رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
المسيرات الشعبية إلى ميدان التحرير لم تكن مجرد روافد، ولكنها كانت أذرع الثورة الممتدة عبر القاهرة المحررة لتعلن "أنا الشعب"، وهو تعبير طال انتظاره، ولم يكن للمسيرات التي امتدت عشرات الكيلومترات وانضم إليها مئات الألوف، مجرد الشكل حيث ضمت الطفل والشيخ والسيدة ومن حولهم وبينهم شباب لا تملك إلا أن تزهو به وتدعو الله أن ينصر بهم جميعا وطنا أحبوه وضحوا بحياتهم وجهدهم وعرقهم في سبيل حريته، فاحتضنهم وخرج الشعب على الأرصفة ومن الشرفات يحيي مواكب النصر والإصرار ليؤكد أن "الثورة مستمرة" حتى تحقق أهدافها، هذا ما كان من أمر الشكل، أما من حيث المضمون فكما هي أذرع الثورة الممتدة في عمق القاهرة الشعب والجغرافيا، فقد حملت المسيرات رسائل بلا حدود.
الرسالة الأولى أنها تمت بسلام وبلا أي صدام، ورغم إعلان الجيش والشرطة أنهم سيخلون الشوارع، إلا أنه يبدو أن هناك إعلانا آخر بأن البلطجية يمتنعون، وهو شهادة أن الشباب والشعب مهما كان حجم الحشود، فهم في سلام وكل المنشآت أيضا طالما ليس هناك تدخل خارجي يفرض الدفاع عن النفس.
الثانية كانت رسالة الإصرار على أن اليوم ليس يوم احتفال ولكنه يوم لإعلان استمرار الثورة، يوم تعاقد جديد بين الشعب وشهدائه وبين الشعب وبعضه البعض، في كل أنحاء مصر، بأن الثورة مستمرة حتى تحقق أهدافها، وأنها لن تتوقف مهما قال البعض إنها دعوة غير أخلاقية أو حرض على الشباب، أو حاول بعض آخر سرقة الشرعية من حركة الشعب ونسبتها إلى فرع أنتجه التصويت الذي جرى وصار برلمانا، لا شرعية له أن انضم إلى مناورات الالتفاف على الثورة، أو محاولات إجهاضها تحت نفس الشعارات التي ترفعها الثورة.
والثالثة كانت تحطيم الأصنام التي صنعوها من تراب الأرض ودم الشهداء لينصبوا هذا أمينا للثورة أو يعلنوا أنهم حاملو أختام الثورة ليحكموا بأن هذا ثائر وهذا ليس بثائر، أو أنهم قد ملكوا الميدان أرضا وملكوا مفاتيحه، وأعلنت المسيرات مضمون الثورة أن ميدان التحرير ليس مجرد الأرض، ولكنه المعنى والروح، وروح التحرير هي الوقود الذي يحرك مئات الآلاف في كل شوارع مصر، هي الفكرة، أكثر منها الوجود فوق الأرض، وقد استدعى هذا تقاذفا بالشعارات، لم يرق إلى الصدام، ولكن خسر الإخوان الذين حاولوا إحالة الموقف إلى احتفالية، تارة بالأغاني الوطنية، وأخرى بإذاعة القرآن الكريم للحد من هتافات الحشود، ورفع البعض الأحذية في مواجهة منصتهم، وقذفوها بزجاجات الماء الفارغة، ورغم تدخل عديد من الخطباء لامتصاص غضب الحشود، ونداءات من شباب الإخوان بأن كل الشعب يد واحدة غير أن الهتافات ضد مرشد الإخوان العام لم تتوقف طيلة المسيرات.
ليس مطلوبا في هذه اللحظات أن نتحدث عن لماذا هذا الغضب، ويكفي أن نقرأ تصريحا لنائب المرشد تناقلته وكالات الأنباء والصحف: "أرجع خيرت الشاطر تأخر تسليم إدارة البلاد إلى المدنيين إلى المجموعات التي تحاول نشر الفوضى في مصر ". مؤكداً أن الجيش يرى ضرورة تسليم إدارة البلاد إلى سلطة مدنية"، لندرك أن أحدا لا يجني إلا ما تغرسه يداه.
وكانت رسالة مضمون وهدف الثورة في ثلاثية "عيش ـ حرية ـ عدالة اجتماعية"، دلالة ثالثة في وحدة الشعار وشموله لمعنى الإرادة الشعبية التي قبلت بدفع الثمن وصبرت وصابرة طوال عام بأكمله من أجل تحقيقه وهو مازال يراوح مكانه ولم يجد من إرادة الإدارة لا الاستيعاب ولا القدرة على تحقيقه، بل مراوحة، أقرب للهروب منها عجزا في الأداء.
إن لقمة العيش الكريمة التي يريدها الإنسان المصري ليست معجزة مستحيلة، ولكنها تريد من يقتنع بحق الإنسان فيها، إنها المقدمة الأولى لحرية الإنسان في الاختيار، إنها بوابة الإحساس بالعزة، إن شعار ارفع رأسك يا أخي فقد مضى عهد الاستعباد، وشعار ارفع رأسك فوق أنت مصري، لم يعد لهما من سبيل إلا برفع الغبن عن لقمة الخبز المباشرة التي يحتاجها الإنسان. وإذا كان المدخل إلى هذا توازن بين الأجور والأسعار، فإن البوابة الرئيسة إليه هي أمن المواطن. إن حرية لقمة العيش وأن يجد الإنسان قوت يومه، هي الحرف الأول من الأمن القومي، وآخر الأحرف القدرة القتالية لجيشه، لقد تحمل الشعب المصري ما يقرب من 45 عاما منذ حرب 1967 أن يكون قوته عند حد الكفاف، ولكن يومها كانت صرخة المواطن أن كيلو اللحمة أصبح "بجنيه" وهو يتجاوز السبعين جنيها اليوم، بل تجاوزت الأسعار إلا أن الطعام الرئيس للإنسان المصري "الفول والخبز والملح والزيت والسكر والشاي" صار عبئا اقتصاديا على الأسرة متوسطة الحال.
إن مطلب الحرية لا يعني بأي حال التنازل عن الهوية الوطنية أو القبول بأي صورة من صور الإرهاب الفكري مستوردا من الشرق أو من الغرب، إن هتاف الشباب "بالحرية حتفضل مصر غالية عليه" فد حققه بالفعل، لقد شكل الشباب غرف عمليات تلقائية يحددون بها من يختارون لمجلس الشعب، وكانوا يناقشون عبر الإنترنت والهاتف الأسماء، ويختارون، ولكن القصور لم يكن في الاختيار، القصور كان في طبيعة البضاعة المعروضة واتساقها مع حجم الأعداد المطلوبة. وهي ذات المشكلة في اختيار الرئيس، فالكل في حيرة مما هو مطروح، وحديث أن أي رئيس يمكن أن نغيره، يصطدم بحقيقة أن "حامد كرزاي" مازال في أفغانستان واحة الدم والديمقراطية الأمريكية، ومازال عند نفس النقطة يسعى للحوار مع "طالبان" كما نقلت وكالات الأنباء، أي أن كلا الطرفين موجود، ومازالت أفغانستان دون الخطو للأمام، ولا يحاجج أحد بأن مصر ليست أفغانستان، ولكنها هي ذات التجارب وذات النتائج المتوقعة، أو هو الدم.
إن مطلب الحرية عميق بعمق الحياة. وليس مجرد كلمة ننطقها فتتحقق.
إن مطلب العدالة الاجتماعية من الجدية بمكان، يلزم معه رؤية للاقتصاد المصري المهلهل، والذي لا يمكن به لا تحقيق تنمية جادة ولا عدالة اجتماعية، مما يعني أن العصب الرئيس للأمن القومي المصري غائب أو هو بيد أجنبية.
إن ذلك يفرض ضرورة استمرار الثورة حتى تجد مرفأ لها تستقر عليه، إن الأدوار قائمة تنادي من يتولاها، ولكن الانشغال عنها بالصراعات الباقية من النظام القديم تعصف بها من كل جانب.
لقد نجح الشباب رغم مسؤوليات استمرار التظاهر، في أن يجد بفكر جديد معادلة التعامل مع الإدارات القائمة بهدف التغيير، إن المظاهرات التي أطلقوا عليها الفئوية، واستخدام الاحتشاد في مواجهة أي قرار يمس لقمة العيش، هو خروج عن نمط الحياة والسلوك المعتاد من الشعب المصري، وأكثر من هذا وأعمق، لم تكن النظرة إلى المواقف والأزمات من باب الأنا أو المصلحة مباشرة، بل يفكر فيها بعمق، ويربط بين المواقف ومعنى الظلم، ويعظُم قيمة المعلومات، واكتسب الثقة في النفس إلى حد أنه لا يخشى من القادم حتى وإن كان يركن حتى الآن إلى التجربة والخطأ. ويملك قراءته الخاصة لنتائج الانتخابات الأخيرة، ويقبل بها ويبحث عما بعدها وحجم ما ترتب عليها من مسؤوليات جديدة على كاهله، وهذا أيضاً معنى استمرار الثورة، بل هو المعنى العملي لما أطلق عليه نجيب محفوظ "الثورة الأبدية".
إن هذه الأنماط الجديدة على الشعب المصري من حيث الفكر والسلوك، والإحساس بالمسؤولية وحتى عمق الزمن اللازم لتحقيق الغايات العليا، تم تجاوزه وبحده وبإجماع عام في المضمون الخامس للمسيرات الشعبية، وهو النداء الصارخ "يسقط يسقط حكم العسكر"، وهو أمر يجب تناوله بمنتهى الجدية.
نعم الجيش هو القلب الصلب لمصر. ولا أعتقد أن التمييز بين الجيش وقيادته في هذه الآونة أمر حقيقي، ولكنه غلاف من السلوفان نغطي به الحقيقة، فالمجلس العسكري هو من وافق على نهج مواجهة الشباب بالقتل، وعناصر من خيرة القوات المسلحة نفذت الأمر.
التباطؤ ليس إلى حد التواطؤ، ولكن التباطؤ والتواطؤ، أديا إلى جرائم القتل والسحل والاعتقال والمحاكمات العسكرية، وزاد الطين بلة الصمت دون حساب المسؤولين عن عمليات القتل.
حركة الشعب تطالب بإسقاط حكم العسكر، نتيجة الجرائم المسكوت عنها، والبديل تقديم موعد انتخاب الرئيس.
والإخوان يطالبون بإنهاء حكم العسكر، حسب الاتفاق، والبديل لديهم ولدى العسكر محدد.
العسكر أضعف من إعلان موقف محدد، ويتعاملون بذات منهج النظام السابق، "دع الزمن يتكفل بالعلاج"، ولم يعد هذا المنهج صالحا للتعامل مع حالة اليقظة بعد يناير 2011، والضعف ينتج سوء القرار ويزيد من مبررات المطاردة الشعبية لهم.
والمجلس الاستشاري الذي ضم أعضاء حاولوا إحداث توازن بين خياري أيهما يسبق الدستور أم الانتخابات ومع نتائج استفتاء السامري، أسقطته تصرفات المجلس العسكري فقد قيمته لدى الشعب، وفقد مصداقيته وصار بتصريحات رئيسه ومواقف أعضائه.
الخيارات القادمة أحلاها مر علقم. والأقرب إلى الحدوث صدام آخر، ودم حول لجنة الدستور بعد صدام الرئيس.
قال السامري إنه لا يجب صياغة دستور تحت حكم العسكر، أليس هو قائد ومفكر الانقلاب على الثورة.
لا أتوقع سلاما قريبا ولكن الأقرب إلى الحدوث صدام بين طرفين رفضا حكم العسكر ولأسباب اختلاف أخرى، وما أكثرها.
فهل يبلغ المجلس العسكري الرشد ويقرر محاكمة علنية لقاتلي الثوار، أم أنه حتى يأخذ هذا القرار يحتاج معجزة من السماء؟
وإذا اتخذ هذا القرار هل سيصدقه الشعب؟
للأسف الآن لا إجابة، غير أن الشعب مازال ينادي بسقوط حكم العسكر ويطالب بذلك خلال ثلاثة أشهر بينما برنامج المجلس العسكري ينتهي بعد خمسة أشهر، وفارق المضمون صار مجهولا ولا يحمل من مفاجآت غير العرق والدم والدموع.
الآن نحن في طريق اختلطت فيه الأوراق، يفوز البعض على المدى القريب، بينما يحفل الوطن باحتمالات المواجهات الحادة بين القوى داخله، واحتمال أن تفوز الثورة على المدى البعيد قائم في الأفق.
الثمن باهظ جدا، فهل يعيد شباب الثورة ترتيب الأوراق من جديد، ويحسم أمره بمواصفات الرئيس، أم إنه سينفتح الباب ليدخل منه مسيلمة الكذاب ليكمل ما فعله السامري.
الفارق بين الغباء والعبقرية أن للعبقرية حدود.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8898
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4803
| 22 سبتمبر 2026
بين تعميمين أسبوع واحد. في الثالث من سبتمبر 2026 عمّمت إدارة شؤون المدارس والطلبة بوزارة التربية والتعليم والتعليم العالي حظر استخدام العقاب مع الطلبة بكل أشكاله: البدني واللفظي والنفسي، وكل ممارسة تُسيء إلى الطالب أو تؤثر سلبًا في سلامته وتكيفه مع البيئة المدرسية. وفي العاشر منه دشنت الوزارة سياسة إدارة سلوك الطلبة بالمدارس ورياض الأطفال الحكومية ودليلها التنظيمي. الخطوتان صحيحتان، والأسبوع الفاصل بينهما هو المشكلة: كان كافيًا ليستقر في الأذهان أن الحظر جاء بلا بديل، فامتلأ النقاش العام بعبارة «من أمن العقوبة أساء الأدب» قبل أن يصل خبر البديل. والحظر ليس مستجدًّا حتى يُفهَم هكذا. قرار وزير التربية والتعليم رقم (3) لسنة 1993 يمنع العقاب البدني، والقرار رقم (57) لسنة 2001 يحظر أي شكل من أشكال العنف ضد الأطفال والطلبة، وقد ذكرت الوزارة بهما في تعميم سابق عام 2024. أي أن عمر الحظر ثلاثة عقود، وأن الجديد في سبتمبر هو البديل لا المنع. لكن البديل، كما أُعلن، يرتب سلوك الطالب ولا يُعلن ما يقابله: الإجراء الذي يحمي المعلم حين تُرفع في حقه شكوى غير صحيحة. وهذه بعينها الثغرة التي دفعت كوريا الجنوبية ثمنها. حظرت العقاب البدني المباشر في مدارسها في مارس 2011 بتعديل اللائحة التنفيذية لقانون التعليم الابتدائي والثانوي، وتركت المعلم وحده أمام الشكوى. وبعد اثنتي عشرة سنة، وعقب احتجاجات واسعة للمعلمين في صيف 2023، أقرّ البرلمان في 21 سبتمبر 2023 أربعة تعديلات عُرفت بقوانين استعادة حقوق المعلم: تشدد معايير مساءلته بتهمة إيذاء الطفل، وتمنع إيقافه تلقائيًّا عند مجرد الاتهام، وتمنع مدير المدرسة من التهوين أو الإخفاء. وكانت الكلفة قد ظهرت في الأرقام قبل ذلك: 1133 معلمًا تعرضوا لمضايقات من هذا النوع بين 2018 و2022، و589 معلمًا خدمتهم أقل من خمس سنوات تركوا المهنة في عام واحد مقابل 303 في العام السابق. ثم ألغى مجلس سول لائحة حقوق الطلاب بعد اثنتي عشرة سنة من سنّها، لأنها أُخذت على إغفالها المعلم. والمسألة عندنا مقاسة لا متوهَّمة. في تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن نتائج قطر في برنامج التقييم الدولي للطلبة (PISA) لعام 2022، أفاد نحو 26% من الطلبة بأنهم لا يستطيعون العمل جيدًا في معظم الحصص أو كلها، و33% بأنّ الطلبة لا يستمعون إلى ما يقوله المعلم. فالمعلم يواجه مشكلة ضبط حقيقية، وحين يُسحب منه أسلوبٌ قديم ولا يُسلَّم إجراءً مضمونًا، فأقصر الطرق أمامه أن ينسحب من التدخل أصلًا: لا يُقوّم ولا يوثق ولا يبلّغ. وهذا الانسحاب أضرّ من العقاب، لأنه لا يُرى ولا يُحصى. وقد تردد في الأيام الماضية على ألسنة المعلمين والمعلمات ومديري المدارس قلق من تلاشي صورة المعلم المهيب، وأن يحل محلها موظف يؤدي ولا يربي. والخاسر الأكبر في هذه المبادلة هو التعليم نفسه. والمطلوب أن يُستكمل الدليل التنظيمي بطرفه الثاني، في ثلاث خطوات متسلسلة: أن تُنقل الشكوى من عاتق المعلم إلى فريق مدرسي مختص يتلقاها ويحقق فيها، فلا يبقى المعلّم خصمًا وشاهدًا في الوقت نفسه. وأن يُنص صريحًا على أن التوجيه التربوي المنضبط الموصوف في السياسة نفسها ليس إساءةً بحكم التعريف، وأن الاتهام وحده لا يترتب عليه إجراء في حق المعلم قبل التحقيق. وأن يُدرب الأخصائيون النفسيون والاجتماعيون على تشغيل السياسة لا على تلقّي نصها، فهم من ستُحال إليهم الحالات. وهذه الخطوات مجتمعةً تُقيم التوازن في الإجراءات والتوجيهات الإدارية، فلا تُكتب لطرف على حساب طرف. ويبقى أن تُفتح هذه الزاوية الحساسة على الشفافية. فعدد حالات السلوك المسجلة، ومتوسط زمن معالجتها، وعدد الشكاوى المرفوعة على المعلمين وما ثبت منها، مؤشرات ثلاثة إن أُعلنت سنويًّا قومت المسار وحفظته. فما لا يُقاس لا يُدار. أسبوع واحد فصل بين المنع والبديل، ولو صدرا معًا لاستُغني عن هذا كله. والأصل أن يخرج الحظر وطرفه المقابل في وثيقة واحدة، يستقيم بها التوازن في المحيط المدرسي فلا يطغى طرف على طرف. فحماية الطالب وحماية المعلم ليستا خطوتين متعاقبتين، بل وجهان لإجراء واحد.
3324
| 16 سبتمبر 2026