رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لما كنت صغيراً وكنا في قرية تقع على شاطئ نهر الفرات ربما كان أبي أو زوجة أبي أو خالتي كانوا يحدثوننا عن ليلة النصف من شعبان وكان الجهل قد ساوى بينهما في الفضيلة فليلة القدر خير من ألف شهر وليلة النصف من شعبان لم يثبت في فضلها حديث صحيح.
كانوا يحدثوننا عن ليلة القدر وأن من سهر الليل، ولو لم يصل في تلك الليلة، أعطاه الله مناه ودفع عنه ما يكره فكانت أحلامي الصغيرة تكبر في تلك الليلة وأطلب فيها من الله ما يحلم به طفل دون سن الخامسة كانوا يحدثوننا عن بركات تلك الليلة وكيف يكون فيها نور القمر وضوء الشمس وحتى هبوب الريح وحتى أن الكلاب لا تنبح العابرين ولو كانوا غرباء وأن السكينة تنزل حتى على الطيور والعصافير.
ولما كبرت وكبرت معي أحلامي علمت أن ليلة القدر هي ليلة نزول القرآن وأنها خير من ألف شهر والحديث عن تلك الليلة الموعودة المشهودة التي سجلها الوجود كله في فرح وغبطة وابتهال كفرح طفولتنا ونحن صغار واغتباطنا بمن رآها كما كان يحدثنا بعضهم بذلك، إنها ليلة الاتصال المطلب بين الأرض والملأ الأعلى ليلة بدء نزول القرآن الكريم على قلب محمد الأمين صلى الله عليه وسلم ليلة الحدث العظيم الذي لم تشهد الأرض مثله في عظمته، العظمة لا تحيط بما المدارك البشرية (إنا أنزلناه في ليلة القدر * وما أدراك ما ليلة القدر) القدر 1-2 إنها خير من ألف شهر لأن الأيام والليالي لا تقاس بطولها ولكن بآثارها فرب ألف شهر تمر خالية من كل خير ورب ليلة يأتي فيها كثير من الخيرات وتفيض فيها النعم على الوجود، والحدث الكوني العظيم حدث القرآن والوحي والرسالة وليس أعظم منه ولا أقوم في أحداث الوجود وليس أدل منه كذلك على التقدير والتدبير في حياة العبيد وهي لذلك خير من ألف شهر، والعدد لا يفيد التحديد إنما هو يفيد التكثير فالليلة خير من آلاف الشهور في حياة البشر لبقاء آثارها على وجه الدهر وتخليد مآثرها، فكم من آلاف الشهور وآلاف السنين قد انقضت دون أن تترك في الحياة بعض ما تركته هذه الليلة المباركة من آثار وتحولات على وجه الوجود، فلم تعرف الدنيا نعمة أجل ولا خيراً أعظم من نزول القرآن وإعادة اتصال السماء بالأرض.
إن هذه الليلة المباركة تدور مع الليالي والأيام، وتبقى هذه الليلة في نفسي وفي نفس الكثير من المسلمين تفوق في حقيقتها حدود الإدراك البشري دون حاجة إلى ما صاغته أفكار عامة الناس وبسطائهم من أساطير أشاعوها حول هذه الليلة في أوهام تخيلوها في ليلة عظيمة باختيار الله لها لنزول القرآن وإفاضة أنواره على الوجود (وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً) النساء: 174 (ليخرجكم من الظلمات إلى النور) الحديد9 وإسباغ السلام الذي فاض من روح الله على الضمير البشري والحياة الإنسانية مما تضمنه (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين) الإسراء: 9، إن نزول الملائكة ومعهم جبريل عليه السلام- خاصة بإذن ربهم بهذا القرآن وانتشارهم فيما بين السماء والأرض في هذا المهرجان الكوني والاحتفاء والاحتفال الملائكي الذي صورته سورة القدر ليعد تصويراً عجيباً.
ولقد كانت هذه الليلة موعد اتصال السماء بالأرض هذا الاتصال المبارك، حقاً إن تلك الليلة التي يفتح الله ذلك الفتح على البشرية، والتي يبدأ فيها استقرار هذا النهج الإلهي في حياة البشر والتي يتصل فيها الناس بالنواميس الكونية الكبرى مترجمة في هذا القرآن لقيام عالم إنساني مستقر على قواعد الفطرة متناسق مع الكون الذي يعيش فيه، يعيش فيه الإنسان على الأرض موصولاً بالسماء في كل حين.
لقد مضى الجيل الذي عاش نزول القرآن أول مرة (وما بدلوا تبديلاً) الأحزاب:23 موصولين بالله يلجأون إليه إذا حزبهم أمر أو ألم بهم حادث، واثقين أنه قريب مجيب، وبقي بعدهم القرآن كتاباً مفتوحاً موصولاً بالقلب البشري يصنع به حين يتفتح له ما لا يصنعه السحر (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) الإسراء: 9 وبقي هذا القرآن منهجا واضحا كاملا صالحا لإنشاء حياة إنسانية نموذجية في كل بيئة وفي كل زمان حتى قال الأستاذ محمد أسد (ليوبولد فايس) وهذا اسمه قبل أن يعتنق الإسلام رحمه الله رحمة واسعة قال: "ولا أستطيع اليوم أن أقول إن أي النواحي قد استهوتني أكثر من غيرها، فإن الإسلام على ما يبدو لي بناء تام الصنعة وكل أجزائه قد صيغت ليتمم بعضها بعضا فليس هناك نقص في شيء فينتج عن ذلك كله ائتلاف متزن مرصوص، ولعل هذا الشعور من أن جميع ما في الإسلام من تعاليم وفرائض قد وضعت مواضعها هو الذي له أقوى الأثر في نفسي وهذه هي سمة المنهج الإلهي وحده وهي سمة كل ما يخرج من يده القدرة الإلهية.
أنزل هذا القرآن في هذه الليلة المباركة (إنا أنزلنا في ليلة مباركة) الدخان: 3 فيها إنذار الإنسان وتنبيهه (فيها يفرق كل أمر حكيم) الدخان: 4 لقد تميز فيها الحق الخالد والباطل الزاهق ووضعت الحدود وأقيمت المعالم للرحلة البشرية كلها بعد تلك الليلة المباركة إلى يوم الدين. لقد فرق فيها بين كل أمر حكيم فقد وضعت فيها من قيم وأسس وموازين وقررت فيها من أقدار الأفراد وأقدار الأمم والدول والشعوب هذه هي ليلة القدر عظيمة الشأن والقدر هذه هي الليلة المباركة التي فيها يفرق كل أمر حكيم.
إن النفس لا تزال تحن إلى الساعات التي كبرت فيها ليلة القدر في الضمير تلك الساعات والليالي، إن في النفس فراغاً لا تسده اللذات المادية التي هي لذات كأحلام الكرى أو ألوان طيف قد سرى إنها قد تسد فراغ النفس لحظة وقوعها فإذا انقضت عادت مطالبها الروحية والتي لا يشفين عليلها إلا المستراح تحت شجرة طوبى.
إن ليلة القدر ليست هي التي وجب فيها جناح جبريل شعاع فتبدو لنا بيضاء هادئة ولاهي التي يسهر ويسمر فيها الناس ولو في لهو ولعب ولكنها الليلة المباركة بما ينزل فيها من بركات وخيرات وثواب الله عز وجل على عباده الليلة التي يسجد فيها القلب ويتجرد فيها الإنسان من أنانيته ويقر فيها لله بعبوديته وافتقاره إليه فهي في كل زمان ومكان يعبد العبد فيها ربه ويشعر بمعيته.
إن المؤمنين مأمورون ألا ينسوا هذه الليلة المباركة العظيمة القدر وقد جعل لنا نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم سبيلا وسهلاً لاستحياء هذه الذكرى في أرواحنا لتظل موصولة بالحدث الكوني الذي كان فيها وذلك فيما حثنا عليه من قيام هذه الليلة من كل عام ومن التطلع إليها في العشرة الأواخر من شهر رمضان المبارك، "ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه".
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سينهي الحرب من يملك أوراق الصمود، فإذا نظرنا للمواجهات بين ايران وامريكا واسرائيل وإذا أخذنا العناصر الأساسية للصمود من الطبيعة الجغرافية التي هي مسرح العمليات فنحن نتحدث عن إيران كمساحة تبلغ حوالي 1.7 مليون كم2 تنتشر فيها القوات والقدرات الايرانية محصنة بسلاسل جبلية يصعب اختراقها ولذلك فإن القوتين المحاربتين لإيران في حاجة لتغطية كل هذه المساحة واختراق القمم الجبلية. وهذا سيكون من الصعب خاصة عند الحديث عن آلاف المواقع التي تحتاج تغطيتها وقد تعود عدة مرات لمثل هذه المواقع لكي تتأكد انه تم تدميرها وفي الكثير من هذه المواقع يصعب الوصول لها إما لأسباب طبيعية أو التمويه من قبل القوات الإيرانية، في المقابل مساحة فلسطين تعتبر صغيرة والقدرات الإسرائيلية متكدسة ومكشوفة فيسهل لإيران الوصول لكل هذه الأهداف بشكل ميسر إما لقلة عدد الاهداف او لتواجدها قريبة من بعضها او لكون إيران تستخدم الصواريخ الدقيقة للوصول لها. في الجانب الآخر وخاصة استخدام سلاح الطيران والذي تعتمده اسرائيل وامريكا سيكون شاقا عليهم مثل هذه الحركة لمسافة آلاف الكيلومترات فيستنزف الكثير من الوقود ويستنزف الكثير من طاقة الطواقم او يكون مكلفا باستخدام حاملات الطائرات وتكون معرضة للهجمات. ويرفع المخاطر عليهم بسبب تقادم مثل هذه الطائرات، إذن مسافات خطوط الامداد تبدو في صالح الطرف الايراني وايران هي المصنعة لصواريخها ومنصات انطلاقها، فبالامكان تسمية هذا انه "مسافة السكة" لايران بينما يعاني الطرف الاخر من تعقيدات خطوط الامداد التي تزيد عن احد عشر الف كم. واذا اضفنا الى هذه المسافة مساحة ايران تبرز مدى الصعوبة في السيطرة على الأحداث في الارض بالنسبة لسلاحي الطيران، اذن اذا كانت المساحة في صالح ايران وخطوط الإمداد في صالح ايران والمخزون أيضا في صالح ايران فبعد ان انهكت اسرائيل وامريكا في حرب غزة واوكرانيا وعلى مدى سنتين أو أكثر فإن مخزونهما من الذخيرة ومستوى استنزافهما بلغ درجات قصوى ولذلك فاعتمادهما استراتيجية الصدمة والترهيب قد تكون مفيدة في حال كانت فترة المواجهات قصيرة. اما اذا امتدت فترات اطول فإنها قد تعرضهما اما لزيادة الانهاك بالنسبة للطواقم والتهالك بالنسبة للطائرات والاجهزة والحالة الثالثة نفاد مخزون الذخيرة وهذه ثلاثة عوامل جد خطيرة بالاضافة إلى عاملين اخرين يخدمان ايران وهما التكاليف المنخفظة مقارنة بانتاج الذخيرة الامريكية التي تبلغ اكثر من خمسين ضعفا مقارنة بانتاج الذخيرة الايراني وعمليات الانتاج الايراني المستمرة وهو انتاج حربي في مقابل الشركات الامريكية والتي تحتاج خطوط انتاجها فترات زمنية طويلة للانشاء والانتاج. فإذا أضفنا لكل هذه العوامل الجبهة الداخلية بالنسبة لايران تبدو صلبة وأما الجبهات الداخلية بالنسبة للولايات المتحدة فإن الشعب الأمريكي يرفض مثل هذه الحرب وقد تؤدي بالادارة الامريكية لفقدان الانتخابات النصفية وما بعدها أيضا فقدان الكونغرس وكذلك الحال بالنسبة لاسرائيل فالجبهة الداخلية متشظية ومنهكة وتتجاذبها الايديولوجيات من العلمانية الى الليبرالية والمذاهب المختلفة من الحسيدية الى الحريدية. فاذا نظرنا وجدنا أن العامل الزمني يخدم ايران، فمع مرور الزمن تتراجع مكانة وقدرات أمريكا واسرائيل فلا هما قادران على فك حصار مضيق هرمز ولا قادران على الدفاع عن نفسيهما امام صواريخ ايران الفرط صوتية ومسيراتها، وبما ان أمريكا واسرائيل هما من بدأتا هذه الحرب بظروف غير مواتية لكلتيهما اصبح الرأي العام العالمي داعما لإيران بما انه اعتدي عليها من قبل امريكا واسرائيل، والأخطر ان ايران تملك ايضا ورقة الطاقة خاصة لموقعها الجغرافي على مضيق هرمز. وهذا سيجعل من الأوضاع في الاقتصاد الأمريكي جد صعبة فأي زيادة في أسعار الطاقة سيكون لها تداعيات بالغة على الاقتصاد وعلى الإدارة الامريكية.
17184
| 16 مارس 2026
* مع اقترابنا من نهاية هذا الشهر الفضيل، نسأل الله أن يبلغنا ليلة القدر، وأن يجعلنا من عتقائه من النار، وأن يتقبل منا الصيام والقيام وصالح الأعمال. وفي ظل ما يمر به العالم من ظروف صعبة وأحداث مؤلمة، نسأل الله أن يرفع الغمة، وأن يعم الأمن والسلام على بلادنا وسائر بلاد المسلمين. * في هذه الأيام المباركة، تتجه القلوب إلى بيوت الله بحثًا عن السكينة والخشوع، خاصة في المساجد التي يرتبط بها المصلون روحانيًا، ومن بينها المساجد التي يؤم فيها الشيخ عبدالرشيد صوفي، لما لصوته من أثر بالغ في نفوس المصلين، وما يحمله من خشوع يجعل الكثيرين يحرصون على الصلاة خلفه منذ سنوات. * هذا الإقبال الكبير، بطبيعته، يتطلب جاهزية عالية في إدارة المسجد، من حيث تنظيم الدخول والخروج للمواقف، وتوفير المساحات الكافية، وتهيئة المرافق، وحسن التعامل مع المصلين والمصليات، إلا أن الواقع في بعض الحالات لا يعكس هذا المستوى من الجاهزية. * فمن غير المقبول أن يتم التحكم في المرافق الأساسية، وإغلاق دورات المياه، أو تخصيصها لفئة معينة دون غيرها، بما يسبب معاناة للمصليات، ويخلق حالة من الازدحام والتوتر، بل ويدفع بعضهن للخروج إلى المرافق الخارجية للوضوء. كما أن غياب التنظيم الواضح، وترك بعض الجوانب لاجتهادات فردية دون صفة رسمية، قد يؤدي إلى ممارسات لا تتناسب مع حرمة المكان، سواء في أسلوب التعامل أو في آلية إدارة المصلى. * إن بيوت الله يجب أن تظل مفتوحة، رحبة، قائمة على الرفق، كما أرشدنا النبي ﷺ، لا أن تتحول- تحت أي ظرف- إلى بيئة يشعر فيها المصلون بالتضييق أو التمييز أو التوتر. * كما أن ما يُثار حول وجود تدخلات غير رسمية في بعض المساجد، أو التعامل معها وكأنها نطاق خاص، يطرح تساؤلات مشروعة حول ضرورة تعزيز الإشراف المؤسسي، وتأكيد أن المسجد وقف لله، يخضع لتنظيم الجهات المختصة، ولا يُدار وفق اعتبارات شخصية أو علاقات. * إن طرح هذه الملاحظات لا يأتي من باب النقد المجرد، بل من حرص صادق على بيوت الله، وعلى أن تبقى، كما ينبغي، مكانًا للسكينة، والرحمة، والخشوع. * ومع ختام هذا الشهر الكريم، فإن الأمل كبير بإذن الله في أن تؤخذ هذه الملاحظات بعين الاعتبار، وأن يتم التعامل معها بجدية، والاستعداد بشكل أفضل للمواسم القادمة، بما يضمن تهيئة بيئة إيمانية متكاملة، تليق بروحانية رمضان، وبمكانة المساجد، وبحرص المصلين على العبادة فيها. فالمساجد ليست مجرد مباني بل هي روح تُبنى، وقيمة تُصان، وأمانة يجب أن تُحفظ. * آخر جرة قلم حين يحرص الناس على الصلاة خلف إمام بخشوع الشيخ عبدالرشيد صوفي والحرص على الحضور من مناطق بعيدة، والتواجد طوال الشهر، فذلك دليل حياة في القلوب، لا يُقابل بإغلاق باب، ولا بتضييق مرفق، ولا بسوء إدارة. بيوت الله لا تُدار بالمفاتيح، بل بالمسؤولية. ولا تُحفظ بالمنع، بل بالرحمة. فإن لم تُصن روحانية المسجد، فماذا نصون؟ نسأل الله أن يتقبل، وأن يبلغنا وإياكم رمضان أعوامًا عديدة، في أمن وسكينة وطمأنينة. وأن يبلغنا ليلة القدر وما تنزل فيها من كل أمر حكيم.
1230
| 18 مارس 2026
ليست الحياة سوى جند مطواع يفتح ذراعيه لاستقبال كل من حمل في قلبه خيراً فأضاءه، فهي تأنس بمن يأنس إليها، وتلين لمن يطرقُ بابها بعزمٍ صادقٍ، فتفتح مسالكها لمن جاء زارعاً مُعمراً لا عابراً مجتازاً فحسب، وتستقبله هاشةً باشة، وكأنما تُكافئه جزيلاً على سلامة النية، وصفاء المقصد. ثم لا تلبث أن تلاعبه قليلاً لتمتحن شدّة صبره، وتختبر حقيقة جَلده، فيقف عند مفارقها لحظاتٍ يتبيّن فيها مقدار ما في صدره من احتمالٍ وثبات. وفي تلك المداورة الخفيّة تتجلّى معادن النفوس، وتنكشف سرائر الصدور، فمن وثق عزمه ازداد رسوخاً، ومن لانَ ساعده تعلّم من العثرة ما يقوّي خطوه في المرة القادمة. وكأن الحياة في هذا الامتحان لا تريد إلا أن تُظهر خبيئة المرء لنفسه، ليعرف موضع قدمه في دروبها، ومقدار ما يملك من صبرٍ على مسالكها الوعرة. فإن اجتاز.. تباهت به، وكأنها ترفع ذكره بين تجاربها، وتشهد له بأنه ممن صدقوا المسير ولم يهن لهم عزم. وإن علق في بعض منعطفاتها أعطته كرّات أخرى، تُمهله ليعيد المحاولة، ويستنهض الخطوة، ويستأنف السير بعزمٍ أشد وبصيرةٍ أوسع. وهكذا تبادله ودًّا بود، وإقداما بإحجام، في علاقةٍ خفيّة تتوازن فيها الخطوات بين الدفع والتريّث، وبين الجرأة والحكمة. ويمضي الإنسان في هذه المداولة الطويلة، تكرّ به الأيام وتفرّ، وهو يقطع فيافيها وقفارها، عابراً مسالكها البعيدة، متجاوزاً مفازاتها المترامية، حتى يبلغ واحاتٍ يهدأ عندها، ومستراحاتٍ يستردّ فيها أنفاسه. فلا يلبث أن يُدرك أن كل ما قطعه من مسافات كان جزءاً من الطريق إلى تلك السكينة، وأن كل اختبار مرّ به كان درجةً في سلّم النضج والاتساع. لحظة إدراك: هكذا تتبدّى الحياة في وجهها الأصدق: ميدانٌ رحب لمن أحسن قصدها، ورفيقُ مسيرٍ لمن أقبل عليها بنيّة الإعمار والسعي، فليست هذه سوى بتلك !
903
| 17 مارس 2026