رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عندما فازت قطر بتنظيم بطولة كأس العالم 2022 راهن الكثيرون بعدم قدرة قطر على تقديم نسخة من هذه البطولة تضاهي مثيلاتها السابقة في العالم، ومرت السنوات وقطر تثبت في كل سنة أنها تخطو في الاتجاه الصحيح نحو تقديم ما هو أفضل من سابقاتها، وتخللت كل هذه المراحل الكثير من العراقيل والتحديات التي يعلم بها الجميع، وكانت قطر تنتظر من أشقائها العرب مزيدا من الدعم لخوض هذه التجربة العالمية العظيمة، ولكن لم تجد الدعم المطلوب من الأشقاء ولكنها راهنت على دعم الشعوب العربية، واعتمدت قطر على ذاتها في تحقيق أهدافها وأهَّلَت كوادرها الوطنية على مدى العشر سنوات الماضية من خلال الاستفادة من تجارب بطولة العالم في كل من البرازيل 2014 وروسيا 2018، ونجحنا في تهيئة كوادرنا الوطنية لتحمُّل هذه المهمة الوطنية، وكانت هذه البطولة فرصة كبيرة لتحقيق رؤية فطر 2030 في التطور والاستدامة لجميع جوانب الحياة في الدولة من بنية تحتية في كل المجالات الحيوية التي يحتاجها الإنسان القطري وبدأنا في تنفيذ مشاريع ركائز الرؤية التي تمثلت في الارتقاء بالبنى التحتية لكل من الاقتصاد والخدمات المجتمعية والسياحية والصحية، وغيرها، واجتازت كوادرنا الوطنية بهمتها العالية كل العراقيل والتحديات، بل اكتمل الاستعداد قبل انطلاق البطولة بعدة سنوات وظهرت بوادر النجاح تلوح في الأفق في وقت مبكر من البطولة.
رسائل عديدة قدمتها البطولة للعالم
انتهزت بلادنا وبتوجيهات من قيادتنا الحكيمة الفرصة في تقديم نسخة من بطولة كأس العالم تظل عالقة في الأذهان لسنوات طويلة وفي نفس الوقت تبعث عدة رسائل للعالم، وكان الافتتاح المبهر بحضور عدد من زعماء وأمراء من الدول العربية لترسل الرسالة الأولى وهي أن البطولة عربية مقدمة للعالم وكان التقاء الزعماء العرب الحاضرين للافتتاح ولقاؤهم في عاصمة الرياضة العالمية بمثابة قمة عربية مصغرة تتصافح فيها الأيادي بالسلام والأمن وتبادل الود والمحبة، وتم الافتتاح بآيات من الذكر الحكيم لتسجل قطر أول بطولة عالمية يتم افتتاحها بالقرآن الكريم. وكان للفقرات التي قدمتها في الافتتاح الوقع والتأثير المعنوي والإيجابي على كل من شاهد هذا الحفل المبهر، وكل فقراته عبارة عن رسائل يتم بثها إلى جميع أنحاء العالم وهي تحمل سماحة ديننا الحنيف ومكارم الأخلاق التي تعلمها المسلمون من رسول المحبة والأخلاق سيد البشرية محمد صلى الله عليه وسلم. وكان لتفاعل الجماهير من مختلف الجنسيات مع ما تقدمه قطر للعالم أكبر دليل على نجاح قطر في تنظيم البطولة وإبرازها بأنها ليست مجرد بطولة في كرة القدم بل هي تلاحم شعوب العالم ونشر السلام والأمان فيما بينهم، لذلك رأينا المكسيكي يأكل تمرا ويحتسي القهوة العربية، والبرتغالي وهو يكتسي الثوب القطري والسويسري يعدل في الشماغ لآخر بولندي، وكذلك انتصار السعودية على الأرجنتين، وجمهور البرازيل يغني بالعربي (ميسي وينو) وأمريكيات معجبات بمشجع قطري وعلم السعودية يرفرف وسط جماهير المنتخب الإيراني، مما تعبر كل هذه الإثارة والحماس عن أحلام العصر الذي تتمناه كل شعوب العالم في أن يسود الود والحب فيما بينهم وتماشيا مع ما تنادي به جميع الأديان والمعتقدات في بث روح المحبة والوئام بين شعوب العالم.
تلاحم عربي غير مسبوق
وكان لصوت الشعوب العربية وفرحتها وفخرها بتنظيم قطر لهذه البطولة وتفاعلهم مع الفعاليات المصاحبة للبطولة رسالة سامية للعالم بأن شعوبنا العربية متلاحمة وكان لا يهم أي قطري أو عربي أن ينتصر فريقه في المباريات لأن مشاركتهم فرحتنا وانتصارنا في التنظيم غطى على مجرد انتصار فريق كرة قدم وتعداها إلى ما هو أكبر من ذلك، وفي كل اللقاءات التي تجريها القنوات الرياضية مع الجماهير كانت سعيدة وهي منتصرة وسعيدة أيضا بنفس القدر وهي مهزومة في المباراة، وهذا الشعور والإحساس لم يأتِ من فراغ إنما يدل على نجاح بلادنا في إسعاد كل الجماهير الحاضرة للبطولة مما وجدوه من إمتاع في فعاليات البطولة، وامتلأت صفحات التواصل الاجتماعي بإشادة الجماهير والشعوب العربية بالمتعة التي وفرتها الدولة من خلال البرامج المصاحبة للبطولة ولاقت الاستحسان والإعجاب.
قطر استطاعت أن تقدم نموذجاً حياً للثقافة العربية والإسلامية
بكل تأكيد تثبت فعاليات البطولة يوما بعد يوم أن ثقافتنا وعاداتنا العربية والإسلامية بدأت تصل إلى شعوب العالم الحاضر للبطولة والمشاهدين خلف الشاشة في مختلف مناطق العالم، وبدأت هذه الشعوب تتعرف عن قرب على عاداتنا وثقافتنا السمحة، وفي كثير من اللقاءات الجانبية لهذه الجماهير كان الاندهاش يعلو وجوههم مما شاهدوه على أرض الواقع في مستوى التنظيم الجيد وتوفير المتعة طوال أيام البطولة، ويقول البعض منهم إننا سمعنا عن المسلمين والعرب وعاداتهم من خلال إعلامهم بوجهة نظرهم الغربية، وعندما أتوا إلى هنا وجدوا صورة مختلفة عن الصور التي نقلها لهم إعلامهم، مما يدل ذلك على أن قطر نجحت في تقديم الصورة الحقيقية لعاداتنا الخليجية العربية والإسلامية على أكمل وجه وما زالت فعاليات البطولة تقدم المزيد من البرامج المميزة التي تعكس هذه الأخلاق والثقافات العربية وتقدمها للعالم في قالبها الحقيقي المعاش.
كسرة أخيرة
يعتقد الكثيرون أن قطر أنفقت أكثر 200 مليار دولار على مرافق بطولة كأس العالم، ويخفى عليهم أن قطر أنفقت ربع هذا المبلغ فقط في مرافق كأس العالم مثل الملاعب والمواصلات وإقامة الفعاليات، أما بقية المبالغ صرفت على مشاريع البنية التحتية التي خططت لها الدولة ضمن رؤية 2030، وكسبت قطر الكثير وخطت خطوات بعيدة في تنفيذ العديد من مشاريع البنية التحتية الموضوعة ضمن خطط الرؤية، ويعتبر تنظيم كأس العالم إحدى هذه الخطط المدرجة في مشاريع الرؤية، كما أن ملايين كثيرة من أنحاء العالم سيتعرفون بشكل أفضل على قطر عبر وسائل الإعلام المطبوعة وشبكات الإذاعة والتلفزيون، ومن منشورات التواصل الاجتماعي التي ستصدر عن المشجعين والفرق المشاركة، وتقارير الصحفيين المتواجدين في قطر، وبما أن استضافة كأس العالم تعد جزءا من رؤية قطر الوطنية 2030، التي تهدف إلى تحويل قطر إلى مجتمع معاصر عالمي وتوفير مستوى معيشة أفضل للمواطنين واستغلال كل المرافق العملاقة التي أقيمت لكأس العالم كإرث للأجيال القادمة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8766
| 27 أكتوبر 2026
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
3897
| 03 نوفمبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3816
| 30 أكتوبر 2026