رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أحرص دائما في الكتابة على الموضوعات الساخنة التي تهم أكبر شريحة من المجتمع القطري، مع انتقاء الموضوع الذي يهم أكبر قطاع من قطاعات الدولة لمناقشة الوضع الراهن فيه من خلال الهدف الأساسي، والذي أتمنى أن يتفق في هذه السطور مع خطاب سمو أمير البلاد المفدى قبل أيام، وهو يضع لنا تشكيلته الجديدة للوزراء التي تفاءلنا بها جميعا؛ لأنها تمس المرحلة الحالية التي تتطلب توفير المصروفات قدر الإمكان بسبب انخفاض أسعار النفط مع مواصلة مكافحة الفساد والهدر المالي والإداري قدر المستطاع؛ تحقيقا للصالح العام وبما يواكب مواصلة الاقتصاد القوي لدولة قطر حتى لا نتعرض لأي هزات مستقبلية.
ولا أهدف من كتابة هذه السطور إلى قطع الأرزاق أو العمل على إنهاء خدمات الإخوة غير القطريين في جميع مؤسسات الدولة، مثل: مؤسسة حمد الطبية أو مؤسسة قطر أو أية مؤسسة أو هيئة أو وزارة أو جامعة وطنية، بل نحتاج في مثل هذه الأيام إلى وقفة صائبة وصادقة تقوم على العمل المخلص والرأي السديد والقرار الواضح والمستنير، بما يحفظ لنا ثروتنا الاقتصادية ولا يبذرها؛ حتى لا يعرضها إلى أية صعوبات وكوارث نحن في غنى عنها، إذا لم نحسن اتخاذ القرار والتكاتف في مثل هذه الأزمات الطارئة.
** نحتاج حسن التخطيط ومنع الازدواجية:
والتخطيط للأزمات من الأمور المهمة التي لا يجب أن تغيب عن أصحاب القرار، ومطلوب من "مجلس الشورى" و"مجلس الوزراء" و " الوزراء" جميعا العمل على تحقيق توجهات نصائح سمو أمير البلاد المفدى، تماشيا مع ظروف التقشف التي نعيشها هذه الأيام دون تردد في اتخاذ القرار، والتمسك بتوجيهات سموه وما طلبه من الوزراء الجدد لمسايرة هذه المرحلة. والهدف الأول والأساسي للتخطيط دائما ما يقوم على "الإيضاح" ما يتطلب فعله يوميا وعلى مدى فترة زمنية تكون طويلة الأجل، لكي تعين الأشخاص على أنفسهم، هذا من جهة، ومن جهة ثانية ومتابعة التنفيذ بعد ذلك لخدمة المؤسسة بخطى سليمة، بالرغم من أن هناك مقولة مفادها: "إن الوقت المستغرق في التخطيط لا يحقق كثيراً من الفوائد". وبعد "درجة الوضوح" تأتي العوامل الأخرى الأساسية في عملية التخطيط وهي: القناعة بالهدف، والواقعية في الهدف من خلال الوصول إليه دون استحالة من خلال توفر الإمكانيات المادية والبشرية، ثم عامل التناسق والانسجام، ومن بعد ذلك عامل مشروعية الهدف عبر الأنظمة واللوائح والسياسات الحكومية المعمول بها، وأخيرا يأتي عامل القابلية للقياس عبر ثلاثة مقاييس هي: مقياس نوعي ومقياس كمي ومقياس زمني يحدد الفترة الزمنية التي يتم تحديدها لفترة العمل المطلوب.
** التعايش مع الأزمة المالية:
بالفعل نحن نعيش اليوم كما تعيش جميع دول الخليج المجاورة أزمة يجب التعامل معها بكل شفافية للتغلب عليها، وقد بدأت بوادرها تظهر أمامنا بعد انخفاض برميل النفط ووصوله إلى أدنى مستوياته، فالوضع الاقتصادي يختلف عندما كان سعر البرميل 120 دولارا عن سعر 30 دولارا أو أقل من ذلك. والسؤال المطروح هو: كيف نتغلب على هذه الأزمة بالأدوات العلمية الإدارية المتشعبة وتجنب هزاتها، ويعرف أحدهم الأزمة بأن: إدارة الأزمات يجب أن تنطلق من إدارة الأزمة القائمة ذاتها وتتحرك في إطار الاستراتيجية العامة المرسومة للدولة. ويقول آخر بأنها: سلسلة الإجراءات الهادفة إلى السيطرة على الأزمات، والحد من تفاقمها حتى لا ينفلت زمامها مؤدية بذلك إلى نشوب الحرب، وبذلك تكون الإدارة الرشيدة للأزمة هي تلك التي تضمن الحفاظ على المصالح الحيوية للدولة وحمايتها. ويرجع الكثير من الاختصاصيين والمحللين إلى أن حدوث أي أزمة تكمن في عدة عوامل منها: سوء التخطيط - وعدم الاهتمام بالتوقع - وانخفاض فعالية المواجهة - وعدم التحرك في تفعيل استراتيجية الدولة ورؤية قطر الوطنية 2030 - وهدر المال العام والتبذير بشكل غير مدروس - والترهل الوظيفي - والتوسع في المشاريع وتكاليفها الباهظة دون دراسة - وعدم وضع البدائل والاحتمالات المختلفة للمستقبل .. وغيرها من العوامل الأخرى.
** الوافدون شركاء في التنمية:
يبدو أن التوجه قد بدأ في هذه الأيام بالعمل على إيقاف توظيف غير القطريين قدر المستطاع، والاقتصار على توظيف أبناء البلد فقط تماشيا مع المصلحة العامة وتفاديا للأزمة المالية التي نعيشها، وهذا يتطلب أيضا حسن الاختيار عند التوظيف أو عند إنهاء خدمات الموظفين الوافدين، وهذا الشيء يجب أن يسايره عدم التوظيف برواتب عالية وخيالية كما هو متبع في بعض مؤسسات وهيئات الدولة مثل: مؤسسة حمد الطبية، ومؤسسة قطر، ومؤسسة البترول، وبروة، وهيئة أشغال، وجامعاتنا الوطنية، والهيئات والمؤسسات شبه الحكومية، وكذلك الخاصة منها التي لا تلتزم بتقطير الوظائف وتقتصرها على غير المواطنين بأعداد كبيرة في ظل غياب الرقابة الإدارية والمالية عليها. وفي مؤسسة حمد الطبية تم إنهاء خدمات المئات من الموظفين الوافدين مؤخرا، وقد علق الكثير على هذا القرار بأنه شمل صغار الموظفين ولم يشمل أصحاب الرواتب العالية والخيالية، ومنهم من علق قائلا على تويتر (المغرد الدكتور إبراهيم الجابر): هناك تخبط في مؤسسة حمد الطبية، حيث فنشوا (18) موظف علاج طبيعي، بمجموع (180) ألف ريال، بينما راتب السكرتارية الواحدة يساوي (120) ألف ريال؛ لأنهم مقربون من المدير البريطاني!. وبعضهم يعلق قائلا: إن هؤلاء بلغوا سن التقاعد وتجاوزوا سن الستين وما زالوا على رأس عملهم، رغم أعدادهم الفائضة التي لا نحتاج إليها!.
وهذا لا يمنع أن نقول: "نعم للوافد" الذي يطور ويدرب الكوادر القطرية ويسهم في بناء الوطن لأنه شريك أساسي في عمليتي البناء والتنمية، ومتى اكتشف السلبيات قام بتصحيحها لمنع تكرار الأخطاء، كما أن الموظف المواطن مطالب بالاستفادة منه ليحل مكانه في المستقبل، وهذه هي سنة الحياة. ولكن بشرط تحديد العدد المطلوب من الوافدين والأجانب للاستفادة منهم دون توظيفهم بشكل فوضوي، وهو ما لا نتمناه؛ لأنه يسهم في زيادة الأعباء على ميزانية الدولة وبنيتها التحتية.
** الأولوية لتوظيف أبناء المقيمين:
وهي مسألة في غاية الأهمية، فالأولوية لتوظيف أبناء المقيمين الذين يعيشون على أرض قطر، بدلا من جلب الموظفين من الخارج الذين تكون سلبياتهم أكثر بكثير من توظيف أبناء المقيمين، فنحن نحتاج إلى الموظف المواطن وغير المواطن في نفس الوقت، ولكن المسألة تحتاج إلى التقنين وعدم فتح الباب للوافدين من الخارج على مصراعيه بدون دراسة أو دراية بما تسببه هذه الفوضى في التوظيف وانعكاساتها السلبية "المال العام" والترهل الوظيفي الذي لا يخدم التنمية والاقتصاد القطري كما جاء على لسان سمو الأمير في خطابه السابق والواضح حفاظا على المال العام وعدم هدره من جهة، ومكافحة الفساد وفرض الرقابة المالية والإدارية في الدولة من جهة أخرى.
** "قطر للبترول" نموذج مميز في ترشيد الوظائف
وخلال العام الماضي 2015 م قامت مؤسسة البترول بتخفيض وظائف الأجانب وتقليص عددهم بما يساير الاستراتيجية الوطنية المطلوبة في إعادة الهيكلة الجديدة للمؤسسة بعد تسريح الآلاف من العمالة الفائضة التي لا تحتاجها المؤسسة، هذا وتتم نشاطات وعمليات قطر للبترول في المناطق البرية التي تشمل الدوحة ومسيعيد ودخان وراس لفان، والمناطق البحرية التي تشمل جزيرة حالول ومحطات الإنتاج البحرية ومنصات أجهزة الحفر القائمة وحقل غاز الشمال.
** كلمة أخيرة:
رغم الأزمة المالية المهيمنة هذه الأيام على الشارع القطري فإنه مطلوب السير قدما في مواصلة مشاريعنا الاقتصادية والتنموية، وهذا ما أكد عليه سمو الأمير المفدى يوم أمس لبناء قطر الغد.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي، وليس في هذا حرج، فالكاتب يحتاج في بعض الأحيان أن يتكلم عما شاهده، أو ربما عن موقف عاشه وكان شاهدًا عليه، لأن الحديث عن العلاج في الخارج لم يعد مجرد نقاش صحي، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تستحق أن تتوقف عندها كل دولة تطمح إلى بناء منظومة صحية مستدامة. فكيف بدولة كدولة قطر التي ضربت للعالم المتقدم أروع الأمثلة في الجودة الصحية، والبنية التحتية، والدعم اللامحدود؟ وحين تضطر الدولة إلى إرسال آلاف المرضى سنويًا إلى الخارج، فإنها لا تتحمل فقط تكاليف العلاج الباهظة، بل تتحمل معها سلسلة طويلة من الأعباء المالية والإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام. سافرت مع ابنتي مريم إلى ألمانيا على نفقة الدولة عام 2017، ورأيت كم تنفق قطر من مبالغ طائلة حفاظًا على صحة مواطنيها، وهذه حسنة لا نستطيع رد جميلها مهما فعلنا، فكيف بالحسنات الكثيرة التي أودعتها الدولة في رصيد كل مواطن، ليصبح مدينًا لهذا الوطن مع كل نفس يتنفسه. وها أنا اليوم أعيد التجربة مرة أخرى، آخذ ابنتي مريم، البالغة من العمر 19 عامًا، وشقيقتها البالغة من العمر خمس سنوات، في رحلة علاج جديدة، ولكن هذه المرة على نفقتي الخاصة وذلك حياءً من أن أطلب لهما علاجًا على نفقة الدولة التي ميزتنا بين الأمم وجعلتنا أغنى الشعوب وأعزها وأكرمها. والأمر الأهم، من وجهة نظري، أن تكلفة العلاج في الخارج ليست هي الفاتورة الوحيدة، فهناك تذاكر السفر، والإقامة الطويلة، والمخصصات اليومية، والرواتب اليومية والشهرية التي لا تتوقف للموظف أثناء إجازة مرافقته لمريضه، وكذلك تكاليف التنقل، والعقود مع المستشفيات الخارجية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها بعض المراكز الطبية للدول المقتدرة ماليًا، كدولة قطر، إضافة إلى إشغال الملاحق الدبلوماسية والسفارات في تلك الدول بمتابعة هذه الملفات. ومع مرور السنوات تتحول هذه المصروفات إلى مليارات يمكن أن تبني صروحًا طبية متقدمة داخل الوطن، تخدم الأجيال لعقود طويلة، بدلًا من أن تذهب إلى اقتصادات دول أخرى. ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المالي، فالموظف الذي يسافر للعلاج يغيب عن عمله شهوراً، وبعضهم ليس موظفًا عاديًا، بل عمود ترتكز عليه جهة عمله، وربما يضطر رب الأسرة إلى ترك عمله أو استنزاف رصيد إجازاته لمرافقة المريض، بينما يبقى الأبناء بعيدين عن أحد والديهم أو كليهما، فتتوزع الأسرة بين بلدين، ويعيش الجميع ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تعوضها أي مخصصات مالية. إن المرض في حد ذاته ابتلاء، فكيف إذا أضيفت إليه الغربة، والبعد عن الأهل، واختلاف اللغة والثقافة، وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة؟ إن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في علاج المرض، بل في بناء القدرة الوطنية على العلاج. فوجود مركز وطني متكامل ومتقدم للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، مثلًا، مجهز بأحدث التقنيات، ويستقطب أفضل الكفاءات العالمية، ويفتح كذلك المجال أمام أبناء الوطن لدراسة مهنة مهمة وأساسية في كل المجتمعات، ليس مشروعًا صحيًا فحسب، بل مشروع اقتصادي وإستراتيجي واجتماعي. فهو يقلل الإنفاق المستمر على العلاج الخارجي، ويوفر على الأسر عناء السفر، ويحافظ على استقرار الموظفين في أعمالهم، ويخلق فرص عمل جديدة، ويمنح المرضى فرصة التعافي بين أسرهم وفي مجتمعهم، في بيئة أسرع للتشافي، وهي عوامل أثبتت الدراسات أنها تسهم في تحسين النتائج العلاجية. كما أن مثل هذه المراكز لا تخدم المواطنين وحدهم، بل يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وجهة علاجية إقليمية تستقبل المرضى من الدول المجاورة، فتسهم في تنويع الاقتصاد، وتوفر فرص عمل للكوادر الوطنية، وتنقل الخبرات الطبية إلى الداخل بدلًا من استيرادها بصورة مؤقتة. فكل ريال يُستثمر في بنية صحية متقدمة هو استثمار يعود بالنفع سنوات طويلة، بينما يبقى الإنفاق على العلاج الخارجي مصروفًا متكررًا ينتهي بانتهاء كل حالة. ولا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن العلاج في الخارج، فهناك حالات نادرة ودقيقة تستلزم مراكز عالمية متخصصة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. لكن ينبغي أن تكون الأولوية لبناء منظومة وطنية قادرة على استيعاب معظم الحالات التي يمكن علاجها بكفاءة داخل البلاد. إن الدول العظيمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه خارج حدودها، بل بما تبنيه داخلها، وهذه ركيزة من ركائز الرؤية الوطنية في الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى المتكامل الذي يُشيد اليوم سيبقى يخدم الوطن عشرات السنين، وسيختصر معاناة آلاف الأسر، ويحفظ المال العام، ويعزز الأمن الصحي، ويجسد رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الاستثمار في صحته داخل وطنه هو الاستثمار الأكثر حكمة، والأطول أثرًا، والأعمق مردودًا على المجتمع والدولة.
2235
| 27 يوليو 2026
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى أمنك الاقتصادي اعتدنا أن نسمع عن الأمن الاقتصادي للدول، وأن نقرأ عن خطط الحكومات لحماية اقتصاداتها من الأزمات، لكننا نادرًا ما نتحدث عن الأمن الاقتصادي للأفراد. ومع أن الإنسان هو أول من يتأثر بأي أزمة اقتصادية، فإن كثيرًا منا لا يراجع وضعه المالي إلا عندما يواجه مشكلة، وليس قبلها. الشركات تراجع نتائجها المالية كل عام، والمؤسسات تقيس أداءها بصورة مستمرة، وحتى الإنسان يحرص على إجراء فحص طبي دوري للاطمئنان على صحته. لكن كم شخصًا يخصص نصف ساعة في السنة ليجري فحصًا اقتصاديًا لوضعه المالي؟ ورغم أن معظم الناس يحرصون على متابعة دخلهم ومدخراتهم، فإن القليل منهم يمتلك وسيلة بسيطة تقيس مدى جاهزيته لمواجهة تغيرات الحياة. فكثير من القرارات المالية تُتخذ بصورة يومية، لكن نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا: هل وضعنا الاقتصادي قادر على الصمود إذا تبدلت الظروف؟ ولهذا أقترح أن يجري كل شخص فحصًا اقتصاديًا سنويًا لا يستغرق أكثر من نصف ساعة، يعتمد على مجموعة من المؤشرات البسيطة التي تكشف مواطن القوة والضعف قبل أن تتحول إلى مشكلات حقيقية. أول هذه المؤشرات هو الاحتياطي النقدي. فإذا توقف دخلك اليوم، إلى متى تستطيع تغطية نفقاتك الأساسية؟ إذا كانت الإجابة أقل من ثلاثة أشهر، فقد تكون الأولوية هي بناء احتياطي للطوارئ قبل البحث عن أي استثمار جديد. فالسيولة ليست مالًا معطلًا، بل وسيلة تمنح صاحبها الوقت لاتخاذ قرارات هادئة عندما تتغير الظروف. ويأتي بعد ذلك تنوع مصادر الدخل. فالاعتماد الكامل على وظيفة واحدة أو نشاط واحد يعني أن استقرارك المالي مرتبط بجهة واحدة. وليس المقصود أن يتحول الجميع إلى رجال أعمال، وإنما أن يعمل كل شخص، تدريجيًا، على بناء مصدر دخل إضافي يتناسب مع خبرته وظروفه، لأن تنوع مصادر الدخل يقلل المخاطر قبل أن يزيد الإيرادات. ويأتي بعد ذلك توزيع الاستثمارات. فكثير من المستثمرين يعتقدون أنهم نوّعوا محافظهم، بينما تكون جميع استثماراتهم مرتبطة بقطاع واحد أو سوق واحدة. والتنويع الحقيقي لا يمنع الخسائر، لكنه يمنع أن تتحول خسارة واحدة إلى أزمة مالية. ولا تقل المهارات أهمية عن الأموال المستثمرة، بل قد تكون أكثر قيمة على المدى الطويل. فالمهارات هي الأصل الذي يولد الدخل، وقيمتها تتغير باستمرار مع تطور التكنولوجيا واحتياجات سوق العمل. وما كان يمنح صاحبه ميزة قبل سنوات قد لا يكون كافيًا اليوم. لذلك من المفيد أن يراجع كل شخص مهاراته مرة كل عام، وأن يحدد مهارة واحدة على الأقل يطورها، لأن الاستثمار في الذات غالبًا ما يكون أعلى عائدًا من كثير من الاستثمارات المالية. كما تستحق الالتزامات المالية مراجعة صادقة. فهناك فرق كبير بين دين يساعد على تكوين أصل منتج، ودين يمول استهلاكًا ينتهي أثره سريعًا. وكلما انخفضت الالتزامات غير الضرورية، ازدادت قدرة الإنسان على الادخار والاستثمار، وأصبحت قراراته المالية أكثر حرية. ومن المهم أيضًا أن تتحول مراجعة الأرقام إلى عادة سنوية. فصافي الثروة، ونسبة الادخار، وحجم احتياطي الطوارئ، وتوزيع الاستثمارات، وعدد مصادر الدخل، كلها مؤشرات تستحق أن تُراجع بانتظام. فما لا يُقاس لا يمكن تطويره، وما لا يُراجع يتآكل بصمت. ويبقى المؤشر الأخير هو وجود رؤية واضحة للمستقبل. ليست خطة معقدة، بل أهداف محددة للسنوات الخمس القادمة: ما حجم الاحتياطي الذي أريد الوصول إليه؟ وما مصدر الدخل الذي أسعى إلى بنائه؟ وما المهارة التي سأكتسبها؟ عندما تكون هذه الأهداف مكتوبة، تصبح القرارات اليومية أكثر اتساقًا مع المستقبل الذي نطمح إليه. هذه المؤشرات لا تقدم ضمانة ضد الأزمات، لكنها تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف نقاط الضعف مبكرًا ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمة. وهذا هو جوهر الأمن الاقتصادي؛ الاستعداد قبل وقوع المشكلة، لا البحث عن الحلول بعدها. لقد حان الوقت لأن يصبح لكل واحد منا، إلى جانب الفحص الطبي السنوي، فحصٌ اقتصادي سنوي يراجع فيه احتياطه النقدي، ومصادر دخله، واستثماراته، ومهاراته، والتزاماته، وخطته للمستقبل. فالدول لا تنتظر الأزمات حتى تبني أمنها الاقتصادي، والأفراد أولى بذلك. إن الأمن الاقتصادي لا يبدأ عندما ترتفع الرواتب أو تتحسن الأسواق، بل يبدأ عندما يتحول التفكير المالي من رد فعل إلى عادة. ونصف ساعة من المراجعة الصادقة مرة كل عام قد تكون من أكثر الأوقات أثرًا في حماية مستقبل الإنسان وأسرته.
1524
| 26 يوليو 2026
حين نتحدث عن الجريمة، يتجه الذهن مباشرة إلى المحاكم، والقضاة، والسجون، ونصوص القوانين. غير أن الحقيقة أوسع من ذلك بكثير؛ فليست كل جريمة يُعاقب عليها القانون، وليست كل براءة تصدرها المحكمة تعني براءة الضمير. فهناك جرائم لا تعرفها مواد قانون العقوبات، لكنها تترك في النفوس من الألم ما لا تتركه كثير من الجرائم الجنائية، لأنها تستهدف الإنسان في كرامته، ومشاعره، وثقته، وأمله بالحياة. إن القانون، مهما بلغ من الدقة، يبقى أداة لتنظيم المجتمع، لا لصناعة الفضيلة. فهو يعاقب من يسرق المال، لكنه قد يعجز عن محاسبة من يسرق فرحة إنسان، أو يهدم مستقبله بكلمة، أو يكسر قلبًا كان مفعمًا بالأمل. وقد يخرج شخص من المحكمة بريئًا، بينما يبقى مدانًا في محكمة الضمير، لأن العدالة القانونية شيء، والعدالة الأخلاقية شيء آخر. ولعل أولى هذه الجرائم هي كسر الخواطر، فكم من كلمة قاسية أطفأت نورًا في قلب إنسان، وكم من سخرية حطمت موهبة، وكم من احتقار قتل الثقة بالنفس. إن الجروح التي تصيب الجسد قد تلتئم، أما الجروح التي تصيب الروح فقد تبقى عمرًا كاملًا. لذلك جاء الإسلام ليجعل الكلمة الطيبة عبادة، والابتسامة صدقة، لأن بناء الإنسان يبدأ من احترام إنسانيته. ومن هذه الجرائم أيضًا جحود المعروف، فما أقسى أن يقف إنسان إلى جانبك في ساعة عسر، ثم تنكره عندما تتبدل الأحوال. إن نكران الجميل لا يعاقب عليه القانون، لكنه يهدم قيمة الوفاء، ويجعل الإحسان مغامرة لا يجرؤ عليها إلا أصحاب النفوس الكبيرة. وهناك جريمة أخرى لا تقل خطرًا، هي الظلم المعنوي؛ حين يُحرم إنسان من حقه في التقدير، أو تُسرق أفكاره، أو يُنسب جهده إلى غيره، أو يُقصى لأنه قال كلمة حق. وقد لا يجد القاضي نصًا يدين به هذا السلوك، لكنه يبقى عدوانًا على الكرامة الإنسانية، وهي أعظم ما يملكه الإنسان. ثم تأتي جريمة اللامبالاة، وهي من أخطر أمراض المجتمعات. أن ترى محتاجًا فلا تمد يدك إليه، أو تسمع أنين مظلوم فتدير وجهك عنه، أو تشاهد باطلًا يقع أمامك ثم تقنع نفسك بأن الأمر لا يعنيك. فالحياد أمام الظلم ليس دائمًا فضيلة، بل قد يكون مشاركة صامتة في استمراره. ومن أبشع الجرائم التي لا يعاقب عليها القانون أن يكون الإنسان قادرًا على رفع الظلم عن مظلوم، أو إنقاذ بريء، أو قول شهادة تعيد حقًا إلى صاحبه، ثم يختار الصمت خوفًا أو مصلحة أو مجاملة. فالظلم لا يعيش بقوة الظالم وحده، وإنما يعيش أيضًا بصمت القادرين على منعه. ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾، فجعل الإثم في القلب قبل اللسان، لأن كتمان الحق خيانة للعدل قبل أن يكون مخالفة للأمانة. ولا تقل عن ذلك خطرًا جريمة يبررها بعض الناس باسم الوفاء للصداقة. فقد يعلم الإنسان أن صديقًا له اعتاد الكذب، أو الظلم، أو أكل حقوق الناس، ومع ذلك يستمر في الدفاع عنه، أو تلميع صورته، أو التغاضي عن أفعاله بحجة أنه صديق قديم. لكن الصداقة ليست رخصة لمساندة الباطل، ولا سنوات المعرفة تمنح أحدًا حصانة أخلاقية. إن الوفاء الحقيقي لا يكون للأشخاص إذا تعارضوا مع الحق، وإنما يكون للمبادئ التي تحفظ كرامة الإنسان وعدالة المجتمع. ومن يجامل الظالم وهو يعلم ظلمه، فإنه لا يظلم الآخرين فحسب، بل يظلم الصداقة نفسها، لأنها تتحول من رابطة فضيلة إلى ستار يحجب الحقيقة. ثم تأتي جريمة الكلمة؛ فكم من أسرة تفككت بسبب إشاعة، وكم من سمعة اغتيلت بكذبة، وكم من إنسان عاش سنوات يدفع ثمن اتهام لم يرتكبه. إن الرصاصة قد تقتل إنسانًا واحدًا، أما الكلمة الكاذبة فقد تقتل حياة كاملة، وتترك آثارها في أسرته ومجتمعه. لقد أدرك الفلاسفة أن القانون يحفظ النظام، لكنه لا يصنع الأخلاق، وأن المجتمع لا يستقيم بالقوانين وحدها، بل بالضمائر الحية. فكلما ارتفع منسوب الأخلاق، قلت الحاجة إلى العقوبات، وكلما مات الضمير، ازدادت القوانين وعجزت عن تحقيق العدالة الحقيقية. إننا بحاجة إلى محكمة لا تُبنى بالحجارة، ولا يجلس فيها قاضٍ، بل يسكنها الضمير الإنساني. في تلك المحكمة تُحاكم قسوة القلوب، وكسر الخواطر، ونكران الجميل، وخيانة الأمانة، والصمت عن الظلم، ومجاملة الظالمين، والكلمة الجارحة، وكل ما يهدم الإنسان دون أن تلتفت إليه مواد القانون. وفي النهاية، قد ينجو الإنسان من حكم الأرض، لكنه لن ينجو من حكم السماء، ولن يفلت من محكمة الضمير التي لا تسقط أحكامها بالتقادم. فالجرائم التي لا يعاقب عليها القانون هي، في حقيقتها، أخطر الجرائم؛ لأنها لا تسرق مالًا أو تنتهك جسدًا فحسب، بل تقتل القيم، وتُميت الرحمة، وتكسر الإنسان من داخله. وإذا مات الضمير، فلن يبقى للقانون إلا أن يُحصي الضحايا، بعد أن يكون قد فات أوان إنقاذهم. باحث وكاتب ومستشار أكاديمي
765
| 23 يوليو 2026