رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

جاسم الشمري

مساحة إعلانية

مقالات

165

جاسم الشمري

عاصمة العراقة والثقافة والجمال!

30 أكتوبر 2026 , 12:00ص

تعود علاقتي بالمملكة الأردنية الهاشمية الشقيقة لمنتصف العام 2005 حينما غادرت العراق وكان المستقر بمدينة عمان المحروسة لأكثر من عشر سنوات مليئة بالسلام والأمان والحب والتعاطف.

والحياة في الأردن مليئة بالحيوية والتفاعلات الإنسانية والإعلامية والثقافية المتنوعة، وكأن الناس هناك أخذوا على عاتقهم التعايش بحبّ وسلام، وكذلك التفاعل الإنساني الجادّ مع قضايا الأمة في الدول القريبة والبعيدة، وكانت حماستهم العفوية في التفاعل لا تختلف عن مشاعر أبناء البلدان المكلومة أو المنكوبة، وهذه ليست غريبة على شعب عربي أصيل مثل الشعب الأردني الكريم!

وَتشرّفت بزيارة مدينة الكرك العامرة بالأول من نيسان/ أبريل 2008، وكانت زيارة مليئة بالسعادة والسخاء والنور، وكذلك كنت أمر بطريقها الخارجي حينما أذهب لمدينة العقبة العامرة أقصى جنوب الأردن.

ومحافظة الكرك مدينة تاريخية، قديمة وحديثة، ومعناها باللغة السريانية "الحصن"، وتقع على بُعد 120 كيلومتراً جنوبي العاصمة عمّان، وهي واحدة من مدن الجنوب الأربع: الطفيلة، والكرك، ومعان، والعقبة.

والكرك مدينة عريقة تضمّ العديد من المعالم التاريخية وأبرزها قلعة الكرك، وهي من القلاع الحربية في الشرق الأوسط، وَبُنيت في عهد "مملكة المؤابيين" خلال العصر الحديدي، (حوالي 1300 ق.م – 586 ق.م).

وَفُتحت الكرك بشكل كامل في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد معركة اليرموك (15 هـ / 636 م)، تحت قيادة أمين الأمة أبي عبيدة عامر بن الجراح. وجاءت مرحلة "الأيوبيين" الذين حكموها منذ أواخر القرن الثاني عشر الميلادي وحتى منتصف القرن الثالث عشر الميلادي.

وتضمّ الكرك أضرحة ومقامات قادة معركة مؤتة الشهيرة (8 هـ -629 م) وأبرزهم الصحابة جعفر بن أبي طالب (جعفر الطيار)، وزيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة رضي الله عنهم، الذين استشهدوا بغزوة مؤتة، البلدة التابعة للكرك، وكذلك تضم منطقة المزار بمركز المدينة "متحف المزار الإسلامي"، وهنالك العديد من الآثار الأخرى ومنها قصر القطرانة، وكهف النبي لوط عليه السلام وغيرهما !

والتعايش بين الأردنيين- دون النظر لدينهم وتوجهاتهم الفكرية- مُتميّز جداً، وتجمعهم صلات القربى، والمواطنة العشائرية والاجتماعية الوثيقة منذ عقود طويلة. ومسيحيو الكرك ينتمون لعشائر عربية أردنية أصيلة مثل: الهلسة، والحجازين، والعكشة وغيرها.

وهذا التعايش المتميز، ربما، أزعج ثلة من الكارهين للأردن والسلام، ولهذا ارتكبوا يوم الجمعة 23 تشرين الأول/ أكتوبر 2026 جريمة استهداف كنيسة حمود بالكرك التي أسفرت عن مقتل 9 أشخاص، وأُصيب فيها أربعون آخرون بجروح في هجوم غير مسبوق هزّ البلاد خلال تشييع جنازة أحد المسيحيين.

وكان من بين المصابين والمشيّعين خلال الجريمة بعض المواطنين المسلمين الكركيين وغيرهم الذين حضروا لتقديم واجب العزاء والمشاركة في التشييع بحسب العادات والتقاليد الاجتماعية الأردنية السائدة!

وهذه المشاركة الشعبية بالدم والألم شهادة ساطعة على تجذّر المواطنة الحقيقية؛ وأن قوة المجتمع نابعة من ترابط مكوّناته وروح الأخوة بين أبنائه.

وهذه العمليات الشاذّة، ربما، أرادوا بها شرخ حالة التعايش الديني والمجتمعي الأردني، وزرع الفتنة العشائرية في مجتمع عرف بالترابط الإنساني العشائري الإسلامي والمسيحي.

إن هذه العمليات الإرهابية ليست من الدين الإسلامي الذي يحثّ على التعايش والمحبة والسلام، ولا يمكن لهذه الجرائم أن تهزّ التعايش السلمي بين الأردنيين كونهم- وبحسب التجارب السابقة- تجاوزوا العديد من الأزمات بتضحيات جماعية وتلاحم نادر يتعذّر معه تمرير أي مؤامرة لتمزيق اللحمة المجتمعية!

أعتقد- وبحسب خبرتي المتواضعة بالمجتمع الأردني، ومتابعتي الحثيثة لحياة المملكة- أن هذه المؤامرات ولدت ميتة، رغم أنها تسبّبت بجرح عميق في المجتمع الأردني إلا أن الوعي المجتمعي كفيل بأن يقلب المحنة إلى منحة، والكارثة إلى فرصة للتلاحم، والابتلاء إلى ارتقاء وعطاء ورحمة!

حفظ الله أهلنا في الأردن الشقيق، وسلّمهم من كيد الأعداء الكارهين للسلام والثقافة والجمال!

 

مساحة إعلانية