رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
سلطت (بي بي سي سبورت) الضوء على كل نهائيات كأس العالم في هذا القرن الحادي والعشرين والقرن العشرين وخلصت القناة البريطانية والتي قامت باستطلاع رأي أوروبي كانت نتيجته: «قطر 2022 كانت أفضل نسخة مونديالات القرنين» وشهد القرن الواحد والعشرون تنظيم البطولة في اليابان وكوريا الجنوبية في 2002، ألمانيا 2006، جنوب أفريقيا 2010، البرازيل 2014، روسيا 2018، وقطر 2022 وبلغت نسبة تصويت المشاركين لقطر 78%، يليه مونديال اليابان وكوريا بنسبة 6%، ثم مونديال البرازيل بـ5%، ومونديال روسيا 4%، ثم مونديال ألمانيا 4%، وأخيرا مونديال جنوب أفريقيا بـ3 % وفي هذا السجل كتب الإعلامي علي شيخون: «نجحت دولة قطر في تنظيم كأس العالم بصورة أبهرت الأعداء قبل الأصدقاء، وغيّرت الصورة الذهنية السلبية عن العرب والمسلمين، وأزالت بالممحاة ما دبره الحاقدون من الغرب والشرق لإفشالها كما نجحت قطر في تعريف ضيوفها بقيمها العربية والإسلامية، رغم الصورة الذهنية السلبية عنا فنجحت قطر في فرض مبادئها العربية والإسلامية بمنع المحرمات التي تضر بالإنسان، رغم صعوبة التحدي الذي يصل إلى حد الاستحالة.. ونجحت المنتخبات العربية والجماهير العربية في فرض حضور فلسطين في الحدث الرياضي، بصورة أصابت الصهاينة العنصريين بالإحباط واليأس من التواصل مع الشعوب العربية والإسلامية، ثم نجح منتخب المغرب في الوصول لنقطة بعيدة في الحدث، يعتبرها البعض حلما صعب المنال للعرب والمسلمين.. لكنه تحقق كما نجح منتخب السعودية في الفوز على الفائز بالحدث..
ونجح منتخب تونس في الفوز على وصيف البطل..ونجحت منتخبات ليس لها تاريخ في كرة القدم في إحراج كبار القوم فيها ونجحت منتخبات في تغيير النتائج من 2 - صفر أو 3 - صفر إلى تعادل أو فوز! لاعب واحد بمهاراته المتميزة جذب أنظار العالم كله، وأظنه أشهر من في الكرة الأرضية الآن، وأظنه يمثل قدوة لكثير من فتيان وشباب العالم وتبقى الصورة الأجمل، هي صورة القيم العربية والإسلامية (اللاعبون وآباؤهم وأمهاتهم) ونجح استثمار الحدث في آخر لقطاته (البشت العربي على كتفي قائد الفريق الفائز)، ليظل في ذاكرة العالم كله، أن الحدث الرياضي الأشهر في العالم قد تم على أرض عربية وبنجاح فائق ومنقطع النظير. واستمع العالم الى لغة الخطاب من صاحب السمو الأمير في الافتتاح ولغة الجسد له في الختام وطلاته بسعادة عند مشاهدته انتصارات الفرق العربية، تنبئ عن قائد واع ومدرك لما يفعل محب لأشقائه وفخور بإنجازاتهم كما انتصر التضامن العربي الواسع من الشعوب مع الفرق العربية خلال الحدث ومع فريق المغرب في صولاته وجولاته وهو ما يدعو للسعادة والاطمئنان أنه مهما كان بين الأنظمة العربية من خلافات مهما كان عمقها فلن يؤثر ذلك على علاقات الأخوة بين الشعوب. وبعد أن راحت سكرة المونديال، قضينا شهراً كاملاً سكارى وما نحن بسكارى، وليس كل المسكرات الحلال تؤخذ عن طريق الفم، فمنها ما يؤخذ عن طريق الأنف ومنها ما يؤخذ عن طريقي البصر والسمع.
ويعلم من ضمّ مجلسنا، ومن غاب عنه أيضا، قصة العباءة التي ارتداها ميسي وتمريرات المضائق الرياضية، والشرر المتطاير عنها في فضائيات أوروبا، خاصة منها الألمانية، التي اجتمع فيها ضيوف أجمعوا أنَّ ميسي «إله» لا يجوز العبث به، وأنها محاولة لطمس هويته، وإخفاء قميص فريقه مع أن العباءة العربية شفافة، لا تحجب الثياب التي دونها، وأنّ الأرجنتينيين الأفاضل سعدوا بالأمر، فهم قوم ليس لهم سوابق استعمارية مثل الدول الأوروبية التي نكّلت بدول العالم الفقيرة. وقيل إن كثيراً من الأرجنتينيين اشتروا العباءة العربية، بل إن رسامين ظرفاء رسموا بطلهم بالغترة والعقال. وكلُّ الأمر أنَّ ميسي ارتدى العباءة لدقائق، ورقص بها رقصة الكأس فثارت ثائرة العالم، وظنَّ الغرب الأوروبي أن العرب يسرقون ابنهم، وظن آخرون أن ارتداء ميسي للعباءة داخل في شأن التجارة والأعمال، وربما تذكر بعضهم قصيدة مسكين الدارمي (قل للمليحة في الخمار الأسود ماذا فعلت بناسك متعبد) وأوردت الصحيفة الإلكترونية (عربي 21) تحليلا في نفس السياق بقلم أحد الزملاء من كتابها جاء فيه خاصة أن الإعلام العالمي انشغل بصورة ميسي وهو نائم يحتضن كأس العالم، وليس أمه أو أطفاله، وخبر عرضه نعله الرياضي للبيع، فبيع بثمن مقداره 119 مليون دولار! وبأخبار أخرى مثل معانقة سيدة له، وحسدوها حسداً شديداً، فمن تكون السيدة التي حظيت بعناق الرجل المبارك، إمام الكرة العالمية، وسيّد الملاعب، وقيل إنها أمه. وأتذكر أني قرأت للمفكر المصري المعروف عبد الرحمن بدوي في مذكراته، ذكراً لكتابٍ كتبه المؤرخ السويسري (يوهان هوزينجا) صاحب كتاب (اضمحلال العصور الوسطى)، اسمه «الإنسان اللاعب»، صدر سنة 1938، وهو غير مترجم للعربية للأسف، وهو كتاب سابق في فنه، يعكف على دراسة تغيير الإنسان من خلال اللعب، كما نرى انشغال أولادنا في الألعاب وتظل القاعدة هي: «ما يظهر في وسائل العالم موجود وما يخفى معدوم. وقرأت قصة جميلة للكاتب المصري الراحل فؤاد قنديل في مجلة العربي، وتفقدتها في أعماله الكاملة، فلم أجدها. يذكر الراوي في القصة أنه سعد بمظاهرة في بلده في وجه السلطة واستبشر، فاقترب منها فوجد أنّ المظاهرة هي بين جمهوري فريقين رياضيين. ويذكر كاتب أمريكي في كتابه (الشمس والظل) أن حرباً اندلعت سنة 1969 بين هندوراس والسلفادور، وهما بلدان فقيران، بسبب «مسّ الكرة الشيطاني». وأطلق المؤرخون عليها اسم حرب كرة القدم، فقد اندلعت الشرارة بينهما في تصفيات المونديال، وذهب ضحيتها أربعة آلاف ضحية. أسياد الحروب والكرة كانوا يتفرجون، بينما خسر الشعبان دماءً كثيرة!
خلبوا ألبابنا، وشغلونا عن أحبابنا، ورفعوا اللعبة وشأنها رفعاً كبيراً، ويظهر أنَّ الشيء إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده، فقد ينقلب اللعب جدّاً.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2232
| 09 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1110
| 11 أكتوبر 2026
أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين أننا أضعنا وقتا طويلا في طرق أبواب لا تعرفنا، بينما كان هناك باب واحد يستحق أن نقف أمامه طويلا، وصاحب ينتظر منا التفاتة صغيرة، أو سؤالا عابرا، أو زيارة تؤكد له أنه ما زال حاضرا في قلوبنا. ثم تمضي الأيام، ويغيب صاحب الباب، ونكتشف أن الطريق إليه صار أبعد من قدرتنا، وأن بعض المواعيد التي أجلناها بحجة الانشغال قد لا تمنحنا الحياة فرصة أخرى للوفاء بها. الأسى الحقيقي أن تطرق في الدنيا بابا، فيما قد يكون صاحب القلب الذي أهملته قد سبقك إلى غياب لا تعرف متى تلتقيه بعده، ولا كيف يمكن أن تصله رسائلك المؤجلة. أن تنشغل بمن لا يراك، وتستنزف مشاعرك في استرضاء من لا يعنيه حضورك، وتبذل من وقتك وكرامتك ما يكفي لشراء لحظة رضا عابرة، فيما هناك قلب يحبك بصدق، ويكتفي منك بما تستطيع من محبة واهتمام. قد يكون ذلك القلب أما أو أبا أو أو أخا صديقا قديما، أو شخصا منحك من عمره ما لم تنتبه يوما إلى قيمته، لأنه كان قريبا بما يكفي لتطمئن إلى بقائه. نؤجل الزيارات أحيانا لأن الغد يبدو مضمونا، ونختصر المكالمات لأن لدينا ما هو أهم، ونعد أنفسنا بأننا سنعوض من نحب حين تنتهي مشاغلنا. غير أن المشاغل تعرف كيف تتكاثر، والأيام تمضي من غير أن تستأذننا، حتى يأتي خبر صغير يغيّر ترتيب الأشياء في أعيننا إلى الأبد. عندها نستعيد وجوها لم نمنحها حقها من التأمل، وأصواتا كنا نستعجل انتهاء أحاديثها، وعتبا بسيطا تمنينا لو سمعناه مرة أخرى. ما أغرب قدرتنا على منح الغرباء من وقتنا أكثر مما نمنح أهلنا، وعلى الوقوف طويلا أمام أبواب مغلقة نرجو منها قبولا أو اعترافا، فيما نمر سريعا على الأبواب التي تفتح لنا بمحبة. نركض وراء مكانة قد لا تضيف إلى أرواحنا شيئا، ونحزن لأن شخصا لم يلتفت إلينا، وننسى من كان يفرح لمجرد سماع أصواتنا. وحين نراجع حساباتنا بعد الفقد، ندرك أن بعض ما أرهقنا كان يستحق التجاهل، وأن بعض من أهملناهم كانوا يستحقون أعمارا إضافية من قربنا. ولعل أقسى ما في الرحيل أنه يكشف لنا حقيقة علاقاتنا بأنفسنا أيضا. كم مرة خذلنا مشاعرنا الصادقة كي نرضي آخرين، وكم مرة اعتذرنا عن زيارة حبيب بحجة التعب، ثم احتملنا مشقة الطريق إلى شخص لا يبادلنا الود. كم مرة عرفنا أن أحدهم يحتاج إلينا، وقلنا إن الوقت لم يحن بعد، حتى صار الوقت كله ملكا للندم. لا أظن أن أحدا يستطيع استعادة الماضي، أو إصلاح ما انكسر في لحظة غياب، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نوزع محبتنا بعدالة أكبر، وأن نعيد النظر في أولوياتنا قبل أن يفرضها علينا الفقد. فالعلاقات الحقيقية تحتاج إلى رعاية يومية، وإلى حضور يشعر به الآخر، وإلى كلمات تقال في وقتها، واعتذارات لا تتأخر حتى تفقد معناها. وقد تكون زيارة قصيرة أثمن من هدية باهظة، ومكالمة صادقة أعمق أثرا من وعود طويلة نرددها كلما ضاق بنا تأنيب الضمير. أما الذين رحلوا، فلهم في القلب مكان لا تبلغه الأقدام، وتبقى ذكراهم امتحانا لمحبتنا ووفائنا. نرجو أن تصلهم دعواتنا، ونحفظ ما أحبوه، ونصل من كانوا يحبونهم، ونجعل من غيابهم سببا لمزيد من الرحمة في حياتنا. وربما كان أجمل الوفاء لهم أن ننتبه إلى الأحياء الذين ما زالوا ينتظرون منا التفاتة، قبل أن تتحول أسماؤهم إلى ذكريات نستدعيها كلما أوجعنا الحنين. فلنخفف من طرق الأبواب التي تستنزف أرواحنا، ولنلتفت إلى الذين يفتحون لنا قلوبهم بمحبة. فما أقسى أن نقضي أعمارنا في انتظار من لا يأتي، ثم نكتشف أن الذين كانوا يستحقون انتظارنا قد رحلوا إلى حيث لا نعرف من أمر اللقاء إلا ما نرجوه ونؤمن بإمكانه. عندها لن يعيد الاعتذار المتأخر صوتا غاب، ولن تعود يد امتدت إلينا ذات يوم لتمنحنا الأمان. وربما كان علينا أن نفهم باكرا أن بعض الأبواب ينبغي أن نغادرها، وأن بعض الأبواب تستحق أن نبقى عندها أكثر، لأن أصحابها كانوا يمنحوننا الحب الذي بحثنا عنه طويلا في الأماكن الخطأ.
579
| 12 أكتوبر 2026