رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
-أستاذي أرجو الرد أريد أن أسألك عن شيء قاهرني!
-ابنتي الطيبة.. أرسلي ما لديك.
-أنا صحافية أعمل في صحيفة (...) الإلكترونية، وفي خلاف دائم مع زملائي فهم معجبون بشخصية صدام حسين، ويثنون عليه ويترحّمون، بينما موقفي مختلف فقد قرأت للشيخ الراحل (...) -رحمه الله- أن صدام حسين كافر، وأن حزب البعث الذي ينتمي إليه حزب إلحادي أسسه "ميشيل عفلق" في سوريا، وأن من ينتمي إليه فليس من المسلمين، فماذا ترى؟
- بنتي الكريمة أولًا هذا رجل قَدِمَ إلى ربه وغادر الحياة، وأولى بنا أن ننشغل بواقعنا المشهود وتداعيات الأزمات في العراق وغير العراق عن أن ننبش في قبور الأموات ونجعلهم محلًا للصراع والجدل والاختلاف.
إن في واقعنا المشهود اليوم وحياتنا الدؤوبة من قضايا الاختلاف ما يكفينا ويغنينا عن استدعاء الأموات وإعادة محاكمتهم.
وثانيًا: فإن الرجل مرَّ بأحوال وأطوار وانتقل من حاكمٍ مطلق إلى سجينٍ أعزل في قبضة أعدائه، وتعرَّض للضيق والقهر والألم، وهذه هي النار التي تصهر الإنسان وتزيل الكثير من غطرسته وكبريائه، وتعيده إلى أصله وإلى حقيقته، ولعله من خلال هذه المرحلة أثبت صبرًا وجلدًا مشهودًا والتف الحبل على عنقه دون أن ينكسر ثم نطق بالشهادة على رؤوس الأشهاد ورآه الملايين في ذلك الموقف وهو يتلفظ بالشهادتين، و« مَنْ كَانَ آخِرُ كَلاَمِهِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ »، كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام-.
نحن لا نحاسب الرجل ولا نحاكمه ولا نحكم عليه فبعد محكمة الدنيا ثَمَّ محكمة الآخرة: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} (الكهف: 49).
نحن لا نحاكم الناس، وليس من حقنا أن نحاكمهم فأمرهم موكول إلى الله، ولكن من حقنا أن ندرس أفعالهم وتصرفاتهم، خاصة تلك الأفعال والتصرفات التي تركت أثرًا مدويًّا وترتب عليها تبعات واستحقاقات قد تكون أضرَّت بوطن أو بشعب أو بأمة، فإن نهاية صدام حسين لن تجعلنا ننسى أفعاله بحق الأكراد، وإن نهاية صدام حسين لن تجعلنا ننسى الروح الاستبدادية التي كان يحكم بها شعبه بالحديد والنار، وإن نهاية صدام حسين لن تجعلنا ننسى دخوله على جارته الآمنة الكويت وما ترتب على ذلك من ترويع الآمنين، وخلط الأوراق، وفتح الطريق لتدخلات خارجية لا زالت المنطقة تعاني من آثارها إلى اليوم.
القدرة على التوازن والانضباط وإعطاء كل ذي حق حقه، والفرق بين ما هو شخصي وما هو عام، من أهم ما يحتاجه من نصب نفسه للحكم على شخص أو جهة أو جماعة.
والحكم على الأشخاص بالكفر أمر في غاية العسر والصعوبة، فالأصل فيمن ينطق بالشهادتين أنه مسلم ولا نُخرجه من إسلامه إلا بيقين تام لا ريب فيه، وعند الشك أو التردد أو الاختلاف ينبغي أن نعود إلى الأصل، ولسنا ملزمين بأن نحكم على الناس هنا أو هنا، ولا أن ندخلهم جنة ولا نارًا بل الأَوْلى والأفضل أن ندع أمر الناس لرب الناس، وألا ندخل بين الله وبين عباده بأحكام قطعية على أفراد قَدِموا إلى الله، وعلم الله من أمرهم ما لم نعلم، فالله تعالى يحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون، والتسرُّع في الكفر على أحياء أو أموات بسبب موقف أو كلمة أو انتماء مما لا يحسن ولا يجمل ولا يجدر ولا يليق، ولم يكلفنا الله تعالى أن نحكم على الخلق بل يكفي أن نتجه إلى الله تعالى بعبادته ومحبته وطاعته وتجنب معاصيه ولا نُقحم أنفسنا فيما ليس لنا به علم.
الحكم على البشر قد يحتاجه أهل العلم الراسخون، الذين يُرجع إليهم في الأمور إذا ترتَّب عليه نتائج، كالتوريث والولاية وغيرها من الأحكام، وهذا إنما يكون إلى القضاة، الذين كلامهم قاطع بين الحق والباطل والخطأ والصواب على الأقل في رأي الناس وفي ظاهر الأمر، فإن القضاء يحسم المختلَف فيه في الدنيا ولا يلزم أن يكون حكم القضاء أيضًا مطابقًا لما عند الله تعالى، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَىَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِى لَهُ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ مِنْهُ فَمَنْ قَطَعْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلاَ يَأْخُذْهُ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ بِهِ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ» (رواه البخاري ومسلم).
وحزب البعث لم يعد له وجود، صحيح هو حزب قومي عربي اشتراكي له تاريخ أسود في سوريا وفي العراق، ويتحمَّل الكثير من التبعات والضَّيْر الذي أصاب الشعوب العربية في هذين البلدين وفي غيرها ولكنه أصبح مطيَّة للطائفية وأصحاب المصالح، ولم يعد لهذا الحزب وجود وانقرض ضمن ما انقرض من الأسماء والشعارات التي سادت ثم بادت يومًا في الوطن العربي.
لقد مرَّ بصدام حسين فترة كادت أن تُجمع الألسنة والأقلام على ذمه وشتمه واتهامه بعد دخوله للكويت.
ثم مرَّت به مرحلة أخرى بعدما دخلت أمريكا في العراق وأصبح في مواجهة غزو خارجي جعلت الكثيرين يغيرون رأيهم فيه وينصبونه رمزًا للمقاومة ومواجهة المحتل.
ثم مرَّت به مرحلة أخرى بعد ظهوره من تلك الغرفة الأرضية أمام الكاميرات في العالم حيث بدأت مرحلة السجن ثم المحاكمة، وإعلان هذه المحاكمة في الفضائيات ومتابعة الملايين لها، وخلال ذلك بدأ ناس يلحظون أنه صلب المِرَاس لم ينحن أو ينكسر على رغم زوال الأبهة والسلطة والقوة والجاه من حوله، وهذا الجانب ربما جعل الكثير من الناس يتعاطفون معه على الصعيد الشخصي، ويعتبرونه رمزًا، ومن هنا ومنذ ذلك اليوم كنت ألحظ أن صوره ومقاطعه تنتشر في اليوتيوب وفي الانستجرام والحديث حوله يزيد وتلميع الكثير من الأشخاص الذين مدحوه أو أثنوا عليه أو دافعوا عنه أو احتكوا به في وسائل الإعلام والقنوات الفضائية والصحافة وغيرها، ولعل ذلك راجع لهذا السبب وهو قدرته على المواجهة والصبر وعدم الانكسار، ولسبب آخر أيضًا وهو أن الكل يدري أنه في تلك المرحلة لم يعد يُشكِّل خطرًا على أحد، ولم تعد لديه القدرة على أن يسيء لأحد، ومن طبيعة الإنسان أن يُغيّر مواقفه في مثل هذه الظروف، وهذا ليس بمعيب، فلا الأشخاص الذين نحكم عليهم خالدون مقيمون سرمديون على ما هم عليه، ولا الظروف من حولنا أو من حولهم باقية ثابتة بل هي متغيرة، ولا نحن أيضًا ثابتون، ولا أحكامنا قطعية ولا نهائية ولذلك فهي قابلة للتغيير، وقابلة أيضًا للتعديل، وقابلة للمحو.
إذن أمامنا ثلاث مستويات:
المستوى الأول: تغيير آرائنا في الأشخاص، بمعنى أننا قد نثني على مَنْ كنا نلوم أو نلوم مَنْ كنا نثني عليه.
المستوى الثاني: التعديل، وهو ألا نُغيِّر الرأي تمامًا ولكننا نعدله ونضيف إليه ليكون أقل حماسًا -على سبيل المثال- أو أقل هجومية دون أن يتغير أصل الرأي.
المستوى الثالث: هو المحو، بمعنى أن نسكت عن هذا الشخص ولا يلزم من السكوت أن نكون مُصرِّين على آرائنا السابقة حياله، ولا أن نكون قد غيَّرنا آراءنا أو عدَّلناها بل اخترنا أن نسكت لأن الظروف تغيَّرت ولسنا نعتقد أننا ملزمون بالآراء التي قلناها عنهم سابقًا، ولا ملزمون بتعديلها أو تبديلها.. فالسكوت موقف في حالات كثيرة.
إن الذين يحتفلون بصور صدام حسين، ومقاطع صدام حسين، وكلمات صدام حسين وينشرونها على نطاق واسع اليوم لا يُقرون بطبيعة الحال الجرائم التي ارتكبها في حق الأكراد أو في حق العراقيين أو في حق أهل الخليج والكويت كلا، ولكنهم مشدودون إلى الجانب الإنساني والموقف الصلب الذي ظهر منه أمام الكاميرات وعلى الشاشات.
إن التاجر إذا أفلس يبحث في دفاتره القديمة، وهؤلاء الشباب ربما عسر عليهم أن يجدوا بطلًا قوميًا يشيدون به فذهبوا إلى أقرب مذكور وأسبغوا عليه من جديد جلباب الصبر والعظمة، واعتبروا أن ما آل إليه العراق من بعده من تفكك وتشتت وسطوة للصفويين وسقوط في أحضان الدولة المجاورة، وحالة من الفلتان الأمني والفساد الاقتصادي والسياسي والإعلامي.. جعلت العراق في ذيل قائمة دول العالم المعروفة في الفساد، جعلهم يرون هذا كله ناتجًا عن غياب صدام حسين.
والذي أراه أن هذه ليست هي الحقيقة كاملة، قد تكون هذه جزءًا من الحقيقة، وربما تكون بعض سياسات صدام حسن التي مارسها واستفرد بها هي أيضًا سبب آخر فيما جرى وفيما يجري، والله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (المائدة: 8)، وفي الآية الأخرى: {كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ} (النساء: 135).
ما أجمل أن نتحلَّى بالتوازن والهدوء والاعتدال والإنصاف حين نجد أنفسنا مضطرين إلى الحديث عن شخص حوله خلاف أو جدل، من الأحياء أو من الأموات، من السياسيين أو العلماء أو المشاهير.. فإن الإنصاف عزيز، وكثير من الناس إما أن ينحاز له أو ينحاز عليه، أما أن يُمسك بالميزان باعتدال ويدع الكفة والكفة الأخرى تحاكم الشخص بعيدًا عن أن يضع إبهامه على طرف إحداهما فهذا أمر في غاية الندرة.
اللهم ألهمنا رشدنا، وارزقنا العدل والإنصاف وتحقيق ما قاله عمار -رضي الله عنه-: (ثَلاَثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الإِيمَانَ: الإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلاَمِ لِلْعَالَمِ، وَالإِنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَارِ)، والحمد لله رب العالمين.
رِفْقًا بـ(الإسلام)!
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); حدَّثني صديق أمس عن زوجين أوروبيين انتقلا للعمل في مدينة عربية وانقطعت أخبارهما... اقرأ المزيد
702
| 27 يناير 2017
لماذا أُسَبِّح؟
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); ختم الإمام البخاري -رحمه الله- كتابه العظيم الصحيح بحديث أبي هريرة -رضي الله... اقرأ المزيد
3046
| 20 يناير 2017
نهاية النيل!
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); أسطورة عروس النيل تحكي أن النيل تراجع خطوة فأشار الكاهن على الملك بأن... اقرأ المزيد
884
| 13 يناير 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5817
| 23 سبتمبر 2026
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
3870
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3120
| 24 سبتمبر 2026