رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم يمرّ كأس العالم قطر 2022 دونَ أن يُذكّرنا بوجود اختلافات كثيرة بين اعتزازنا بقيمنا وبانتمائنا العربي الإسلامي وبين انتصار آخرين، على قلّتهم، إلى أفكار لا تقبلها ثقافات شتّى في العالم. وبدت مواقف بعض الجهات من قضايا زائفة تجعلنا نفكّر منذ المونديال وإلى الآن في ضرورة أن نقدّم للعالم هويّتنا وثقافتنا من منظورنا وليس من منظور أولئك الذين ظلّت فيهم آفات الفكر الاستعماري معمّرة في عقولهم إلى أيّامنا. لذلك كنتُ حريصا في فترة المونديال وبعده على الدّعوة إلى توثيق كلّ شيء، لأنّنا حين نوثّق فإنّما نفعل ذلك بمنظورنا للحياة وبثقافتنا الأصيلة وبرؤيتنا لعلاقتنا مع الثقافات الأخرى، بينما لو وثّق الآخرون حاضرنا فإنّهم لاشكّ سيسبغون عليه الكثير من نظرتهم وأفكارهم. وما أحوجنا إلى أن ندرك أنّ التوثيق ليس مجرّد حصر كتابي أو بصري لما حدث، وإنّما جمع كلّ الوثائق وتقديمها من زاويتنا، إذ علينا أن نعتبر من تاريخنا العربي حين كانت الوقائع تُقدَّم من زاوية الآخرين، فيُظلم أجدادنا فضلا عن ثقافتنا وحضارتنا وتُشوّه صورتنا.
لننظر في ذلك التناول الذكي للروائي أمين معلوف في كتابه "الحروب الصليبيّة كما رآها العرب" حين عاد إلى وثائق الإخباريين العرب ليواجه بها ما راج من "الحقائق" عن تفاصيل مائتي سنة من الصراع بين الفرنجة والعرب المسلمين، والمدهش في السرديّة التاريخيّة التي أنشأها معلوف إشارته الأولى والمربكة إلى أنّ الإخباريين العرب لم يستخدموا مصطلح "الحروب الصليبيّة"، بل استخدموا عبارات مثل" حروب الفرنجة" أو "غزوات" ولكنّ الغرب اصطنع هذا المصطلح ليحوّل مجرى العلاقة بين العرب وبينه إلى صدام "ديني"! لذلك يبيّن معلوف غايته من الكتاب قائلاً: " الحقّ أنّ ما أردنا أن نقدّمه ليس كتاب تاريخ آخر بقدر ما هو، انطلاقا من وجهة نظر أهملت حتّى الآن، "رواية حقيقيّة" عن الحروب الصليبيّة وعن هذين القرنين المضطربين اللذين صنعا الغرب والعالم العربي ولا يزالان يحدّدان حتّى اليوم علاقاتهما."
ولئن عاد معلوف إلى استخراج وثائق القُدامى لـ"تصحيح" التاريخ، فإننا اليوم لن ننتظر مرور سنوات وقرون لتتبنّى أجيالنا القادمة "تاريخنا الحاضر" برواية الآخرين، ألسنا أولى بتوثيق "روايتنا" لتاريخنا. ذلك هو الهدف الأساسي من رهان التوثيق، إنّه مطلبُ أجيال عربيّة عاشت لعقود تواجه صورة حضارتنا من زاوية الغرب. ولا أعتقد أنّ توثيق حدث تاريخي هام مثل المونديال هو شأنٌ غربيّ، ولكنّه شأنٌ يَخصّنا قبل غيرنا. إنّنا نوثّق الوقائع انطلاقا ممّا عشناهُ، وهذا المبدأ الأساسي في التوثيق هو منطلق علمي أيضا لما يسمّى في الدراسات التاريخيّة بـ"تاريخ الزمن الراهن"، حيثُ عاد المؤرّخون إلى تناول التجربة المعاصرة، بما فيها من مادّة متحرّكة وذاكرة حيّة، تقوم على مراقبة "الشّهود" لما جرى في فترة يكون فيها الماضي قريبا من الحاضر، وهو بتعبير موجز "تاريخ الماضي القريب" الذي كنّا نحن جزءا من الشهود عليه، قبل انقضائه.
نقف أمام تاريخنا الراهن موقف الشّهود، حتّى لا نتلقّف الوعي به عن طريق الآخرين، لقد تأذّت حضارتنا العربيّة طويلاً من حركة الاستشراق التي وثّقت تراثنا و"حقَّقته"، فالاستشراق له استراتيجيّة معلومة، أسهب إدوارد سعيد في فضحها، حين اعتبر أنّ الغرب لا يرى نفسه غير "اليد العليا" التي لها فضل على العرب، وأنّ الحركة الاستشراقيّة مرتبطة بالنزعة الاستعمارية من ناحية وبالعنصريّة من ناحية أخرى. ورغم ذلك فإنّنا لا نستطيع أن نتجاهل الأثر الإيجابي للمستشرقين، فقد نفضوا الغبار عن مئات المخطوطات وقاموا بالضبط البيبلوغرافي للمخطوطات العربيّة وأصدروا فهارس لأبرز المخطوطات العربيّة الموجودة في خزائن المكتبات الأوروبية، ودرسوا مصادر التراث العربي فصنّفوه وحصروه ووثّقوه، ولكنّ هذه الإسهامات التي وجدنا أثرها منذ أواخر القرن الثاني عشر الميلادي جديرة بأن تراجع من منظورنا العربي، كما أنّه لا يفوتنا أنّ تلك "الجهود الاستشراقيّة" أفادت كثيرا الأهداف الدينيّة والعسكريّة والتوسّعيّة للدّول الغربيّة، لذلك نجدّد القول بخطورة التوثيق وأهدافه وفي المسالك التي تتحكّم فيه أحيانًا. وبالنظر إلى ذلك الإرث الهائل من تراث المخطوطات الذي حققه المستشرقون، علينا أن ننتبه إلى مسألة في غاية الأهمية، وهي متعلّقة بمناهج التحقيق، حيثُ تأثّرت مناهجهم بما رافق نقدهم للنصوص الكلاسيكيّة اللاتينيّة القديمة، حيثُ ساد التشكيك فيها، فتمّ التعامل مع التراث العربي من نفس الزاوية، ولذلك كثرت المقاربات النقديّة له دون مراعاة لأصول التدوين لدى العرب، وقد أريق حبر كثير حول عمليات النقد والشك والتحريف لمصادر تراثيّة، وانتقل ذلك الهاجس إلى عدد من الباحثين والكتاب العرب بفعل أثر الحركة الاستشراقيّة، وبات من الضّروري التخلّص من النظرة الاستشراقيّة إلى تراثنا، بوضع منهج أصيل يُستمدُّ من معايير التدوين والتوثيق العربي.
ولاشكّ فإنّ الاهتمام بالمخطوطات وحفظها هو جزء من الوعي التوثيقي، وفي هذا السياق سعت مكتبة قطر الوطنيّة إلى القيام بهذه المسؤولية التاريخيّة والمجتمعيّة، ذلك أنّها منذ تأسيسها وهي تعمل على الحفاظ على التراث العربي الإسلامي باعتباره من أهم ركائز رسالتها، وقد ساهمت مجهودات المؤمنين بهذه الرسالة في تزويد المكتبة بمخطوطات ومصادر نادرة كانت نواة أساسيّة للمجموعة التراثيّة التي اشتملت على آلاف المخطوطات العربيّة الإسلامية وانخرط ذلك المسعى في تقليد عُرف به القطريون منذ عقود حين كان حكّام قطر والميسورون يهتمون بالمخطوطات ويقتنونها، فكان الشيخ جاسم بن محمد آل ثاني مؤسس الدولة يعتني بالمخطوطات وينفق في طباعتها لتوفيرها لطلاّب العلم في مختلف الدول العربيّة، وعلى نهجه سار ابنه الشيخ عبد الله بن جاسم آل ثاني عندما أوقف بعض المخطوطات وكذلك الشيخ علي بن عبد الله آل ثاني الذي عرف بشغفه بالعلم والكتاب وأوقف كتبه في دار الكتب القطريّة وفي مكتبة قطر بالأحساء، وخلق هذا التوجّه الثقافي بيئة مناسبة للاهتمام بالمخطوطات لدى المثقفين القطريين، فتجد أغلب المكتبات الخاصّة ثريّة بالمخطوطات، وكانوا يسعون في اقتنائها والاستفادة منها، فتكون حديث مجالسهم ونواة لكثير من معارفهم.
وليس من الغريب على مكتبة قطر الوطنيّة أن تحمل هذه المسؤوليّة وأن تقوم بدورها في صيانة المخطوطات بشكل حديث، فالمكتبة التراثيّة تزخرُ بأنفس المخطوطات، والوثائق والخرائط والصّور النادرة. ومن أجل توفير رصيد أكبر من المخطوطات لفائدة القراء والباحثين على السّواء أرست مكتبة قطر الوطنيّة جسرا للتواصل مع المكتبات والأرشيفات والمؤسسات العالميّة للحصول على نسخ رقميّة من الوثائق والمخطوطات، وعرضها في البوّابة الرقميّة التي تعدّ ثمرة شراكات ممتدّة ومتينة في الزّمن مع المكتبة البريطانيّة ومؤسسة قطر، وقد تضمّن مشروع الرقمنة قرابة مليون وثيقة تاريخيّة من الأرشيف البريطاني حول تاريخ المنطقة، وكم يسّرت هذه الوثائق فهمنا لمنطقة الشرق الأوسط، وهي مادّة هامّة للدراسة قد تنقل إلينا منظور الآخر، ولكن إذا كنا على وعي بثقافتنا وتاريخنا فإنّنا ندرسها من زاويتنا وبالمناهج التي تغذّي رؤيتنا ولا تجعلنا غافلين عن إدراك الحقائق فيها. وإذا علمنا أنّ الأرشيف الضّخم المعروف باسم سجلات مكتب الهند يمسح قرابة تسعة أميال من مساحة أرفف المكتبة البريطانيّة، فإنّنا ندرك ما توليه الأمم من أهمية للوثائق.
إنّنا نحتاج إلى التوثيق حاجتنا إلى بناء أرشيف واسع أيضا، لأنّ الذاكرة التاريخيّة تتطلّب وجود هذا الأرشيف، فمن خلاله يستطيع الفرد كما المؤسسات تحويل الذّاكرة إلى قوّة فاعلة في الحاضر، لقد كنت ألاحظ في كلّ أسفاري مدى انتشار ثقافة التوثيق في دول العالم وخاصّة منها الدّول الغربيّة، هناك حيثُ يدرّبون الأطفال منذ صغرهم على توثيق تواريخهم الشّخصيّة من خلال ألبومات الصّور وكتابة المذكرات عن رحلاتهم، وتسجيل أبسط الأشياء اليوميّة، وقس على ذلك ما تفعله المؤسسات من أرشفة تاريخها. فعمليّة التوثيق تُسعفنا أفرادا ومجتمعات من فقدان الذاكرة، وتجعل ماضينا القريب بعد أن يُصنّف في "التراث" مادّة تنتمي إلينا بشتّى المعايير، ويصبح الأرشيف التاريخي بما يغتني به من وثائق شاهدا على كلّ الجوانب الاجتماعيّة والثقافيّة والاقتصاديّة وحتى السياسيّة والإداريّة، فيساهم في حفظ الذاكرة وبناء الوعي التاريخي لكلّ فئات المجتمع بما يعزّز ذاكرتهم الوطنيّة، لذلك فإنّ التوثيق هو جزء من عمل وطني لا تقلّ قيمته عن بناء وسائل التقدّم في المجتمع، فلا يُمكن للشّعوب أن تعيش دون ذاكرة.
وقد حرصت خلال مسيرتي العمليّة أن تكون مؤلفاتي نوعا من التوثيق لمسيرة حياتي، إذ أنّ كلّ كتاب هو نوع من التوثيق لفترة من حياتي. فكثيرًا ما عُنيت بأدب الرّحلات لما له من قيمة توثيقيّة، واعتبرتُ حياة الإنسان أشبه برحلة، وما عليه إلاّ أن يترك أثرًا فيها فيسجّل ما يراه صالحا للتوثيق لفائدته على نفسه وعلى النّاس، واعتبرتُ أنّ سعي العرب إلى توثيق رحلاتهم أسعفنا كثيرًا من انفراد الروايات الغربيّة عن بلداننا وعن الشعوب الأخرى، فمنذ نهاية القرن التاسع الميلادي بدأت الرحلات العربيّة مع المسعودي في نقل الحقائق الجغرافيّة والتاريخيّة وأنماط عيش الشعوب وعاداتهم وتقاليدهم، من خلال التجارب والمشاهدات، ومن أجلّ ما وصلنا كتاب "مروج الذهب ومعادن الجوهر" الذي جمع بين التاريخ والجغرافيا والسياسة، وكان القرن الثاني عشر الميلادي من أكثر القرون تسجيلاً للرحلات، فعرفنا فيه رحلة ابن جبير الأندلسي ورحلة ابن بطوطة التي سمّاها بـ"تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار" وقدّم فيها صورة شاملة عن العالم الإسلامي في القرن الثامن الهجري، واستمرّت الرحلات إلى عصرنا الراهن مرورا بعصر "النهضة العربيّة"، فمن يقدر أن يتجاهل رحلة رفاعة رافع الطهطاوي التي سجّل تفاصيلها في كتابه "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" فبيّنت ما بلغه الغرب من تقدّم في نهايات القرن التاسع عشر، وأثر ما سجّله على حركة الفكر والأدب في أجيال العرب. إنّنا لا نستطيع أن ننفي الدور الكبير الذي ساهم فيه أدب الرحلات لنقل منظورنا العربي الإسلامي للآخر ولطبيعة تفكيرنا وتلقينا للحضارة الإنسانية في فترات تاريخيّة مختلفة، ولذلك فإنّ تلك الرحلات إنّما هي وثائق صاغها العرب من زاوية تفكيرهم وانطلاقا من ثقافتهم ورؤيتهم للعالم.
وقد كنتُ على وعي مبكّر بكلّ هذه الأبعاد العميقة لأدب الترحال ولأهمية التوثيق حيثما حللتُ، فقد سمحت لي مسؤوليّاتي الدبلوماسيّة حين عملت سفيرًا لبلدي في أكثر من دولة على أن أطّلع على ثقافات الشّعوب وأن أوثّق فيما كتبتُ للقضايا الكبرى التي شغلتني وشغلت الثقافة العربيّة، فكتابي "جدل المعارك والتسويات: الحرب الخليجيّة الأولى ومجلس الأمن"، هو إلى حدّ ما توثيق للموضوع الذي شغلني مع زملائي سفراء دول الخليج العربي أثناء عملي مندوبا لبلادي في الأمم المتّحدة بنيويورك حول تعامل مجلس الأمن مع الحرب الإيرانيّة العراقيّة.
وفي كتابي "على قدر أهل العزم" وثّقتُ لعملي كوزير للإعلام وبعدها للثقافة والتراث والفنون، وليس أدلّ على ذلك ما عمدتُ إلى توثيقه عن فعالية "الدوحة عاصمة للثقافة العربيّة عام 2010"، ذلك الحدث الذي حوّل الدوحة إلى مركز إشعاع ثقافي عربي. كما وثّقت للحواضر الثقافيّة في العالم العربي، التي عشت فيها ومن بينها القاهرة، وبيروت، وسجلتُ ملاحظاتي عن المتاحف التي عرفتها ومنها "متحف اللوفر" و"متحف الميتروبوليتان"، و"متحف الفن الإسلامي"، و"متحف قطر الوطني"، وهي أعمال توثيقيّة رافقتها آرائي ومواقفي الفكريّة. أمّا كتابيَّ ""وظلم ذوي القُربى"، و"جسور لا أسوار" فهما توثيق دقيق لترشحي ومسيرتي نحو رئاسة اليونسكو وما واجهته من تحديات خلال هذه المسيرة، ولا شكّ فإنّ ما فيهما من معطيات توثيقيّة ستسهم في تقديم تلك التجربة من زاوية العرب وليس من زاوية "الإعلام الغربي"، فقد سارعتُ إلى توثيقها حتّى لا يمرّ الزمن عن تفاصيلها فيغمر النسيان بعضًا منها، فالحاجة إلى الذّاكرة أمر لا محيد عنهُ، وكم نحن في حاجةٍ إلى تسجيل تجاربنا الخاصّة التي لها علاقة مباشرة بالوطن وبالقضايا التي تعيشها المجتمعات العربيّة، فقد كنت أيّامها صوتا للمثقفين العرب الذين عانوا طويلا من إقصاء المتشدّقين بحقوق الإنسان وبالتنوع الثقافي وبالتساوي بين الشّعوب.
واستمرّ عملي التوثيقي في كتابي"مسافر زاده الجمالُ" فسجّلت فيه ما جادت به القريحة في لحظات ملهمة وثّقتها التكنولوجيا، فاستوعب الأنستغرام النصوص القصيرة، بالإضافة إلى الصور بشأن موضوعات كثيرة منها الشخصيات التي عرفتها وصنعت جزءا من تاريخ أوطانها، وزياراتي للبلدان ولقاءاتي بمثقفيها وقادتها وكبار المسؤولين فيها، كلّ شيء موثّق بالنص والصّورة ليبقى أثرا للأجيال، وإننّي لأحثّ صانعي الأحداث على التوثيق الشّخصي لمساهماتهم لما في ذلك من نفع لمجتمعاتهم.
الأندية الرياضية وبناء الإنسان (1)
بعد أن رسّخت دولة قطر حضورها العالمي في مجال الرياضة، ونجحت في بناء منظومة رياضية متقدمة على مستوى... اقرأ المزيد
87
| 27 مايو 2026
... يبقى الأهل عزوة صلة لا تنقطع
ليس كل ما يحدث داخل العائلة يُحكى، فهناك مشاعر تُخفى احترامًا للعِشرة، وأوجاع نصمت عنها لأن الطرف الآخر... اقرأ المزيد
81
| 27 مايو 2026
حرب أم هيمنة؟
حاولت الابتعاد قليلا عما يحدث بين أمريكا وإيران، خاصة أن دولا مثل باكستان والصين وقطر والسعودية ومصر وتركيا،... اقرأ المزيد
123
| 27 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات المؤسسات إلى استراتيجياتها الطموحة، أو مواردها المالية، أو قدرتها على مواكبة التطورات التقنية. غير أن التجارب الإدارية المتراكمة تؤكد أن العامل الأكثر تأثيرًا في نجاح المؤسسات أو تعثرها لا يكمن في الأنظمة والإجراءات وحدها، بل في نوعية القيادة التي توجهها. فالقادة لا يديرون الموارد فقط، بل يصنعون الثقافة التنظيمية، ويحددون طبيعة العلاقات داخل المؤسسة، ويرسمون الحدود بين بيئة عمل تُطلق الطاقات البشرية وأخرى تُقيدها. ومن هنا تبرز أهمية الحديث عن ظاهرة باتت تحظى باهتمام متزايد في الأدبيات الإدارية الحديثة، وهي ظاهرة “المدير السام”. فهذه الظاهرة لا تقتصر آثارها على الأداء المؤسسي فحسب، بل تمتد إلى ثقافة المنظمة، وصحة العاملين النفسية، وقدرتها على الاحتفاظ بأفضل الكفاءات. عندما تصبح الكفاءة مصدر قلق المدير السام ليس بالضرورة شخصًا محدود الخبرة أو ضعيف الكفاءة. بل قد يكون ناجحًا في إدارة الملفات التشغيلية، ومتمكنًا من عرض الإنجازات أمام الإدارة العليا، وقادرًا على بناء صورة إيجابية لنفسه في المحافل الرسمية والإعلامية. إلا أن مشكلته الحقيقية تكمن في نظرته إلى الآخرين. فبينما يرى القائد الواثق في الموظف المتميز فرصة لتعزيز قوة المؤسسة، قد يرى المدير السام في الشخص الموهوب أو واسع الحضور المهني منافسًا محتملًا لمكانته. وقد كانت Jean Lipman-Blumen من أوائل الباحثين الذين تناولوا مفهوم القيادة السامة بصورة منهجية، موضحة أن بعض القادة ينجحون في الوصول إلى مواقع السلطة رغم السلوكيات المدمرة التي يمارسونها، مستفيدين من قدرتهم على التأثير وصناعة صورة إيجابية لأنفسهم، بينما تبقى الآثار الحقيقية لممارساتهم خفية داخل أروقة المؤسسة. وحين يشعر المدير السام بأن أحد العاملين تحت إدارته يمتلك خبرة أعمق، أو قدرة تحليلية أعلى، أو تأثيرًا اجتماعيًا ومهنيًا أوسع، يبدأ التوجس بالتسلل إلى قراراته. وهنا تتحول الكفاءة من قيمة مضافة إلى مصدر تهديد. ثمن الغيرة المهنية في بعض الحالات لا يتوقف الأمر عند حدود التهميش أو التجاهل، بل يمتد إلى التأثير في المسار الوظيفي للكفاءات المتميزة. فتُحجب فرص الترقية، وتُستبعد بعض الكفاءات من المشاريع المهمة، وقد تصل الأمور أحيانًا إلى إنهاء خدمات أفراد لم يكن ذنبهم سوى أنهم كانوا أكثر نجاحًا أو تأثيرًا أو قدرة على الإنجاز. والمفارقة المؤلمة أن المؤسسة تخسر في هذه الحالات أفضل عقولها، لا بسبب ضعف الأداء، بل بسبب قوة الأداء. وقد أشار الباحثان Robert Hogan وRobert B. Kaiser إلى أن بعض السمات الشخصية مثل النرجسية المفرطة، والحاجة المستمرة إلى السيطرة، والحساسية تجاه المنافسة، قد تساعد بعض الأفراد على الوصول إلى المناصب العليا، لكنها تصبح لاحقًا سببًا في تعثرهم القيادي وإضعاف المؤسسات التي يقودونها. ثقافة الخوف من أبرز سمات المدير السام أيضًا اعتماده على الشك بدل الثقة. فهو يفسر الرأي المختلف باعتباره تحديًا لسلطته، والنقد المهني باعتباره استهدافًا شخصيًا، والاستقلالية الفكرية باعتبارها تمردًا على السلطة. ومع مرور الوقت يسود الصمت داخل المؤسسة. لا يعود الموظفون يسألون: ما القرار الصحيح؟ بل يسألون: ما القرار الذي لن يزعج المدير؟ وهنا تبدأ المؤسسة بفقدان أهم مصادر قوتها: الأفكار الجديدة. وقد وصف المفكر الإداري Warren Bennis القيادة بأنها القدرة على تحويل الرؤية إلى واقع من خلال كسب ثقة الآخرين لا من خلال فرض السيطرة عليهم. فالثقة هي العملة الأساسية للقيادة الفعالة، وعندما يفقد العاملون ثقتهم بقائدهم يبدأ التراجع التنظيمي حتى وإن ظلت المؤشرات التشغيلية تبدو مستقرة لبعض الوقت. ولا يقتصر أثر هذا المناخ على تراجع الروح المعنوية فحسب، بل يمتد إلى جودة القرارات نفسها. فكلما ازداد الخوف داخل المؤسسة، تراجعت احتمالات ظهور الأفكار الجديدة أو الاعتراضات المهنية التي قد تمنع وقوع الأخطاء. ولهذا تؤكد أبحاث Amy Edmondson أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر فيها العاملون بالأمان النفسي الكافي للتعبير عن آرائهم ومناقشة الأخطاء والتعلم منها دون خشية العقاب أو الإقصاء. كما يشير Patrick Lencioni إلى أن غياب الثقة يمثل الخلل الأول الذي يقود إلى سلسلة من المشكلات التنظيمية تبدأ بالخوف من إبداء الرأي، ثم ضعف الالتزام، وانخفاض المساءلة، وانتهاءً بتراجع النتائج. عندما يصبح المظهر أهم من الحقيقة ومن السمات المتكررة لدى بعض المديرين السامين اهتمامهم المبالغ فيه بالمظهر على حساب الجوهر. فالجوائز، والألقاب، والتغطيات الإعلامية، والعروض التقديمية اللامعة قد تصبح أولوية تتقدم على معالجة المشكلات الحقيقية أو تطوير الكفاءات البشرية أو بناء ثقافة مؤسسية صحية. ويصبح السؤال الذي يحكم كثيرًا من قراراته: كيف نبدو أمام الآخرين؟ بدلاً من كيف نصبح أفضل فعليًا؟ ونتيجة لذلك تتسع الفجوة بين الصورة الخارجية للمؤسسة وواقعها الداخلي، فتبدو ناجحة في التقارير والعروض الرسمية بينما يعاني العاملون فيها من مشكلات لم تجد من يتعامل معها بجدية وشفافية. وتشير العديد من الدراسات والمقالات المنشورة في Harvard Business Review إلى أن أحد أخطر مؤشرات ضعف القيادة هو اتساع الفجوة بين الصورة التي تعرضها المؤسسة للعالم الخارجي والواقع الذي يعيشه موظفوها في الداخل. فالمؤسسات القوية تبني سمعتها من خلال ثقافتها وأدائها، لا من خلال حملات العلاقات العامة وحدها. الضغوط النفسية تبدأ من هنا كثير من الضغوط النفسية التي يعاني منها العاملون لا تنشأ من طبيعة العمل نفسها، بل من طبيعة العلاقة مع المدير المباشر. فالموظف يستطيع تحمل ساعات عمل طويلة عندما يشعر بالاحترام والإنصاف والتقدير. لكنه يجد صعوبة كبيرة في العمل داخل بيئة يسودها الخوف أو التحيز أو التشكيك المستمر. ويؤكد Daniel Goleman أن الذكاء العاطفي يمثل أحد أهم عناصر القيادة الفعالة. فالقائد الذي يتمتع بالوعي الذاتي والقدرة على إدارة مشاعره والتعامل باحترام مع الآخرين يخلق بيئة أكثر استقرارًا وإنتاجية. أما عندما تغيب هذه المهارات، فإن السلطة الإدارية قد تتحول إلى مصدر دائم للتوتر والصراعات والاستنزاف النفسي. وقد أظهرت أبحاث Gallup أن المدير المباشر يمثل أحد أهم العوامل المؤثرة في اندماج الموظفين وإنتاجيتهم واستمرارهم في العمل. ومن هنا جاءت العبارة الشهيرة في أدبيات الإدارة: الناس لا يتركون المؤسسات، بل يتركون المديرين. ما الذي تحتاجه المؤسسات؟ المؤسسات الحديثة لا تحتاج إلى مزيد من السيطرة، بل إلى مزيد من القيادة. تحتاج إلى قادة يمتلكون الثقة بالنفس الكافية للاحتفاء بالكفاءات لا محاربتها، ويعتبرون نجاح الآخرين نجاحًا لهم لا تهديدًا لمكانتهم. فالقائد الحقيقي لا يقاس بعدد الأشخاص الذين يخضعون لسلطته، بل بعدد الأشخاص الذين ساعدهم على النجاح. وقد أشار Jim Collins في دراسته الشهيرة Good to Great إلى أن المؤسسات العظيمة يقودها أشخاص يجمعون بين التواضع الشخصي والإرادة المهنية الصلبة. فهم لا يجعلون المؤسسة امتدادًا لذواتهم، ولا يرون في نجاح الآخرين تهديدًا لمكانتهم، بل يعتبرون بناء القيادات والكفاءات جزءًا من مسؤوليتهم الأساسية. كما يؤكد Peter Drucker أن المهمة الجوهرية للقيادة ليست إدارة الأشخاص بقدر ما هي تمكينهم من تحقيق أفضل ما لديهم. فالمؤسسة القوية لا تُقاس بعدد التعليمات التي تصدرها الإدارة، بل بقدرتها على تحويل المعرفة والخبرة والموهبة إلى نتائج مستدامة. بعد الرحيل من المفارقات التي تتكرر في كثير من المؤسسات أن الأثر الحقيقي للمدير السام يظهر بعد مغادرته المنصب أكثر مما يظهر أثناء وجوده فيه. فبمجرد رحيله تبدأ الاجتماعات باستعادة روح الحوار، وتتحسن العلاقات بين الإدارات، وتظهر مبادرات كانت مؤجلة، ويزداد استعداد الموظفين للمشاركة والتعبير عن آرائهم. وقد لا تُذكر هذه الحقيقة في التقارير الرسمية، إلا أن حالة الارتياح التي تسود المؤسسة بعد رحيل بعض القيادات تمثل أحيانًا أصدق مؤشر على حجم العبء الذي كانت تشكله تلك القيادة. الخلاصة المؤسسات العظيمة لا تُبنى بالخوف، ولا تنمو بالشك، ولا تزدهر بإقصاء الكفاءات أو محاربة أصحاب المواهب. إنها تُبنى بالثقة، والعدالة، واحترام الإنسان، وإطلاق الطاقات الكامنة في الأفراد. فالقائد الحقيقي لا يخشى أن يكون من حوله أكثر معرفة أو خبرة في بعض المجالات، لأنه يدرك أن نجاحهم هو نجاح المؤسسة بأكملها. أما المدير السام فيرى في كل موهبة تهديدًا، وفي كل رأي مستقل تحديًا، وفي كل نجاح لغيره انتقاصًا من مكانته. الخوف قد يفرض الطاعة مؤقتًا، لكنه لا يصنع ولاءً، ولا يطلق إبداعًا، ولا يبني مؤسسة عظيمة.
2043
| 23 مايو 2026
لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ ثقافي موسمي يتكرر في أجندة الفعاليات القطرية كل عام، بل هو مساحة حيوية تلتقي فيها الأفكار ويتحرر فيها الخيال، ليصبح تظاهرة حضارية تتقاطع عندها كافة أطياف المعرفة وثقافات الشعوب. لقد تجدد المشهد في هذه النسخة بثوبٍ أنيق يتسم بالاحترافية، في معرض الدوحة للكتاب تزاحمت دور النشر بالإصدارات المتنوعة، وهو ما يحمل في طياته رسائل عميقة؛ فالتنظيم المتقن والأنشطة المتعددة ليست سوى انعكاس لأهداف سامية تستهدف بناء الإنسان، كباراً وصغاراً، وتغرس في نفوسهم شغف القراءة كنهج حياة. إننا حينما نطالع الكتب، لا نكتفي برؤية العالم من خلالها فحسب، بل إننا نرى أنفسنا أيضاً؛ نرى ذاتنا وأحلامنا وتاريخنا في تلك الحروف التي يخطها كتابنا ومثقفونا وشعراؤنا. فالكتاب بصفة عامة هو حيزٌ إنساني رحب، يخاطب الإنسان حيثما كان وبأي لغةٍ نطق، وعندما يخطو الكتاب نحو العالمية، فإنه يُقرأ بعيون مختلفة وثقافات متباينة، مما يعزز قيم التواصل الإنساني. ولا ننسى في هذا المقام أن نشير الى إن العرب كانوا من أوائل صنّاع خريطة العلوم والأدب العالمي، ولنا في تراثنا أمثلةٌ شاخصة؛ منها مؤلفات ابن حيان التي وضعت لبنات العلوم، وصولاً إلى الحكايات العربية التي عبرت الحدود، كقصة "الفارس الملثم" مثلاً التي انتقلت من الأدب العربي لتترجم وتُصاغ عالمياً في شخصيات مثل "روبن هود" و"زورو"، في دلالة واضحة على تأثير الإبداع العربي الممتد عبر العصور. ختاماً، تبقى الثقافة خط الدفاع الأول في وجه مسببات الفرقة والفتنة والشرور؛ فهي الملاذ الآمن لفهم الإنسان، وكما قيل: "إذا أردت أن تفهم إنساناً، فاقرأ أدبه". ومعرض الدوحة للكتاب يظلُّ، في كل عام، منارةً تؤكد أنَّ درب الثقافة هو الطريق الأمثل لمد جسور المحبة بين البشر، وبناء إنسانٍ واعٍ قادر على التغيير والارتقاء بوطنه وأمته.
1131
| 21 مايو 2026
كثيرة هي الكتب الفلسفية التي كتبت عن اليوتوبيا أو المدينة الفاضلة منذ جمهورية أفلاطون. قبل أفلاطون عرف المصريون القدماء والأشوريون والبابليون، أن المدينة الفاضلة لا تتحقق على الأرض بل في السماء. من هنا جاءت كثير من آثارهم، مثل المسلات المصرية والأهرامات، التي ترتفع مثلثة النهاية، دليلا على الانطلاق إلى السماء. في الوقت نفسه وضعوا كثيرا من القوانين، مثل قوانين حمورابي البابلي من أجل الحياة الأفضل. هل حققت القوانين اليوتوبيا؟ لم تحققها كاملة، ومن ثم يظل اجتهاد الإنسان في البحث عن عالم أفضل. رغم كثرة ما كُتب عن اليوتوبيا، أو تأليفه عن جزر أو بلاد خيالية، فإن الأدب والرواية في المقدمة، ترى في الديستوبيا أو المدينة الفاسدة مجالا أكثر. الجانب الخفي في هذا أن الأدب يُعنى بما هو جانح، أكثر مما هو سويّ. في الكتابة عن الجانح قد يرى البعض، أنه حافز للبحث عن الأجمل، لكن في رأيي أن القارئ العادي وهو يقرأ ذلك، يشعر بالإزاحة عن نفسه، ثم ينطلق يمارس حياته، وتبقى معه متعة القراءة. دائما أقول إن الأدب لا يغير العالم. الأدب يصنع إنسانا سويا. تغيير العالم يتم بالفكر والعلم والحروب للأسف. حين تنظر إلى اكتشاف أمريكا وما فعله المستعمرون الجدد، من إقامة مدن أو أماكن لهم، باعتبارها أرض الميعاد، التي تسربت فكرتها من اليهودية إلى بعض المذاهب المسيحية ذلك الوقت، تدرك ما فعلوه من إبادة للهنود الحمر السكان الأصليين، أو ما ظلوا يفعلونه عبر الزمان بالزنوج الذين كان يتم جلبهم من أفريقيا، في رحلات شهدت عليها الكتب فيما بعد والأفلام، وهكذا فما تصوروا أنهم يفعلونه من يوتوبيا، رآه الإبداع بأنه ديستوبيا وقام بتخليده في الروايات والأفلام فلم تضع الحقيقة. وهكذا سيكون مصير ما تفعله أمريكا والدولة الصهيونية بالشرق الأوسط الآن. رغم أن اليوتوبيا حلم لا يتحقق، وأن الطريق إليه يحقق جمالا كثيرا لكن غير نهائي، فهناك أنظمة سياسية عرفها العالم اعتبرت ما تفعله هو اليوتوبيا، وتم حرق الكتب والكتاب المعارضين، أو سجنهم أو نفيهم من البلاد، وهرب الكثيرون من دول مثل المانيا النازية وإيطاليا الفاشية والاتحاد السوفييتي بعد الثورة البلشفية والصين بعد الثورة الشيوعية. وحدث ذلك في دول عربية رفعت شعار الجمهورية مثل مصر أو سوريا أو العراق أو ليبيا. طبيعة الإبداع التي لا يفهمها كثيرون ممن بيدهم الأمر، من أنه يُعنى بما هو جانح، ومن هنا تأتي الدراما والحركة في العمل، والمتعة من قراءته أو رؤيته فيلما أو مسرحية، جاء القصور في فهمها سببا رئيسيا في عذاب المبدعين. وصل القصور إلى درجة أن الكثيرين يتصورون أن ما تقوله شخصيات الرواية، هو رأي المؤلف، وليس السبب فيه هو الصدق الفني في تصوير الشخصية، بين أحلامها وكوابيسها وقدرتها على التعبير. وزاد الأمر تعقيدا الآن مع الثورة الرقمية. مئات المنصات تقدم ما تراه نهائيا في تقدير الأمور، والإقبال عليها أكثر مئات المرات من الإقبال على الكتب، خاصة حين تستخدم ألفاظا غير مألوفة في الفضاء العام أو حركات مثيرة. وصارت المنصات الرقمية مجالا واسعا لحرب جديدة. يظل بينها الإبداع محاصرا، وقد تصيب الكآبة أصحابه، وقد تدفع البعض إلى محاولة استخدام هذه المنصات بنفس الطريقة الجذابة، لكن المبدع الحقيقي يعرف أن ساعات وأيام الخلوة مع ما يبدع من أحداث وشخصيات، هي العالم الحقيقي. هي اليوتوبيا الضائعة يشعر بها وحده مع الله، وإن جاء الإبداع ديستوبيا، وليس دعاية لأحد أو هجوما عليه.
1122
| 21 مايو 2026