رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
انتفضت محافظة قفصة الواقعة على بعد 400 كيلو متر جنوب غرب العاصمة تونس، من جديد، حيث أعلن المكتب التنفيذي الجهوي (المناطقي) لاتحاد الشغل إضراباً عاماً يوم الأربعاء 27 نوفمبر 2013، وليوم واحد احتجاجا على استثناء مدينة قفصة من مشاريع صحية جديدة أعلنتها الحكومة في قرار المجلس الوزاري ليوم 21 نوفمبر 2013 القاضي بإحداث عدد من كليات الطب ببعض الجهات واستثناء منطقة قفصة. فخرج نحو ألفي متظاهر تجمعوا أمام مقر حزب النهضة الحاكم وأضرموا فيه النار، كما ألقوا بمحتوياته في الشارع وأحرقوها، وكانت الشرطة أطلقت صباحا قنابل الغاز المسيل للدموع لتفريق عشرات من المتظاهرين اقتحموا مقر الولاية، وتجمع نحو ستة آلاف متظاهر أمام المقر مرددين هتافات معادية للحكومة مثل «الشعب يريد إسقاط النظام».
ويأتي هذا الإضراب العام في مدينة قفصة للرد على سياسة التهميش والإقصاء، التي تعاني منها المحافظة، رغم أنها تدر آلاف المليارات من عائدات الفوسفات على المجموعة الوطنية منذ الاستقلال ولم يجن أبناؤها من ذلك إلا التلوث البيئي والأمراض المستعصية، ومن أجل مطالبة الحكومة بإعطاء هذه المحافظة الأهمية القصوى لتحسين الوضع الصحي في جميع معتمدياتها لما آل إليه القطاع من تدهور انعكس سلبا على صحة سكانها، من جراء التلوث البيئي الناجم عن استخراج الفوسفات، والتأكيد على حق هذه المحافظة في إقامة مشاريع تنموية على أراضيها، وحل معضلة البطالة المزمنة لأبنائها، وإخراجها من دائرة التهميش.
لم يتغير شيء في وضع محافظة قفصة بعد الثورة، علماً بأنها كانت المحافظة السباقة التي اندلعت فيها انتفاضة شعبية كبيرة في عام 2008 في عهد الديكتاتورية، سميت بانتفاضة الحوض المنجمي، والتي شكلت الخميرة الحقيقية للثورة في نهاية 2010 وبداية عام 2011.فانتفض سكان هذا المعقل العمالي، الذي غالباً ما كان متمرداً ضد النظام الديكتاتوري السابق في انتفاضة شعبية متماسكة ساخطة وفخورة، في مواجهة إستراتيجية السلطة القائمة على الحصار والتنكيل البوليسي. وفي عهد الاستعمار الفرنسي، جرت أعمال استخراج الثروات الجوفية (الفوسفات) هنا وفق الطريقة النموذجية للأنماط الاستعمارية: مصادرة الأراضي عبر استملاكها بالقوّة من السكان المحليين؛ استغلال الموارد الطبيعية بشكل مكثّف؛ استخراج المواد عبر استنزاف حياة الناس وإنتاج الكثير من النفايات الملوّثة؛ علاقات عمل وسلطة مستندة على التحالفات الزبائنية، والعصبيات القبلية والعائلية.
في عهد الديكتاتورية تتمّ إدارة الخمسة آلاف وظيفة هذه في شركة فوسفات قفصة، إضافةً إلى الأموال المخصّصة للتكييف، بالتعاون الوثيق مع الاتحاد العام التونسي للشغل، وحزب (التجمع الدستوري الديمقراطي) الحاكم سابقاً، من أجل المحافظة على الاستقرار في هذه المنطقة الجنوبية المحرومة من كل مشاريع التنمية الحقيقة، بفضل عمليّات توزيع، وإن شحيحة، لجزء من الأرباح الضخمة التي تعطيها صناعة الفوسفات، وذلك وفق توازنات دقيقة قبليّة وأسريّة يضمنها القادة المحليّون في النقابة المركزية والحزب الحاكم «التجمّع الدستوري الديمقراطي ».وها هم سكان قفصة ينتفضون من جديد في عهد حكم الإخوان المسلمين، بسبب استمرار السياسة عينها من التهميش والإقصاء.
كما شهدت محافظة قابس في جنوب شرق تونس إضراباً عاماً ليوم واحد (الأربعاء 27 نوفمبر 2013)، شاركت فيه النقابات والأحزاب بما في ذلك عناصر من «النهضة». وطالب الأهالي بالتصدي للبطالة والفقر والتهميش وإنشاء كلية طب ومستشفى جامعي في المحافظة. علماً بأن الحكومة التي تقودها حركة النهضة الإسلامية، أعلنت الأسبوع الماضي، عن مشاريع تتعلق بإحداث ثلاث كليات للطب في محافظات الكاف (شمال غرب تونس) وسيدي بوزيد (وسط غربها)، ومدنين (جنوبها) وكلية لطب الأسنان في القصرين (وسط غربها) وكلية صيدلة في جندوبة (شمال غربها). وكنتيجة لسياسة التهميش هذه أغلقت كل الإدارات والمحال التجارية في مدينة قابس باستثناء بعض الصيدليات والمخابز، وخرج آلاف من سكان المدينة في تظاهرة للتنديد بـ«حرمان» المنطقة كلية للطب، مع العلم بأن الأمراض السرطانية تنتشر فيها من جراء التلوث الناتج من «المجمع الكيميائي» الذي تملكه الدولة. وسار المشاركون في التظاهرة التي انطلقت من أمام المقر الجهوي للاتحاد العام التونسي للشغل، نحو 15 كيلو مترا رافعين لافتات تندد بـ"قرار الحكومة الجائر (الذي) حرم قابس كلية الطب".
وفي حركة رمزية؛ وضع المتظاهرون حجر الأساس لكلية الطب على قطعة أرض خصصتها البلدية لهذا المشروع منذ 2004.
وشهدت محافظة سليانة، شمال غرب تونس، إضراباً عاماً شمل أغلب القطاعات والمنشآت العامة والخاصة، يوم الأربعاء 27نوفمبر، حيث شارك نحو 4000 من سكان المدينة في تظاهرة رددوا خلالها هتافات معادية لحركة النهضة الإسلامية الحاكمة، ولرئيس الوزراء علي العريض الذي قمع، عندما كان العام الماضي وزيرا للداخلية، الاحتجاجات الشعبية في سليانة. ويأتي الإضراب العام لإحياء ذكرى مرور سنة على قمع قوى الأمن احتجاجات شعبية عارمة في نهاية شهر نوفمبر 2012، أصيب خلالها أكثر من 300 شخص برصاص (الرش) المخصص لصيد الحيوانات، أثناء اشتباكات مع قوات مكافحة الشغب، وطالب المتظاهرون بملاحقة من تسبب بإصابة أبناء الجهة برصاص الرش الذي أفقد عدداً منهم البصر.
ويحمل الأهالي رئيس الوزراء علي العريض الذي كان وزيراً للداخلية آنذاك مسؤولية ما حدث لأبنائهم، ويطالبون بمحاسبته، ورشق عشرات المتظاهرين بالحجارة سيارات قوى الأمن ورجال الأمن الذين منعوهم من الاقتراب من مديرية الحرس الوطني، فردت عليهم الشرطة بقنابل الغاز المسيل للدموع. وتبادل المتظاهرون ورجال الأمن التراشق بالحجارة، فيما كانت سيارات الشرطة طاردت المتظاهرين في شوارع المدينة لتفريقهم، وقام المتظاهرون بقطع الطريق الرئيسي في المدينة بالحجارة والقضبان الحديد والإطارات التي أضرموا فيها. وكانت وزارة الداخلية التونسية أعلنت في بيان يوم الخميس 28 نوفمبر 2013، عن «إصابة أكثر من خمسين من عناصرها بينهم إصابتان خطرتان»، خلال التظاهرة التي شهدتها محافظة سليانة وسط البلاد، احتجاجاً على غياب التنمية وفرص العمل للشباب.
لا تزال تونس تعاني من أزمة سياسية خانقة تعززت بتعطل الحوار الوطني، وطول مرحلة الانتقال الديمقراطي أكثر من اللزوم، وعدم إنجاز الدستور الديمقراطي، وتعطل عمل الحكومة رغم عدم التصريح بذلك رسمياً، وتدهور الوضع الأمني.
وترافق مع هذه الأزمة السياسية، وتنامي الإرهاب في تونس، وجود أزمة اقتصادية واجتماعية تزداد حدة في كل يوم بسبب غلاء المعيشة وتدهور المقدرة الشرائية للمواطنين وارتفاع نسبة البطالة. فالاقتصاد التونسي مرتبط عضويا بالاقتصاد في بلدان الاتحاد الأوروبي، ولاسيَّما فرنسا وإيطاليا وألمانيا، وإسبانيا، باعتبارهم الشركاء الاقتصاديين الأوائل، إذ تعاني هذه البلدان من نسبة نمو منخفضة، الأمر الذي يؤثر على الصادرات التونسية والسياحة في اتجاه تونس إضافة إلى التأثير السلبي على تحويلات التونسيين في الخارج. ويجمع الخبراء التونسيون في المجال الاقتصادي أن الأزمة الاقتصادية في الداخل، وانعكاس الأزمة الاقتصادية العالمية على الوضع في تونس، أديا إلى تراجع الاستثمار بصفة عامة الداخلي والخارجي الخاص والعام رغم التحسن الطفيف الذي سجله الاستثمار الأجنبي المباشر مقارنة بالسنة الماضية والشيء نفسه على مستوى الاستهلاك فقد تراجع نتيجة تدهور المقدرة الشرائية، إضافة إلى ارتفاع معدل البطالة الذي وصل إلى نسبة 19 في المئة، وهي بطالة نوعية بحكم أن أكثر من ثلث العاطلين هم خريجو الجامعة، ومعدل التضخم رغم تراجعه النسبي مقارنة بالسنة الماضية.وإذا اقترنت البطالة مع التضخم فهما من سمات الركود الاقتصادي وهي أسوأ الوضعيات الاقتصادية.
من سينهي الحرب؟
سينهي الحرب من يملك أوراق الصمود، فإذا نظرنا للمواجهات بين ايران وامريكا واسرائيل وإذا أخذنا العناصر الأساسية للصمود... اقرأ المزيد
549
| 16 مارس 2026
بين صحة الخبر أو عدمه
في تغريدة مهمة وكاشفة وواضحة كتب الصحفي والكاتب الإسرائيلي «ألون مزراحي» قائلا: (لا أستطيع تحديد السبب الدقيق الذي... اقرأ المزيد
90
| 16 مارس 2026
من إدارة الأزمات إلى إدارة الأمن الغذائي
لم تعد الأزمات في عالم اليوم أحداثاً إخبارية، بل أصبحت جزءاً من واقع تتعرض له الدول والمجتمعات بشكل... اقرأ المزيد
150
| 16 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية في مشهد معقد يجعل أي توتر قابلاً للتحول إلى مواجهة أوسع. ومع تصاعد التوتر بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تجد دول الخليج نفسها في قلب معادلة أمنية دقيقة. فهذه المنطقة ليست مجرد مساحة جغرافية في خريطة الصراعات، بل مركز اقتصادي واستراتيجي يعتمد عليه العالم في الطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي. في مثل هذه الظروف، يبرز دور المؤسسات الوطنية التي تتحمل مسؤولية حماية الأمن والاستقرار. فوجود مؤسسات دفاعية قوية ومهنية يشكل أحد أهم عناصر حماية الدولة من التهديدات الخارجية، كما يعزز الثقة داخل المجتمع بأن أمن البلاد في أيدٍ قادرة على صونه. إن الجاهزية العسكرية والانضباط المهني لا يمثلان فقط قوة ردع، بل رسالة واضحة بأن أمن الدول الخليجية ليس أمراً يمكن العبث به أو استخدامه كورقة ضغط في صراعات الآخرين. غير أن الخطر الأكبر في أي تصعيد عسكري يتمثل في استهداف البنية التحتية المدنية. فالمرافق الحيوية مثل الطاقة والكهرباء والمياه والمطارات ليست أهدافاً عسكرية بالمعنى التقليدي، بل هي شرايين الحياة اليومية للمجتمعات. وعندما تتحول هذه المنشآت إلى أهداف في النزاعات، فإن النتائج لا تصيب الحكومات وحدها، بل تمس حياة الناس بشكل مباشر. فتعطّل هذه المرافق يعني اضطراب الاقتصاد، وتعطّل الخدمات، وتهديد الاستقرار الاجتماعي. لقد بنت دول الخليج خلال عقود طويلة بنية تحتية متطورة واقتصادات حديثة تعتمد على الاستقرار والانفتاح. ولم يكن هذا التقدم نتيجة الصدفة، بل جاء نتيجة سياسات تنموية واستثمارات كبيرة هدفت إلى تحسين مستوى الحياة للمواطنين وبناء مستقبل أكثر ازدهاراً. ولذلك فإن تحويل هذه الإنجازات إلى أهداف في صراعات إقليمية يمثل تهديداً حقيقياً لمصالح الشعوب التي تعتمد على هذه الموارد في حياتها اليومية. ومن المهم في هذا السياق فهم طبيعة العلاقات الإقليمية بواقعية. فالعلاقة بين إيران ودول الخليج ليست علاقة خالية من التوتر، لكنها أيضاً ليست علاقة صراع دائم لا يمكن تجاوزه. فقد شهدت هذه العلاقة عبر السنوات مراحل مختلفة من التوتر والتهدئة، وهو أمر طبيعي في العلاقات الدولية بين الدول المتجاورة. لكن تحويل الخلافات السياسية إلى صراع عسكري مفتوح قد يؤدي إلى نتائج لا يمكن السيطرة عليها. كما أن المشهد الإقليمي لا يخلو من محاولات بعض الأطراف استثمار التوترات القائمة لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية. ومن بين هذه الأطراف الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو، التي ترى في تصاعد المواجهة مع إيران فرصة لإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية بما يخدم رؤيتها الأمنية والسياسية. غير أن دول الخليج تدرك أن الانجرار إلى صراعات واسعة قد يحمل مخاطر كبيرة على استقرارها الداخلي ومسارها التنموي. فهذه الدول استطاعت خلال فترة زمنية قصيرة بناء نماذج اقتصادية ناجحة ومجتمعات مستقرة نسبياً في منطقة تعاني من كثرة الأزمات. ولهذا فإن الحفاظ على هذا الاستقرار يتطلب سياسات متوازنة تقوم على الحكمة وتجنب التصعيد غير الضروري. إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في اختيار طرف ضد آخر، بل في حماية مصالح الشعوب والحفاظ على استقرار المنطقة. فدول الخليج ليست بحاجة إلى أن تتحول إلى ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية والدولية، بل إلى أن تواصل مسارها التنموي وأن تحافظ على أمنها واستقرارها بعيداً عن حسابات الصراعات الكبرى. كلمة أخيرة: الخليج ليس ساحة حرب، بل منطقة تسعى شعوبها إلى الأمن والتنمية والاستقرار. وحماية هذا الهدف تتطلب تغليب صوت العقل والحكمة على منطق التصعيد والمواجهة. فحين تكون مصلحة الشعوب هي البوصلة، يصبح الطريق واضحاً نحو مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للمنطقة بأسرها. [email protected]
4797
| 09 مارس 2026
من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس الذي تقوم عليه حياة الإنسان وتستقيم به شؤون المجتمعات وتزدهر الأوطان، وعندما يفقد الأمن تضطرب الحياة وتتبدل الطمأنينة خوفًا والاستقرار قلقًا، ولذلك فإن ما تشهده منطقتنا في هذه الأيام من حروب وصراعات مؤلمة يمثل شاهدًا حيًا ودليلًا واضحًا على أن الأمن ليس أمرًا عابرًا أو واقعًا مفروضاً، بل هو نعمة عظيمة تستحق أن تُحفظ وأن يُشكر الله عليها في كل وقت، فالمشاهد التي نراها والأوضاع التي نشهدها تذكرنا بأن الأمن هو الشريان الأساسي الذي تتدفق من خلاله الحياة في كل وطن، وبدونه تتعطل التنمية وتتراجع مسيرة التقدم ويعيش الإنسان في قلق دائم على نفسه وأسرته ومستقبله. إن استقرار الأوطان وطمأنينة الشعوب لا يتحققان صدفة، بل هما نتيجة منظومة متكاملة من الجهود الأمنية والتنظيمية التي تعمل ليل نهار عليها الدولة لحماية البلاد وصون سلامته والحفاظ على استقراره من كل الجوانب الأمنية واللوجستية، ولذلك فإن الواجب على كل مواطن ومقيم أن يستشعر عظمة هذه النعمة وأن يدرك قيمتها الحقيقية، خاصة في هذه الأيام المباركة من العشر الأواخر من شهر رمضان، وهي أيام عظيمة يتضاعف فيها الأجر ويقبل فيها المسلمون على الدعاء والاستغفار والتقرب إلى الله، ومن أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه الإنسان في هذه الأيام أن يسأل الله دوام الأمن والاستقرار وأن يحفظ الأوطان من الفتن والاضطرابات وأن يوفق القائمين على أمنها لما فيه الخير والصلاح، فالدعاء للأوطان واستقرارها ليس مجرد كلمات تقال بل هو تعبير صادق عن وعي الإنسان بقيمة الأمن وأثره في حياة الجميع. كما أن شكر نعمة الأمن لا يقتصر على الدعاء فقط، بل يظهر كذلك في سلوك الإنسان وتصرفاته اليومية، فالمجتمع يقوم على وعي أفراده والتزامهم بالقوانين واحترامهم للأنظمة وتعاملهم المسؤول مع كل ما يمكن أن يؤثر في استقرار المجتمع، ومن مظاهر شكر هذه النعمة الابتعاد عن السلوكيات التي تعكس اللامبالاة أو الاستهتار، لأن الأمن مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، وكل فرد في الوطن يعد شريكًا في الحفاظ على استقراره وطمأنينته. ومن الواجب أيضًا أن يقدّر الجميع الدور الكبير الذي تبذله الدولة وأجهزتها المختلفة في حماية الوطن وصون أمنه، فهناك جهود كبيرة وخطط دقيقة وإجراءات مستمرة تُبذل من أجل الحفاظ على سلامة البلاد واستقرارها، وهذه الجهود تتطلب دعم المجتمع وثقته وتعاونه، لأن الأمن لا يتحقق إلا بتكامل الجهود بين الجهات المسؤولة وأفراد المجتمع. كما ينبغي على الجميع التحلي بالوعي والمسؤولية في التعامل مع الأخبار والمعلومات، والابتعاد عن نشر الشائعات أو تداول الأخبار غير الموثوقة، فهناك جهات رسمية في الدولة مكلفة بمتابعة الأحداث ونقل المعلومات الصحيحة للمجتمع، ونشر الأخبار دون تحقق قد يؤدي إلى إثارة القلق والارتباك ويؤثر في استقرار المجتمع، ولذلك فإن الالتزام بالمصادر الرسمية والابتعاد عن تداول الأخبار دون تأكد يعد جزءًا مهمًا من المسؤولية الوطنية. وفي النهاية يبقى الأمن والأمان أعظم ما يمكن أن ينعم به أي وطن، وما يحدث الآن في المنطقة يذكرنا كل يوم بأن هذه النعمة تحتاج إلى شكر دائم ووعي حقيقي للحفاظ عليها، وأن مسؤولية حمايتها لا تقع على جهة واحدة فقط بل هي مسؤولية الجميع، مواطنين ومقيمين، بالدعاء الصادق والالتزام الواعي والتعاون الصادق مع الجهود التي تبذلها الدولة، فالأوطان الآمنة لا تُبنى فقط بالقوة والإمكانات بل تبنى أيضًا بوعي أبنائها وإحساسهم العميق بقيمة الأمن وأهميته في حياتهم ومستقبل أوطانهم.
1491
| 11 مارس 2026
حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين، كان لذلك وجاهته الإدارية ومنطقه السليم. فالدماء الجديدة تحتاج لفرص لتتدفق، والهياكل الإدارية تحتاج لتجديد، وسنة الحياة تقتضي التداول. لا أحد ينكر أن «تدوير المناصب» هو الرئة التي تتنفس بها المؤسسات الحية. ولكن، في سياقنا الخليجي الخاص، هناك معادلة اقتصادية وإنسانية تستحق التأمل بحكمة وهدوء. نحن في دول أنفقت بسخاء منقطع النظير على الإنسان. استثمرنا في صحته، فارتفع معدل الأعمار واللياقة، واستثمرنا في تعليمه وتدريبه عقوداً طويلة. وحين يصل هذا «الاستثمار» إلى ذروة نضجه في الستين، نجد أنفسنا أمام معضلة: كيف نوفق بين «حاجة الشباب للمنصب» وبين «خسارة المؤسسة لهذا العقل الناضج»؟ إن الاستغناء التام والفوري عن هؤلاء بمجرد بلوغ رقم معين، هو نوع من «البتر» الإداري المؤلم. فنحن هنا لا نتحدث عن موظفين عاديين، بل نتحدث عن ثلاث عملات نادرة يصعب تعويضها: 1. ذاكرة المؤسسة: الشخص الذي يمثل «الأرشيف الحي»، ويعرف لماذا اتخذنا هذا القرار قبل عشرين سنة، فيحمينا من تكرار الأخطاء المكلفة. 2. الخبير المحلل: الذي عاركته التجارب، فصار يملك «حدساً» إدارياً يقرأ ما خلف السطور والأرقام. 3. المستشرف الحكيم: الذي تجاوز مرحلة «التنفيذ» اليومي الغارق في التفاصيل، وصار يرى الصورة الكبرى والمستقبل بوضوح. لذلك، ومن منطلق الحفاظ على هذه الثروة الوطنية، نقترح الانتقال من «التقاعد الإجباري» وفقاً لتاريخ الميلاد، إلى «التقاعد المرن» وفقاً للقدرة والعطاء. وبالموازاة مع هذا التعديل النظامي، نقدم مقترحاً آخر يتعلق بالجانب البشري، وهو معالجة «الفجوة السلوكية» التي تفشل بسببها عادةً فكرة الاستعانة بـ «الخبراء» أو «المستشارين» في مؤسساتنا. نحن نعاني من عدم وضوح في «تأهيل الأدوار» حين ينتقل الموظف من كرسي الإدارة إلى كرسي الاستشارة. المؤسسات لا تهيئ أبناءها لهذا التحول الحرج في آخر سنواتهم الوظيفية. فمن جهة، «الخبير المتقاعد» لم يتدرب على خلع «عباءة التنفيذي». يجد صعوبة نفسية في التنازل عن سلطة «الأمر والنهي»، فيتدخل في التفاصيل، ويحاول إدارة الدفة، مما يخلق صداماً مع المدير الجديد. هو لم يتعلم أن دور المستشار هو «الإضاءة» لا «القيادة». ومن جهة أخرى، «المدير التنفيذي» الشاب لم يتدرب على «كيفية استثمار الحكماء». قد يرى في الخبير تهديداً لسلطته، أو عبئاً قديماً، ولا يعرف كيف يستخرج منه العصارة الذهبية دون أن يسلمه المقود. لذا، نقترح اعتماد برامج تطويرية في السنوات الأخيرة من الخدمة لتهيئة الطرفين. برامج تعلم الموظف الخبير مهارات التوجيه (Mentoring)، وفن تقديم النصح دون فرض الرأي، وكيفية التحول من «لاعب» يسجل الأهداف، إلى «مدرب» حكيم يصنع النجوم. حين نجمع بين «نظام مرن» يحفظ الكفاءات، وبين «وعي سلوكي» يوضح الأدوار، سنحفظ لمؤسساتنا «ذاكرتها» و»حكمتها»، ونفسح في الوقت ذاته المجال لشبابنا ليقودوا الدفة بطاقة متجددة. هكذا نتحول من «هدر الثروة» البشرية، إلى «توارث الحكمة» بسلاسة ورقي.
1257
| 11 مارس 2026