رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ظلّت قطر لمدة تزيد عن العقد الكامل، رقمًا صعبًا في مستويات الرخاء الاجتماعي ليس على المستوى الإقليمي فحسب، بل على المستوى العالمي، إذ استطاعت تحقيق أرقامٍ عاليةٍ على مستوى دخل الفرد، وتوسّعت بشكل ملموس على صعيد مجانية الصحة والتعليم والكهرباء والماء. ومن جهة أخرى، نجد أن الاسم الذي ارتبط بها في مخيال البعيد والقريب هو كعبة المضيوم، إذ لا يغفل أحد الرؤية التي توازت مع مشروع النهضة الذي أسسه صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة، وهي رؤية تنحاز بقضها وقضيضها إلى خيارات الشعوب وضمير المواطن العربي في الشارع، هذه حقائق رئيسية وإن تنازع البعض حول تفاصيلها. ونظرًا إلى مدى النجاح الذي رسّخ من قواعد الدولة، وحجم الالتحام الذي قارب بين مختلف فئات الشعب، والقدرة الوطنية التي أثبتت جدارتها في أحلك ظروف البلاد وأصعبها، لا بد إذن من القول: إنه لا يمكن أن نجزع أمام التحديّات، مهما تنوعت أشكالها وتفاوتت نِسَبها.
أيّما تجربة سياسيّةٍ في التاريخ إلا وامتلأت بالنواقص، ويكفي أن يمتثل في أذهان أصحابها ضرورة التحسين المستمر لبنودها وسير أعمالها قياسًا على مطالب الإنسان، وظروف الزمان والمكان، وهذه طبيعة بشرية نجد شواهدها في تواريخ الأمم الحاضرة، حتى ليصبح النقص خصيصة ثابتة في دَمِها، إلى أن تستجيب بنفسها لتدرّجات الإحياء والإصلاح والتغيير الحتميّة.
وإنه لتغلب على مجتمعنا القطري صفة التراحم بين شتّى شرائحه، قد تخترمه بعض الأحيان نوازع الاختلافات الطبيعية، ولكن تسود فيه القيم المشتركة والأعراف المتبادلة، والصلات القائمة على مبادئ الثقة والتبادل، التي تتفق وتختلف، وتعظم وتخفت، شأن كل مجتمع.
ومن أهم المنجزات التي نعيشها هذه اللحظة هي هذا السلم المدني الذي ننعم في ظلاله، مما يجعله أجلّ المقاصد التي يجب الالتفاف حولها، باعتبارها أرضية مُلزِمة ننطلق منها تجاه مختلف القضايا والشؤون. كما ينبغي الوعي دائمًا بالتمايز بين الوسائل والمقاصد، وإن الخلط بينهما، وإن اتّخذ صورًا عفويّة أو انفعاليّةً من شأنه أن يفرط بهما جميعًا. وعند هذه اللحظة من التيقّظ، نصل إلى نتيجةٍ مفادها أن مكتسباتنا التاريخية هي محل الإجماع المطلق، بوصفها الوعاء الذي يضم مصالحنا وقيمنا، رغم تباين بعض التصورات والمبادئ.
لست أحاول التنظير في هكذا مقالةٍ تدفعها لحظة أملٍ وترقّب، إنّما لا بد في هكذا موقف من التذكير بالمسلّمات. وأن التاريخ -السياسي والثقافي والتشريعي- إنما يحكمه منطق التدرّج والتراكم، والنظر إلى أي تحوّل ينبغي أن يتجه إلى الداخل مراعيًا معطيات واقع الاجتماع السياسي وتركيباته، وإلى الخارج مستفيدًا من تجارب الدول الأخرى.
إن من يستقرئ أحداث الأمم بإمعان أو حتّى يجلي بصرَهُ عليها، غالبًا سيخرج بأفكار معيّنةٍ من أهمها، أن ليالي الشدة تنتج القوة، وأن أيام الرخاء تورّث الضعف، بل إن الأفكار البشرية الكبرى إنّما تولّدت بفعل اشتباك الإنسان مع الأزمات، لذا فهي بوّابة إلى السمو والاستقرار، إذا تم استغلالها بشكل جيّد.
ثمة الكثير من التفاصيل التي استهلكتها الألسن، وكثير من التعقّل الذي أُهمل، حتى يبدو من الواجب عند هذا المقام أن يولّى أهمية مُلحّة، لا تحتمل التأخير -بل قد يكون للتأخير عواقب غير متوقعة-، وهو -بوجهٍ آخرٍ- أمانةٌ يقع حِمْلُها على كاهل الجميع، على الدولة والمجتمع، والمسؤول والمواطن، والناطق والسامع، والفاعل والمتلقّي.
بالإمكان القول، إن ما شهدناه في الحقيقة هو أمرٌ تتنازعه العفوية ويشدّه التعقيد، ولهذا السبب فإن خارطة الطريق المترتبة عليه، هي ذات أولويّة راهنة ومستقبلية، والوعي بها، وعيٌ بالمدى الزمني الذي تقتضيه، وبحجم التنازلات الذي تتطلبه.
لقد ولّى زمن القراءات الأحادية، حيث لم يعد باستطاعتنا أن نعالج ظاهرة ما، من منظورٍ واحد فقط؛ فكل ظاهرة لو تفحّصناها جيّدًا، نجد فيها أبعادًا متداخلة، ونقع فيها على عوامل من داخلها، وعوامل من خارجها. من هذا المنطلق، فإن عمليّة سن التشريعات وصناعة القوانين، دائمًا ما تتأثّر بعناصر محليّة، وعناصر إقليميّة، وأخرى عالميّة، فيكون من الصعب عزلها في نطاق واحد، وتفكيكها على هذا النحو. لذا فمن أساسيات التعاطي مع الظواهر المركّبة هو النظر إليها من جوانب عديدة، واستخدام أدواتٍ مركّبةٍ من أجل احتوائها.
لا شك أننا نعيش مرحلة، لو علمها السابقون لغبطونا عليها، ولو عرفها اللاحقون، لشدّوا من أزرنا، وطالبونا التمسك بها بشتّى الطرق. وإننا في هذا المستوى من الوئام والتنوّع، ملزومون بالدفاع عن استحقاقاتنا المدنيّة، والحفاظ على شروطها بما أوتينا من وعي وإدراك ولُحمة. وهذا ينبغي أن يتوازى مع الدفع نحو سد ثغراتها، وتوسيع نطاقها، وتمتين روابطها.
ولقد رأينا كيف أن الانفعال الجدلي الذي تخلل منصات التواصل الافتراضي قد ارتد سلبيًّا على أذهان الكثير ونفسيّاتهم، فحجب عن أعينهم ما كان حقيقًا عليهم أن يروه، واستنزف طاقاتهم في مدوارات نافية ومؤكدة، وصل فيها مستوى النقاش إلى درجاتٍ مؤلمة ومتدنيّة من المناكفة، في وقتٍ كنا أشد ما نحتاج إليه هو الحوار البنّاء وفق تقاليد التعايش والمساواة، أو الخطاب الذي يضم شتات الأمر، ويلمُّ شعث المسألة.
مع العلم أنه انفعال لم يخلُ من حق، ولا يُلام من وجد نفسه منخرطًا فيه إلا لكونه وقع في الإفراط والتجاوز، وهذا لا ريب أنه فاقم من ردود الفعل العشوائية بدلا من تقريبها، وجعل منها مشكلة بحد ذاتها.
إننا بحاجة أصيلة إلى الحوار، وبحاجة كبرى إلى تفعيل منصّات الحوار الوطني-الوطني، على أرض الواقع، وربما استشعر الجميع في الأيام القليلة الماضية ضرورة ترشيد طاقات التعبير الشبابي، إذ قد تؤذن حالات الصمت الطويل بما هو أنكأ من مجرد الجدل، يستلزم على إثرها البحث عن مهدّئات قد لا تتوفر حينها.
ختامًا، التزامنا تجاه الدولة وعدالتها والمجتمع واستحقاقاته عهدٌ لا يمكن أن يُمَسّ، والواجب هو الحفاظ عليه من كل شارد ووارد يشتهي تطويع الموقف لصالحه.
الزواج والطلاق وتحولات القيم
تأخذ القضايا - كما هو معهود- حيّزًا متواصلًا في تفكير أصحابها أو مُعايشيها، ما دامت تنعكس بشكل ملموس... اقرأ المزيد
3744
| 03 أكتوبر 2022
ثنيُ الزمان على مسألة السُكّان
تحتل المسألةُ السكانية موقعًا متعاظمًا في هواجس المثقفين والمختصين بالشؤون التنموية الوطنية في بلدان الخليج العربي. وهي مسألةٌ... اقرأ المزيد
1944
| 19 سبتمبر 2022
لمَ هذا الجفاء بين الظاهرة والمنظور؟
يسري في الأذهان العربية، وبأثرٍ من القضايا السياسية الملتهبة التي ألمَّتَ بجسد الإنسان العربي المثخن ولا تزال، أن... اقرأ المزيد
1757
| 31 أغسطس 2022
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5487
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3030
| 24 سبتمبر 2026