رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من عجيب ما حلَّ بأرض مصر بعد هبَّة يناير الكبرى، ما شاع من أن الانتخابات ستجرى فيها بغير تلاعب أو تزوير. وحين اختبرت المقولة فيما خص مجلس الشعب، فوجئ خلق كثير بأن الادعاء صحيح، إذ على غير المألوف منذ نصف قرن ونيف، فإن المجلس المذكور جاء حقاً ممثلاً للشعب، وهو ما تناقلته الألسن بين مصدق ومكذب.
(1)
رويت قبل عامين قصة حوار جرى بين بعض نواب البرلمان التركي كانوا قد زاروا القاهرة، والتقوا نظراء لهم من أعضاء مجلس الشعب المصري، وكان بين الأخيرين واحد من المعارضين تطرق أثناء الحوار إلى الجهود التي تبذلها الحكومة لتزوير الانتخابات لإسقاط أناس بذواتهم وإنجاح آخرين. حينذاك لم يستوعب النواب الأتراك القصة، وطلبوا من محدثهم المصري أن يشرح لهم حكاية التزوير هذه، وكيف تتم عملية التلاعب في الأصوات، واستغرق الأمر بعض الوقت لإقناع الأتراك بما استغربوا له من أن الحكومة والأجهزة الأمنية هي من يقرر الناجحين والراسبين في الانتخابات، وأن تشكيل البرلمان يحدده القرار السياسي وليس أصوات الناخبين.
بسبب من ذلك فإن الحرية والنزاهة التي جرت بهما الانتخابات تجعلان منها حدثاً كبيراً ونقلة مهمة في التاريخ المصري الحديث، إذ إلى جانب كونه يعد أول مؤسسة مدنية ينتجها الشعب بعد الثورة، ومن ثم أول تجسيد للنظام الديمقراطي المنشود وأهم خطوة اتخذت لتسليم السلطة من المجلس العسكري إلى الحكم المدني، فإن الحدث له سمات أخرى لها دلالتها هي:
< إن المجلس كله ــ تقريباً ــ خرج من عباءة المعارضة. لا يغير من ذلك ما قيل من أن بضعة عشر شخصاً من فلول النظام السابق انتخبوا فيه، إذ لا قيمة لهذا العدد وسط نحو 500 نائب بالبرلمان، جميعهم من مجموعات سياسية معارضة.
< إنها المرة الأولى في التاريخ المصري المعاصر التي يجد فيها الإسلاميون باختلاف مدارسهم أنفسهم يعملون جنباً إلى جنب في مؤسسة واحدة وتحت سقف واحد مع الليبراليين والعلمانيين باختلاف أطيافهم، ومطلوب من الطرفين أن يشتركا معاً في حمل مسؤولية الرقابة والتشريع وانتخاب لجنة وضع الدستور، والتحدي الذي يواجهه هؤلاء وهؤلاء هو كيف يمكن أن يكتشف كل طرف الآخر، وكيف يتغلبون على سوء الظن المتبادل بينهما، ويبحثان عن مشترك يمكنهما من النهوض بالمسؤولية التي اشتركا في حملها.
> إنها المرة الأولى في التاريخ المصري المعاصر أيضاً التي يحصد فيها الإسلاميون أغلبية تجاوزت 70? من عضوية المجلس النيابي، الأمر الذي يعد اختباراً لمقولاتهم ومشروعهم، كما يمثل امتحاناً لقدرتهم على فهم الواقع، والتجاوب معه والاستجابة لمتطلباته، وكذلك قدرتهم على التفاعل مع القوى الوطنية الأخرى. ونتيجة هذا الاختيار هي التي ستحدد ما إذا كانوا يشكلون إضافة حقيقية إلى المجتمع أم أنهم عبء عليه. وهل هم أمل يمكن المراهنة عليه أم هم يتعين الخلاص منه.
(2)
لا مجال للحديث عن أداء المجلس، فنحن مازلنا بإزاء لحظات تحرير شهادة الميلاد بعد الاتفاق على اسم المولود والتعرف على جنسه. وغاية ما نستطيعه الآن أن نتفرس في وجهه ونحاول أن نرصد ملامحه. أعني أننا لم نمد بصرنا إلى أبعد من تركيب المجلس وتشكيل مجموعات عمله وما تناهى إلينا من حوار بهذا الخصوص بين التيارات المختلفة. في هذا الصدد نلاحظ ما يلي:
< إن 15 حزباً جرى تمثيلها في مجلس الشعب، 13 منها تأسست أو أجيزت بعد الثورة، وحزبان فقط ينتميان إلى مرحلة ما قبل 25 يناير، أحدهما حزب الوفد الذي فاز بـ38 مقعداً وهي نسبة لا تتناسب مع تاريخه، وحزب التجمع الذي حصل على ثلاثة مقاعد فقط، رغم مضي 35 سنة على تأسيسه.
< إن تحالف الكتلة المصرية الذي ضم أحزاب المصريين الأحرار والديمقراطي الاجتماعي والتجمع حصل على مليونين و400 ألف صوت، وإذا صح أن الأقباط بتشجيع من الكنيسة صوتوا لصالح الكتلة ولحزب المصريين الأحرار تحديداً، فإن حصولها على تلك النسبة المتواضعة من الأصوات يثير أكثر من تساؤل حول حجم الصوت القبطي ومن ثم حول العدد الحقيقي للأقباط في مصر، إذ المتواتر أن ما بين مليون ومليون ونصف المليون منهم صوتوا للحزب، وهو ما يشكك كثيراً في المبالغات المتداولة عن أعداد الأقباط، ويرجح كفة تقدير أعدادهم بما لا يجاوز ستة ملايين شخص.
< إن الهوية الإسلامية صوت لصالحها أكثر من 18 مليون شخص باتوا يمثلون أكثر من 70? من أعضاء مجلس الشعب، رغم أن المنتمين إلى الأحزاب التي عبرت عن تلك الهوية كانوا الأكثر تعرضاً للاضطهاد والقمع في ظل النظام السابق.
< إن الأحزاب المعبرة عن الهوية الإسلامية ليست بالتماسك الذي يبدو لأول وهلة، ولئن كانت قوية شكلا إلا أننا لا نستطيع القول بأنها قوة تصويتية واحدة. فالإخوان حريصون على أن يحتفظوا بمسافة إزاء السلفيين، من ناحية لكي لا يحملوا بمواقف الآخرين التي لا يوافقون عليها، ومن ناحية ثانية لتجنب احتمال تقسيم البرلمان بين قوى دينية وأخرى مدنية. والسلفيون أنفسهم ليسوا فكراً واحداً، إذ بينهم اتجاه يؤيد المشاركة الديمقراطية ومستعد للتفاعل مع أغلب قيمها، وبينهم اتجاه آخر لا يزال يرفض الديمقراطية ويرى فيها ضلالاً ومدخلاً إلى الكفر. وحزب البناء والتنمية الذي أسسه أعضاء الجماعة الإسلامية وحصل على 15 مقعداً يرى أنه وسط بين الإخوان والسلفيين يسعى لفض الاشتباك بينهما، أما حزب الوسط فهو حريص على أن يحتفظ بمسافة مع الإخوان، ويبدو مشتبكاً معهم في بعض الأحيان، ويحاول أن يصطف أكثر إلى جانب الأحزاب الليبرالية.
< من الملاحظات الجديرة بالانتباه في هذا السياق أن الإخوان موجودون في العمل السياسي منذ عدة عقود، وأن الجماعة الإسلامية التي انتهجت سبل العنف في المرحلة الساداتية وشاركت في اغتياله مارست نقداً ذاتياً لأفكارها في سلسلة كتب «المراجعات»، ثم انتقلت بعد ذلك إلى العمل السياسي والسلمي من خلال حزب البناء والتنمية. أما السلفيون الذين كان موقفهم التقليدي ناقداً للديمقراطية ورافضاً لها، فإنهم تحولوا فجأة إلى العمل السياسي وإلى المشاركة الديمقراطية دون أن يراجعوا موقفهم الأصلي، فيما هو معلن على الأقل.
(3)
في ظل هذه الملابسات المعقدة بدا مصطلح «التوافق» وكأنه المفتاح السري الكفيل بتسيير دفة مجلس الشعب وتوفير فرص النجاح له في أدائه لمهمته. ورغم أن ذلك مدخل صحيح إلا أنه يحتاج إلى ضبط، ذلك أنه قد يبدو معطلاً ومتعذراً إذا كان يعني اشتراط إجماع كل الأحزاب الخمسة عشر الممثلة في المجلس، وقد يكون مدخلاً تلجأ إليه الأحزاب الصغيرة التي لا يتجاوز ممثلوها أصابع اليد الواحدة، لابتزاز القوى الممثلة لأغلبية الشعب واستخدام «الفيتو» ضدها. وقد يكون مقبولاً ومفهوماً أيضاً إذا كان يعني استمرار التفاهم بين القوى الرئيسة «الحرية والعدالة والنور والوفد والكتلة مثلاً». وقد لا يكون هناك مفر من اللجوء إلى التصويت العام في بعض الحالات لحسم الاختلاف في الرؤى والاجتهادات.
في رأي الدكتور عمرو هاشم ربيع الخبير بمركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام أنه رغم أهمية التوافق فإن التقسيمات النمطية التقليدية لن يكون لها حظ كبير في مجال عمل المجلس، ففكرة التحالفات لن تكون قائمة بالضرورة، ولا قسمة اليمين واليسار ولا الاصطفاف في معسكرين ديني ومدني. إنما ستتغير المواقف بتغير الموضوع المثار، إذ قد يتفق البعض حول موضوع ثم يختلفون في موضوع آخر، وبشكل عام فإن فرصة التوافق حول ما هو سياسي واقتصادي أو معيشي قد تكون أفضل كثيراً من الاتفاق حول ما هو ثقافي مثلاً، علماً بأن أحداً لا يستطيع أن يتكهن بحجم الخلافات التي يمكن أن تنشأ بين الفرقاء في مرحلة انتخاب لجنة الدستور أو أثناء إعداد الدستور.
لا مفر مع ذلك من الاعتراف بأن حداثة تجربة اشتراك الجميع في مجلس الشعب، ومن ثم «اضطرارهم» للعمل معا لم تخل من تأثر بالرواسب القديمة والحساسيات بين القوى السياسية المختلفة. وقد ظهر ذلك أثناء تشكيل لجان المجلس، حيث اعتذر بعض ذوي الخبرة من الأحزاب الأخرى عن رئاسة بعض اللجان لعدم رغبتهم في التعاون مع الإخوان، رغم أن منهم من تولى بعض مواقع المسؤولية في ظل النظام السابق، وتذرع آخرون بحجة التوافق لفرض شروطهم على الأغلبية.
(4)
في هذه الأجواء التي أنعشت أملنا في التقدم على طريق تأسيس النظام الديمقراطي الجديد، واستبشرنا خيرا بإجراء الانتخابات بحرية ونزاهة، فإننا لم نعدم أصواتاً امتعضت لما أسفرت عنه النتائج التي أظهرت فوز الأحزاب الإسلامية بنسبة عالية من الأصوات. نعم عبر بعض ذوي النوايا الطيبة عن أملهم في أن تطور تلك الأحزاب من أفكارها ومواقفها بحيث تنجح مع الجماعة الوطنية في تضميد جراح الوطن والأخذ بيده لتجاوز أزمته، إلا أن الممتعضين ما برحوا يعبرون عن حزنهم وتشاؤمهم، فقرأنا تشكيكاً في قدرة الفائزين على الإنجاز، وتخويفاً من احتمالات التضييق على الحريات العامة والخاصة. كما قرأنا غمزاً في دور الدين الذي استخدم لجذب الأصوات. قرأنا أيضاً غمزاً من نوع آخر في وعي الناس وانتشار الأمية بينهم وردوا ذلك في انحيازهم إلى الأحزاب الإسلامية.. إلخ.
كل هذه الانتقادات على قسوة بعضها مفهومة وليست مفاجئة، إذ يحفل بها الإعلام المصري منذ عقود، لكن ما كان جديداً وصادماً حقاً هو ما قرأناه في جريدة «الأهرام» «صباح يوم الثلاثاء الماضي 24/1»، للدكتور مراد وهبة. ذلك أنه استحضر تاريخ الحزب النازي وما فعله باليهود في ثلاثينيات القرن الماضي، وخلص منه إلى أن المشكلة لم تكن في هتلر وحملة الإبادة «الهولوكوست» التي حدثت أثناء حكمه لألمانيا، ولكنها كانت أيضاً في الشعب الألماني ذاته الذي شاعت في أوساطه معاداة السامية، وظل مهجوساً بأن الشعب الآري هو الذي سيقود العالم ويصبح معلم البشرية. إلى هنا والكلام عادي ويمكن اعتباره بمثابة قراءة يمكن الاتفاق أو الاختلاف معها، لكن الدكتور وهبة وظف هذه الخلفية للانقضاض على الإخوان والمطابقة بين كلام مرشدها الدكتور محمد بديع وبين الفلسفة الملهمة لهتلر والحزب النازي. ولو أنه أراد هجاء الإخوان فقط لهان الأمر نسبيا، ولأصبح الرد على الكلام حقا لهم. لكن المشكلة أنه حين اتهم الشعب الألماني بالنازية، فإنه أسقط نفس المعيار على الشعب المصري، الأمر الذي فهم منه غمزاً في عقيدة الشعب المصري التي دفعته إلى التصويت للإخوان والسلفيين، خصوصاً أنه تساءل عن التماثل بين الحزب النازي والإخوان. وحين فعل ذلك فإن هجاءه للإخوان الذي هو حر فيه تحول إلى ذم ليس فقط للشعب المصري ولكن إلى تجريح لعقيدته. سواء قصد الرجل ذلك أم لم يقصد، فإن كلامه أثار التباسا واستياء حدثني عنه كثيرون، وكان له أثره الغاضب في مقالة كتبها زميلنا الأستاذ أسامة غيث في جريدة «الأهرام» ذاتها عدد «28/1».
إنه أمر محزن حقاً أن يحلم الجميع بتوافق واحتشاد لتحقيق الأمل في المستقبل، ثم يفاجئنا أحد الحانقين «بكرسي في الكلوب» يريد به أن يطفئ البهجة ويشيع الظلام في السرادق المنصوب.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2235
| 09 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1122
| 11 أكتوبر 2026
أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين أننا أضعنا وقتا طويلا في طرق أبواب لا تعرفنا، بينما كان هناك باب واحد يستحق أن نقف أمامه طويلا، وصاحب ينتظر منا التفاتة صغيرة، أو سؤالا عابرا، أو زيارة تؤكد له أنه ما زال حاضرا في قلوبنا. ثم تمضي الأيام، ويغيب صاحب الباب، ونكتشف أن الطريق إليه صار أبعد من قدرتنا، وأن بعض المواعيد التي أجلناها بحجة الانشغال قد لا تمنحنا الحياة فرصة أخرى للوفاء بها. الأسى الحقيقي أن تطرق في الدنيا بابا، فيما قد يكون صاحب القلب الذي أهملته قد سبقك إلى غياب لا تعرف متى تلتقيه بعده، ولا كيف يمكن أن تصله رسائلك المؤجلة. أن تنشغل بمن لا يراك، وتستنزف مشاعرك في استرضاء من لا يعنيه حضورك، وتبذل من وقتك وكرامتك ما يكفي لشراء لحظة رضا عابرة، فيما هناك قلب يحبك بصدق، ويكتفي منك بما تستطيع من محبة واهتمام. قد يكون ذلك القلب أما أو أبا أو أو أخا صديقا قديما، أو شخصا منحك من عمره ما لم تنتبه يوما إلى قيمته، لأنه كان قريبا بما يكفي لتطمئن إلى بقائه. نؤجل الزيارات أحيانا لأن الغد يبدو مضمونا، ونختصر المكالمات لأن لدينا ما هو أهم، ونعد أنفسنا بأننا سنعوض من نحب حين تنتهي مشاغلنا. غير أن المشاغل تعرف كيف تتكاثر، والأيام تمضي من غير أن تستأذننا، حتى يأتي خبر صغير يغيّر ترتيب الأشياء في أعيننا إلى الأبد. عندها نستعيد وجوها لم نمنحها حقها من التأمل، وأصواتا كنا نستعجل انتهاء أحاديثها، وعتبا بسيطا تمنينا لو سمعناه مرة أخرى. ما أغرب قدرتنا على منح الغرباء من وقتنا أكثر مما نمنح أهلنا، وعلى الوقوف طويلا أمام أبواب مغلقة نرجو منها قبولا أو اعترافا، فيما نمر سريعا على الأبواب التي تفتح لنا بمحبة. نركض وراء مكانة قد لا تضيف إلى أرواحنا شيئا، ونحزن لأن شخصا لم يلتفت إلينا، وننسى من كان يفرح لمجرد سماع أصواتنا. وحين نراجع حساباتنا بعد الفقد، ندرك أن بعض ما أرهقنا كان يستحق التجاهل، وأن بعض من أهملناهم كانوا يستحقون أعمارا إضافية من قربنا. ولعل أقسى ما في الرحيل أنه يكشف لنا حقيقة علاقاتنا بأنفسنا أيضا. كم مرة خذلنا مشاعرنا الصادقة كي نرضي آخرين، وكم مرة اعتذرنا عن زيارة حبيب بحجة التعب، ثم احتملنا مشقة الطريق إلى شخص لا يبادلنا الود. كم مرة عرفنا أن أحدهم يحتاج إلينا، وقلنا إن الوقت لم يحن بعد، حتى صار الوقت كله ملكا للندم. لا أظن أن أحدا يستطيع استعادة الماضي، أو إصلاح ما انكسر في لحظة غياب، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نوزع محبتنا بعدالة أكبر، وأن نعيد النظر في أولوياتنا قبل أن يفرضها علينا الفقد. فالعلاقات الحقيقية تحتاج إلى رعاية يومية، وإلى حضور يشعر به الآخر، وإلى كلمات تقال في وقتها، واعتذارات لا تتأخر حتى تفقد معناها. وقد تكون زيارة قصيرة أثمن من هدية باهظة، ومكالمة صادقة أعمق أثرا من وعود طويلة نرددها كلما ضاق بنا تأنيب الضمير. أما الذين رحلوا، فلهم في القلب مكان لا تبلغه الأقدام، وتبقى ذكراهم امتحانا لمحبتنا ووفائنا. نرجو أن تصلهم دعواتنا، ونحفظ ما أحبوه، ونصل من كانوا يحبونهم، ونجعل من غيابهم سببا لمزيد من الرحمة في حياتنا. وربما كان أجمل الوفاء لهم أن ننتبه إلى الأحياء الذين ما زالوا ينتظرون منا التفاتة، قبل أن تتحول أسماؤهم إلى ذكريات نستدعيها كلما أوجعنا الحنين. فلنخفف من طرق الأبواب التي تستنزف أرواحنا، ولنلتفت إلى الذين يفتحون لنا قلوبهم بمحبة. فما أقسى أن نقضي أعمارنا في انتظار من لا يأتي، ثم نكتشف أن الذين كانوا يستحقون انتظارنا قد رحلوا إلى حيث لا نعرف من أمر اللقاء إلا ما نرجوه ونؤمن بإمكانه. عندها لن يعيد الاعتذار المتأخر صوتا غاب، ولن تعود يد امتدت إلينا ذات يوم لتمنحنا الأمان. وربما كان علينا أن نفهم باكرا أن بعض الأبواب ينبغي أن نغادرها، وأن بعض الأبواب تستحق أن نبقى عندها أكثر، لأن أصحابها كانوا يمنحوننا الحب الذي بحثنا عنه طويلا في الأماكن الخطأ.
633
| 12 أكتوبر 2026