رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم يمرّ كأس العالم قطر 2022 دونَ أن يُذكّرنا بوجود اختلافات كثيرة بين اعتزازنا بقيمنا وبانتمائنا العربي الإسلامي وبين انتصار آخرين، على قلّتهم، إلى أفكار لا تقبلها ثقافات شتّى في العالم. وبدت مواقف بعض الجهات من قضايا زائفة تجعلنا نفكّر منذ المونديال وإلى الآن في ضرورة أن نقدّم للعالم هويّتنا وثقافتنا من منظورنا وليس من منظور أولئك الذين ظلّت فيهم آفات الفكر الاستعماري معمّرة في عقولهم إلى أيّامنا. لذلك كنتُ حريصا في فترة المونديال وبعده على الدّعوة إلى توثيق كلّ شيء، لأنّنا حين نوثّق فإنّما نفعل ذلك بمنظورنا للحياة وبثقافتنا الأصيلة وبرؤيتنا لعلاقتنا مع الثقافات الأخرى، بينما لو وثّق الآخرون حاضرنا فإنّهم لاشكّ سيسبغون عليه الكثير من نظرتهم وأفكارهم. وما أحوجنا إلى أن ندرك أنّ التوثيق ليس مجرّد حصر كتابي أو بصري لما حدث، وإنّما جمع كلّ الوثائق وتقديمها من زاويتنا، إذ علينا أن نعتبر من تاريخنا العربي حين كانت الوقائع تُقدَّم من زاوية الآخرين، فيُظلم أجدادنا فضلا عن ثقافتنا وحضارتنا وتُشوّه صورتنا.
لننظر في ذلك التناول الذكي للروائي أمين معلوف في كتابه "الحروب الصليبيّة كما رآها العرب" حين عاد إلى وثائق الإخباريين العرب ليواجه بها ما راج من "الحقائق" عن تفاصيل مائتي سنة من الصراع بين الفرنجة والعرب المسلمين، والمدهش في السرديّة التاريخيّة التي أنشأها معلوف إشارته الأولى والمربكة إلى أنّ الإخباريين العرب لم يستخدموا مصطلح "الحروب الصليبيّة"، بل استخدموا عبارات مثل" حروب الفرنجة" أو "غزوات" ولكنّ الغرب اصطنع هذا المصطلح ليحوّل مجرى العلاقة بين العرب وبينه إلى صدام "ديني"! لذلك يبيّن معلوف غايته من الكتاب قائلاً: " الحقّ أنّ ما أردنا أن نقدّمه ليس كتاب تاريخ آخر بقدر ما هو، انطلاقا من وجهة نظر أهملت حتّى الآن، "رواية حقيقيّة" عن الحروب الصليبيّة وعن هذين القرنين المضطربين اللذين صنعا الغرب والعالم العربي ولا يزالان يحدّدان حتّى اليوم علاقاتهما."
ولئن عاد معلوف إلى استخراج وثائق القُدامى لـ"تصحيح" التاريخ، فإننا اليوم لن ننتظر مرور سنوات وقرون لتتبنّى أجيالنا القادمة "تاريخنا الحاضر" برواية الآخرين، ألسنا أولى بتوثيق "روايتنا" لتاريخنا. ذلك هو الهدف الأساسي من رهان التوثيق، إنّه مطلبُ أجيال عربيّة عاشت لعقود تواجه صورة حضارتنا من زاوية الغرب. ولا أعتقد أنّ توثيق حدث تاريخي هام مثل المونديال هو شأنٌ غربيّ، ولكنّه شأنٌ يَخصّنا قبل غيرنا. إنّنا نوثّق الوقائع انطلاقا ممّا عشناهُ، وهذا المبدأ الأساسي في التوثيق هو منطلق علمي أيضا لما يسمّى في الدراسات التاريخيّة بـ"تاريخ الزمن الراهن"، حيثُ عاد المؤرّخون إلى تناول التجربة المعاصرة، بما فيها من مادّة متحرّكة وذاكرة حيّة، تقوم على مراقبة "الشّهود" لما جرى في فترة يكون فيها الماضي قريبا من الحاضر، وهو بتعبير موجز "تاريخ الماضي القريب" الذي كنّا نحن جزءا من الشهود عليه، قبل انقضائه.
نقف أمام تاريخنا الراهن موقف الشّهود، حتّى لا نتلقّف الوعي به عن طريق الآخرين، لقد تأذّت حضارتنا العربيّة طويلاً من حركة الاستشراق التي وثّقت تراثنا و"حقَّقته"، فالاستشراق له استراتيجيّة معلومة، أسهب إدوارد سعيد في فضحها، حين اعتبر أنّ الغرب لا يرى نفسه غير "اليد العليا" التي لها فضل على العرب، وأنّ الحركة الاستشراقيّة مرتبطة بالنزعة الاستعمارية من ناحية وبالعنصريّة من ناحية أخرى. ورغم ذلك فإنّنا لا نستطيع أن نتجاهل الأثر الإيجابي للمستشرقين، فقد نفضوا الغبار عن مئات المخطوطات وقاموا بالضبط البيبلوغرافي للمخطوطات العربيّة وأصدروا فهارس لأبرز المخطوطات العربيّة الموجودة في خزائن المكتبات الأوروبية، ودرسوا مصادر التراث العربي فصنّفوه وحصروه ووثّقوه، ولكنّ هذه الإسهامات التي وجدنا أثرها منذ أواخر القرن الثاني عشر الميلادي جديرة بأن تراجع من منظورنا العربي، كما أنّه لا يفوتنا أنّ تلك "الجهود الاستشراقيّة" أفادت كثيرا الأهداف الدينيّة والعسكريّة والتوسّعيّة للدّول الغربيّة، لذلك نجدّد القول بخطورة التوثيق وأهدافه وفي المسالك التي تتحكّم فيه أحيانًا. وبالنظر إلى ذلك الإرث الهائل من تراث المخطوطات الذي حققه المستشرقون، علينا أن ننتبه إلى مسألة في غاية الأهمية، وهي متعلّقة بمناهج التحقيق، حيثُ تأثّرت مناهجهم بما رافق نقدهم للنصوص الكلاسيكيّة اللاتينيّة القديمة، حيثُ ساد التشكيك فيها، فتمّ التعامل مع التراث العربي من نفس الزاوية، ولذلك كثرت المقاربات النقديّة له دون مراعاة لأصول التدوين لدى العرب، وقد أريق حبر كثير حول عمليات النقد والشك والتحريف لمصادر تراثيّة، وانتقل ذلك الهاجس إلى عدد من الباحثين والكتاب العرب بفعل أثر الحركة الاستشراقيّة، وبات من الضّروري التخلّص من النظرة الاستشراقيّة إلى تراثنا، بوضع منهج أصيل يُستمدُّ من معايير التدوين والتوثيق العربي.
ولاشكّ فإنّ الاهتمام بالمخطوطات وحفظها هو جزء من الوعي التوثيقي، وفي هذا السياق سعت مكتبة قطر الوطنيّة إلى القيام بهذه المسؤولية التاريخيّة والمجتمعيّة، ذلك أنّها منذ تأسيسها وهي تعمل على الحفاظ على التراث العربي الإسلامي باعتباره من أهم ركائز رسالتها، وقد ساهمت مجهودات المؤمنين بهذه الرسالة في تزويد المكتبة بمخطوطات ومصادر نادرة كانت نواة أساسيّة للمجموعة التراثيّة التي اشتملت على آلاف المخطوطات العربيّة الإسلامية وانخرط ذلك المسعى في تقليد عُرف به القطريون منذ عقود حين كان حكّام قطر والميسورون يهتمون بالمخطوطات ويقتنونها، فكان الشيخ جاسم بن محمد آل ثاني مؤسس الدولة يعتني بالمخطوطات وينفق في طباعتها لتوفيرها لطلاّب العلم في مختلف الدول العربيّة، وعلى نهجه سار ابنه الشيخ عبد الله بن جاسم آل ثاني عندما أوقف بعض المخطوطات وكذلك الشيخ علي بن عبد الله آل ثاني الذي عرف بشغفه بالعلم والكتاب وأوقف كتبه في دار الكتب القطريّة وفي مكتبة قطر بالأحساء، وخلق هذا التوجّه الثقافي بيئة مناسبة للاهتمام بالمخطوطات لدى المثقفين القطريين، فتجد أغلب المكتبات الخاصّة ثريّة بالمخطوطات، وكانوا يسعون في اقتنائها والاستفادة منها، فتكون حديث مجالسهم ونواة لكثير من معارفهم.
وليس من الغريب على مكتبة قطر الوطنيّة أن تحمل هذه المسؤوليّة وأن تقوم بدورها في صيانة المخطوطات بشكل حديث، فالمكتبة التراثيّة تزخرُ بأنفس المخطوطات، والوثائق والخرائط والصّور النادرة. ومن أجل توفير رصيد أكبر من المخطوطات لفائدة القراء والباحثين على السّواء أرست مكتبة قطر الوطنيّة جسرا للتواصل مع المكتبات والأرشيفات والمؤسسات العالميّة للحصول على نسخ رقميّة من الوثائق والمخطوطات، وعرضها في البوّابة الرقميّة التي تعدّ ثمرة شراكات ممتدّة ومتينة في الزّمن مع المكتبة البريطانيّة ومؤسسة قطر، وقد تضمّن مشروع الرقمنة قرابة مليون وثيقة تاريخيّة من الأرشيف البريطاني حول تاريخ المنطقة، وكم يسّرت هذه الوثائق فهمنا لمنطقة الشرق الأوسط، وهي مادّة هامّة للدراسة قد تنقل إلينا منظور الآخر، ولكن إذا كنا على وعي بثقافتنا وتاريخنا فإنّنا ندرسها من زاويتنا وبالمناهج التي تغذّي رؤيتنا ولا تجعلنا غافلين عن إدراك الحقائق فيها. وإذا علمنا أنّ الأرشيف الضّخم المعروف باسم سجلات مكتب الهند يمسح قرابة تسعة أميال من مساحة أرفف المكتبة البريطانيّة، فإنّنا ندرك ما توليه الأمم من أهمية للوثائق.
إنّنا نحتاج إلى التوثيق حاجتنا إلى بناء أرشيف واسع أيضا، لأنّ الذاكرة التاريخيّة تتطلّب وجود هذا الأرشيف، فمن خلاله يستطيع الفرد كما المؤسسات تحويل الذّاكرة إلى قوّة فاعلة في الحاضر، لقد كنت ألاحظ في كلّ أسفاري مدى انتشار ثقافة التوثيق في دول العالم وخاصّة منها الدّول الغربيّة، هناك حيثُ يدرّبون الأطفال منذ صغرهم على توثيق تواريخهم الشّخصيّة من خلال ألبومات الصّور وكتابة المذكرات عن رحلاتهم، وتسجيل أبسط الأشياء اليوميّة، وقس على ذلك ما تفعله المؤسسات من أرشفة تاريخها. فعمليّة التوثيق تُسعفنا أفرادا ومجتمعات من فقدان الذاكرة، وتجعل ماضينا القريب بعد أن يُصنّف في "التراث" مادّة تنتمي إلينا بشتّى المعايير، ويصبح الأرشيف التاريخي بما يغتني به من وثائق شاهدا على كلّ الجوانب الاجتماعيّة والثقافيّة والاقتصاديّة وحتى السياسيّة والإداريّة، فيساهم في حفظ الذاكرة وبناء الوعي التاريخي لكلّ فئات المجتمع بما يعزّز ذاكرتهم الوطنيّة، لذلك فإنّ التوثيق هو جزء من عمل وطني لا تقلّ قيمته عن بناء وسائل التقدّم في المجتمع، فلا يُمكن للشّعوب أن تعيش دون ذاكرة.
وقد حرصت خلال مسيرتي العمليّة أن تكون مؤلفاتي نوعا من التوثيق لمسيرة حياتي، إذ أنّ كلّ كتاب هو نوع من التوثيق لفترة من حياتي. فكثيرًا ما عُنيت بأدب الرّحلات لما له من قيمة توثيقيّة، واعتبرتُ حياة الإنسان أشبه برحلة، وما عليه إلاّ أن يترك أثرًا فيها فيسجّل ما يراه صالحا للتوثيق لفائدته على نفسه وعلى النّاس، واعتبرتُ أنّ سعي العرب إلى توثيق رحلاتهم أسعفنا كثيرًا من انفراد الروايات الغربيّة عن بلداننا وعن الشعوب الأخرى، فمنذ نهاية القرن التاسع الميلادي بدأت الرحلات العربيّة مع المسعودي في نقل الحقائق الجغرافيّة والتاريخيّة وأنماط عيش الشعوب وعاداتهم وتقاليدهم، من خلال التجارب والمشاهدات، ومن أجلّ ما وصلنا كتاب "مروج الذهب ومعادن الجوهر" الذي جمع بين التاريخ والجغرافيا والسياسة، وكان القرن الثاني عشر الميلادي من أكثر القرون تسجيلاً للرحلات، فعرفنا فيه رحلة ابن جبير الأندلسي ورحلة ابن بطوطة التي سمّاها بـ"تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار" وقدّم فيها صورة شاملة عن العالم الإسلامي في القرن الثامن الهجري، واستمرّت الرحلات إلى عصرنا الراهن مرورا بعصر "النهضة العربيّة"، فمن يقدر أن يتجاهل رحلة رفاعة رافع الطهطاوي التي سجّل تفاصيلها في كتابه "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" فبيّنت ما بلغه الغرب من تقدّم في نهايات القرن التاسع عشر، وأثر ما سجّله على حركة الفكر والأدب في أجيال العرب. إنّنا لا نستطيع أن ننفي الدور الكبير الذي ساهم فيه أدب الرحلات لنقل منظورنا العربي الإسلامي للآخر ولطبيعة تفكيرنا وتلقينا للحضارة الإنسانية في فترات تاريخيّة مختلفة، ولذلك فإنّ تلك الرحلات إنّما هي وثائق صاغها العرب من زاوية تفكيرهم وانطلاقا من ثقافتهم ورؤيتهم للعالم.
وقد كنتُ على وعي مبكّر بكلّ هذه الأبعاد العميقة لأدب الترحال ولأهمية التوثيق حيثما حللتُ، فقد سمحت لي مسؤوليّاتي الدبلوماسيّة حين عملت سفيرًا لبلدي في أكثر من دولة على أن أطّلع على ثقافات الشّعوب وأن أوثّق فيما كتبتُ للقضايا الكبرى التي شغلتني وشغلت الثقافة العربيّة، فكتابي "جدل المعارك والتسويات: الحرب الخليجيّة الأولى ومجلس الأمن"، هو إلى حدّ ما توثيق للموضوع الذي شغلني مع زملائي سفراء دول الخليج العربي أثناء عملي مندوبا لبلادي في الأمم المتّحدة بنيويورك حول تعامل مجلس الأمن مع الحرب الإيرانيّة العراقيّة.
وفي كتابي "على قدر أهل العزم" وثّقتُ لعملي كوزير للإعلام وبعدها للثقافة والتراث والفنون، وليس أدلّ على ذلك ما عمدتُ إلى توثيقه عن فعالية "الدوحة عاصمة للثقافة العربيّة عام 2010"، ذلك الحدث الذي حوّل الدوحة إلى مركز إشعاع ثقافي عربي. كما وثّقت للحواضر الثقافيّة في العالم العربي، التي عشت فيها ومن بينها القاهرة، وبيروت، وسجلتُ ملاحظاتي عن المتاحف التي عرفتها ومنها "متحف اللوفر" و"متحف الميتروبوليتان"، و"متحف الفن الإسلامي"، و"متحف قطر الوطني"، وهي أعمال توثيقيّة رافقتها آرائي ومواقفي الفكريّة. أمّا كتابيَّ ""وظلم ذوي القُربى"، و"جسور لا أسوار" فهما توثيق دقيق لترشحي ومسيرتي نحو رئاسة اليونسكو وما واجهته من تحديات خلال هذه المسيرة، ولا شكّ فإنّ ما فيهما من معطيات توثيقيّة ستسهم في تقديم تلك التجربة من زاوية العرب وليس من زاوية "الإعلام الغربي"، فقد سارعتُ إلى توثيقها حتّى لا يمرّ الزمن عن تفاصيلها فيغمر النسيان بعضًا منها، فالحاجة إلى الذّاكرة أمر لا محيد عنهُ، وكم نحن في حاجةٍ إلى تسجيل تجاربنا الخاصّة التي لها علاقة مباشرة بالوطن وبالقضايا التي تعيشها المجتمعات العربيّة، فقد كنت أيّامها صوتا للمثقفين العرب الذين عانوا طويلا من إقصاء المتشدّقين بحقوق الإنسان وبالتنوع الثقافي وبالتساوي بين الشّعوب.
واستمرّ عملي التوثيقي في كتابي"مسافر زاده الجمالُ" فسجّلت فيه ما جادت به القريحة في لحظات ملهمة وثّقتها التكنولوجيا، فاستوعب الأنستغرام النصوص القصيرة، بالإضافة إلى الصور بشأن موضوعات كثيرة منها الشخصيات التي عرفتها وصنعت جزءا من تاريخ أوطانها، وزياراتي للبلدان ولقاءاتي بمثقفيها وقادتها وكبار المسؤولين فيها، كلّ شيء موثّق بالنص والصّورة ليبقى أثرا للأجيال، وإننّي لأحثّ صانعي الأحداث على التوثيق الشّخصي لمساهماتهم لما في ذلك من نفع لمجتمعاتهم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في مقالي هذا، سأركز على موقفين مفصليين من نهائي كأس الأمم الإفريقية الذي جمع بين منتخب المغرب ومنتخب السنغال. مباراة كان من المفترض أن تعكس روح التنافس والاحتكام للقوانين، لكنها شهدت أحداثًا وأجواءً أثارت الاستغراب والجدل، ووضعت علامات استفهام حول سلوك بعض المسؤولين واللاعبين، وما إذا كانت المباراة حقًا تعكس الروح الرياضية التي يفترض أن تحكم مثل هذا الحدث القاري المهم. الموقف الأول يتعلق بتصرف مدرب منتخب السنغال، بابي ثياو، حين طلب من لاعبيه الانسحاب. هذا السلوك يثير علامات استفهام عديدة، ويُفهم على أنه تجاوز للحدود الأساسية للروح الرياضية وعدم احترام لقرارات الحكم مهما كانت صعبة أو مثيرة للجدل. فالمدرب، قبل أن يكون فنيًا، هو قائد مسؤول عن توجيه لاعبيه وامتصاص التوتر، وليس دفع الفريق نحو الفوضى. كان الأجدر به أن يترك الاعتراض للمسارات الرسمية، ويدرك أن قيمة الحدث أكبر من رد فعل لحظي قد يسيء لصورة الفريق والبطولة معًا. الموقف الثاني يتعلق بضربة الجزاء الضائعة من إبراهيم دياز. هذه اللحظة فتحت باب التساؤلات على مصراعيه. هل كان هناك تفاهم صامت بين المنتخبين لجعل ضربة الجزاء تتحول إلى مجرد إجراء شكلي لاستكمال المباراة؟ لماذا غابت فرحة لاعبي السنغال بعد التصدي؟ ولماذا نُفذت الركلة بطريقة غريبة من لاعب يُعد من أبرز نجوم البطولة وهدافها؟ برود اللحظة وردود الفعل غير المعتادة أربكا المتابعين، وترك أكثر من علامة استفهام دون إجابة واضحة، مما جعل هذه اللحظة محاطة بالشكوك. ومع ذلك، لا يمكن القول إن اللقب ذهب لمن لا يستحقه، فمنتخب السنغال بلغ النهائي بجدارة، وقدم مستويات جيدة طوال مشوار البطولة. لكن الحقيقة التي يصعب تجاهلها هي أن المغرب أثبت أنه الأجدر والأقرب للتتويج بما أظهره من أداء مقنع وروح جماعية وإصرار حتى اللحظات الأخيرة. هذا الجيل المغربي أثبت أنه قادر على تحقيق إنجازات تاريخية، ويستحق التقدير والثناء، حتى وسط لحظات الالتباس والجدل. ويحسب للمنتخب السنغالي، قبل النتيجة، الموقف الرجولي لقائده ساديو ماني، الذي أصر على عودة زملائه إلى أرض الملعب واستكمال المباراة. هذا القرار جسد معنى القائد الحقيقي الذي يعلو باللعبة فوق الانفعال، ويُعيد لكرة القدم وجهها النبيل، مؤكدًا أن الالتزام بالقيم الرياضية أحيانًا أهم من النتيجة نفسها. كلمة أخيرة: يا جماهير المغرب الوفية، دموعكم اليوم تعكس حبكم العميق لمنتخب بلادكم ووقوفكم معه حتى اللحظة الأخيرة يملؤنا فخرًا. لا تحزنوا، فالمستقبل يحمل النجاح الذي تستحقونه، وستظلون دائمًا مصدر الإلهام والأمل لمنتخبكم.
3924
| 20 يناير 2026
بين فرحة الشارع المغربي وحسرة خسارة المنتخب المصري أمام السنغال، جاءت ليلة نصف النهائي لتؤكد أن كرة القدم لا تعترف إلا بالعطاء والقتال على أرض الملعب. قدمت مصر أداءً مشرفًا وأظهرت روحًا قتالية عالية، بينما كتب المغرب فصولًا جديدة من مسيرته القارية، مؤكدًا تأهله إلى النهائي بعد مواجهة ماراثونية مع نيجيريا امتدت إلى الأشواط الإضافية وحسمت بركلات الترجيح. المباراة حملت طابعًا تكتيكيًا معقدًا، اتسم بسرعة الإيقاع والالتحامات القوية، حيث فرض الطرفان ضغطًا متواصلًا طوال 120 دقيقة. المنتخب المغربي تعامل مع هذا الإيقاع بذكاء، فحافظ على تماسكه وتحكم في فترات الضغط العالي دون ارتباك. لم يكن التفوق المغربي قائمًا على الاستحواذ وحده، بل على إدارة التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق في المباريات الكبرى. تجلّى هذا التوازن في الجمع بين التنظيم الدفاعي والقدرة على الهجوم المنظم. لم يغامر المغرب دون حساب، ولم يتراجع بما يفقده زمام المبادرة. أغلق اللاعبون المساحات وحدّوا من خطورة نيجيريا، وفي المقابل استثمروا فترات امتلاك الكرة لبناء الهجمات بهدوء وصناعة الفرص، ما منحهم أفضلية ذهنية امتدت حتى ركلات الجزاء. في لحظة الحسم، تألق ياسين بونو، الذي تصدى لركلتي جزاء حاسمتين بتركيز وثقة، وهو ما منح المغرب بطاقة العبور إلى النهائي وأثبت حضوره في اللحظات المصيرية. على الصعيد الفني، يواصل وليد الركراكي تقديم نموذج المدرب القارئ للمباريات بإدارة متقنة، ما يعكس مشروعًا قائمًا على الانضباط والواقعية الإيجابية. هذا الأسلوب أسهم في تناغم الفريق، حيث أضاف إبراهيم دياز لمسات فنية ومهارات فردية ساعدت على تنويع الهجمات وصناعة الفرص، بينما برز أشرف حكيمي كقائد ميداني يجمع بين الصلابة والانضباط، مانحًا الفريق القدرة على مواجهة أصعب اللحظات بثقة وهدوء، وخلق الانسجام التكتيكي الذي ساعد المغرب على التقدم نحو ركلات الجزاء بأفضلية ذهنية واضحة. ولا يمكن فصل هذا الإنجاز عن الجمهور المغربي، الذي شكّل سندًا نفسيًا هائلًا، محولًا المدرجات إلى مصدر طاقة ودافع مستمر. كلمة أخيرة: الآن يستعد المغرب لمواجهة السنغال في النهائي، اختبار أخير لنضج هذا المنتخب وقدرته على تحويل الأداء المتزن والطموح المشروع إلى تتويج يليق بطموحات أمة كروية كاملة.
1461
| 16 يناير 2026
لا تأتي القناعات الكبرى دائماً من التقارير الرسمية أو الأرقام المجردة، بل كثيراً ما تتشكل من مشهد عابر، أو جملة قيلت بعفوية، أو انطباع صادق خرج من قلب تجربة حقيقية. وأنا أتابع مؤخراً أحد المقاطع المتداولة لسيدة خليجية تتحدث مع صديقتها، لم أجد إعلاناً سياحياً، ولا لغة ترويجية، بل وجدت دهشة صادقة وهي تكرر (في قطر شيء مختلف) جميلة، مناسبة، ومريحة. توقفت عند هذه العبارة طويلاً واستوقفني المقطع رغم بساطته، لأنها اختصرت ما تسعى إليه المدن حين تبحث عن مكان لها في ذاكرة زوارها. من هنا يبرز السؤال المشروع: هل الدوحة فعلاً الوجهة المناسبة للعائلة الخليجية؟ أم أننا أمام حالة عاطفية مؤقتة؟ الإجابة في تقديري تتجاوز الانطباع الفردي، وتتأسس على مسار واضح من العمل والرؤية. تصريح سعادة السيد سعد بن علي الخرجي، رئيس قطر للسياحة ورئيس مجلس إدارة Visit Qatar، على هامش أعمال ملتقى الاتصال الحكومي يؤكد أن فوز الدوحة بلقب عاصمة السياحة الخليجية لم يكن محض تكريم رمزي، بل اعتراف بجهد ممنهج استهدف تصميم تجربة سياحية تنسجم مع طبيعة المجتمع الخليجي. وحين تشير الإحصاءات إلى أن 35 بالمئة من زوار دولة قطر في عام 2025 هم من دول مجلس التعاون، فإننا أمام مؤشر واضح على مستوى القبول والثقة التي تحظى بها الدوحة لدى العائلة الخليجية. مدينة الدوحة لا تسعى لأن تكون مدينة صاخبة أو وجهة ترفيهية منفصلة عن محيطها الاجتماعي، بل تقدم نفسها كمساحة متوازنة، يشعر فيها الزائر بالألفة دون أن يفقد عنصر الاكتشاف. هذا الإحساس بالراحة لا يُفرض، بل يتشكل تدريجياً من خلال التفاصيل اليومية، وسهولة الحركة، وطبيعة التعامل، وغياب التوتر. ولعل أكثر ما يلفت في التجربة القطرية هو عامل الأمن والاستقرار، الذي لا يُطرح كشعار، بل يُمارس كواقع. فحين تكون المدينة آمنة، فإن العائلة تتحرك بثقة، وتستمتع دون قلق، وتعود بذاكرة إيجابية. وقد أكد رئيس قطر للسياحة أن دولة قطر تُعد من أكثر دول العالم أمناً، وهو عنصر لا يمكن فصله عن قرار السفر، خاصة في ظل التحولات الإقليمية والدولية. وفي المشهد الحضري، نجحت الدوحة في تحقيق معادلة صعبة، تقوم على التحديث دون اقتلاع الجذور. فالأسواق التقليدية، وفي مقدمتها سوق واقف، لا تزال حاضرة كفضاء حي، لا مجرد معلم للزيارة. وإلى جانب ذلك، برزت المتاحف في قطر كعنصر جذب ثقافي مهم، بما تحمله من تنوع في المضامين والرسائل، حيث لا تكتفي بعرض التاريخ، بل تفتح نوافذ على الهوية، المعرفة، الفكر، والتفاعل مع العالم. هذا التنوع الثقافي يمنح العائلة الخليجية، كما السائح الدولي، تجربة معرفية تكمّل الجانب الترفيهي وتمنحه عمقاً. ولا يمكن تجاهل دور المواسم والفعاليات التي صُممت بروح عائلية، سواء تلك المرتبطة بالتراث، أو الفعاليات الغذائية ذات الطابع المحلي، أو البرامج الرمضانية التي تعكس خصوصية المجتمع القطري. هذه الأنشطة لا تبدو مفروضة على المكان، بل نابعة منه، ما يعزز شعور الزائر بأنه جزء من المشهد لا مجرد عابر فيه. من زاوية أوسع تبدو السياحة في قطر جزءاً من رؤية أشمل للأمن الوطني بمفهومه المتكامل. فالدولة التي تنجح في بناء صورة ذهنية إيجابية، واستقطاب الزوار في بيئة منظمة، وتحويلهم إلى رواة للتجربة، إنما تعزز استقرارها، وتدعم اقتصادها، وتكرس قوتها الناعمة. السياحة هنا ليست قطاعاً خدمياً فقط بل أداة لبناء الثقة داخلياً وخارجياً. اللافت أن كثيراً من الترويج لدولة قطر اليوم لا يأتي من الإعلانات الرسمية فقط، بل من أصوات الزوار أنفسهم. تلك المقاطع العابرة والرسائل العفوية، والنصائح التي يتبادلها السياح الخليجيون فيما بينهم، تحمل أثراً أعمق من أي حملة منظمة. وهي بالنسبة لنا لحظات تستوقفنا، وتبعث فينا شعوراً بالاعتزاز والفخر، لأن الدوحة لم تعد مجرد خيار محتمل، بل وجهة يُدافع عنها ويُوصى بها. في ضوء ذلك، أجد أن السؤال لم يعد هل الدوحة مناسبة للعائلة الخليجية؟ بل أصبح: كيف نجحت الدوحة في أن تكون كذلك دون أن تتنازل عن هويتها؟ الإجابة تكمن في التوازن بين الأمن والخصوصية، وبين الحداثة والأصالة، وبين التخطيط والروح الإنسانية التي يشعر بها الزائر قبل أن يراها. وهكذا، تثبت الدوحة أنها ليست محطة عابرة في خريطة السياحة الخليجية، بل وجهة حقيقية، وذاكرة جميلة، وخيار صحيح للعائلة الخليجية والعربية الباحثة عن تجربة تجمع الراحة والهوية.
714
| 16 يناير 2026