن نتمنى أن تكون في الحدود الدنيا.
إن إستراتيجية صالح المخلوع والحوثي هي الاحتماء بالمدن وعلى ذلك لابد من إسناد القوى المحاربة اليمنية المؤيدة للشرعية تحت غطاء جوي وصاروخي لملاحقة العابثين بأمن اليمن الشقيق قبل أن يستفحل الأمر.
آخر القول: أتمنى ألا تتحول الحرب الجوية إلى حرب استنزاف تشغل قوات التحالف عن الهدف المقصود وهو تطهير اليمن من صالح المخلوع وجنده وكذلك الحوثي ومليشياته المؤيدة من إيران.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4233
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3144
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1095
| 28 سبتمبر 2026