رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
على هامش الأحداث الملتهبة التي تمر بها مصر نتوقف عند تصريحين كاشفين لطبيعة الانقلاب الذي شهدته البلاد، الأول لقائد الانقلاب، والثاني لرئيس الوزراء المستقيل. ففي ثنايا حديثه عن الدوافع التي شجعته على ما قام به صرح قائد الانقلاب العسكري أنه حذر الدكتور مرسي من أن مشروعه لا يصلح ولا يمكن أن يتم، وطالبه بأن يوقف هذا المشروع (!) ولم يتوقف الكثيرون عند ماهية المشروع الذي يقصده وزير الدفاع؟ ولكن الإجابة جاءت صريحة في تصريحات رئيس وزراء مصر المستقيل الدكتور هشام قنديل، عندما أكد ان الدكتور مرسي، على الرغم من كل ما يمكن أن يؤخذ عليه، كان يضع استقلال مصر الاقتصادي نصب عينيه، وان عقيدته (السياسية) —والتي يرى الوزير أنها كانت السبب في كل ما حدث— تمثلت في ضرورة أن يمتلك الشعب المصري إرادته وقراره وخصوصا فيما يتعلق بغذائه ودوائه وسلاحه، وأن هذا كان هو المنهج والأساس في كل ما كان يقوله أو يفعله.
كان هذا فيما يبدو هو المحظور الذي وقع فيه الرئيس المصري، فعلى الرغم من أن مرسي قد حاول مهادنة الدولة العميقة لأقصى درجة؛ ولم يمارس عمليات تطهير بحق رموزها، وأبدى استعداده للتعاون مع كافة القيادات الموجودة على أمل أن تمارس هذه القيادات عملية تصحيح مسار ذاتية لاحقا، على الرغم من هذا إلا أن محاولته مواجهة بارونات المال والاقتصاد، وتهديده الشهير لهم في آخر خطاب له بعبارة "سنة كفاية"، ثم تحركه باتجاه مواجهة عدد من رموزهم وبخاصة في المجال الإعلامي، ربما يكون هو ناقوس الخطر الذي استشعره هؤلاء لبدء تنفيذ مخططهم (أغلب الظن بمباركة غربية) والذي سعوا فيه منذ اليوم الأول لوصول مرسي إلى كرسي الحكم.
ورغم أن الانقلاب الذي عزل نظام الدكتور مرسي، يمثل صورة طبق الأصل من انقلابات كثيرة تمت في الماضي، فإنه لم يكن من السهل مقاومته أو محاولة تلافيه، خاصة وقد تواطأت على تنفيذه كافة أجهزة الدولة العميقة وعلى رأسها الإعلام. وقد بدأ المخطط، كما في سائر الانقلابات، بعملية اغتيال معنوي وسياسي للقيادة المنتخبة، عبر حملة إعلامية ودعائية استهدفت عمل غسيل مخ جماعي لقطاعات واسعة من الجماهير، لدفعها إلى تأييد مشروع الانقلاب، ثم تكتيلها خلفه من أجل حمايته والدفاع عنه. ولعبت الأموال الغربية دورا مشبوها عبر ما سمى ببرامج دعم الديموقراطية، إذ ساعدت الانقلابيين في مسعاهم ووفرت لهم دعما شعبيا حقيقيا. ولمن يهتم بكيفية صياغة حشد شعبي وراء انقلاب مصطنع أن يبحث عبر شبكة المعلومات عن اسم "كيرمت روزفلت" ودوره في الانقلاب الذي شهدته إيران منتصف القرن العشرين ضد الدكتور محمد مصدق.
وما ينطبق على سيناريو الانقلاب ينطبق على سيناريو ما بعد الانقلاب، فما تشهده مصر في هذه الأيام من عملية منظمة لإعادة إنتاج النظام القديم هو أيضا تقليد حرفي لما تم فى انقلابات عسكرية سابقة، ويشمل ذلك (1) التراجع عن مشاريع الاستقلال الاقتصادي التي لا تتوافق ومعايير الشركات الكبرى ومصالح كبار رجال الأعمال. (2) النكوص عن سياسات الاكتفاء الذاتي من السلع الاستراتيجية (القمح نموذجاً). (3) التراجع عن تنفيذ المشروعات التنموية الكبرى (مثل مشروع تنمية إقليم قناة السويس)، (4) العودة إلى سياسات الاقتراض بديون باهظة (بهدف تأكيد إلحاق الاقتصاد المصري بالرأسمالية العالمية، وليس بغرض طمأنة الغرب من أن مصر لا تعاديه كما كان يسعى نظام مرسي). (5) تعطيل العملية الديموقراطية والزج بالمعارضين إلى السجون. (6) استئناف عصر الإرهاب وإعادة أجهزة أمن الدولة إلى العمل بكامل طاقتها، وإطلاق يدها في التعامل مع المواطنين بالطريقة التي يفضلونها حيث يكون التعذيب والاعتقال هو مصير كل من تسول له نفسه معارضة الحكم الجديد.
وفي انقلاب مصر — كما في الانقلابات الأخرى— لا يكتفي الانقلابيون بهذه التحركات على الأرض، وإنما يهتمون بتقديم غلاف أيدلوجي لما يقومون به. خلال حقبة الستينيات، كان يتم التأكيد على أن الأنظمة التي يتم الانقلاب عليها متعاونة مع الشيوعية العالمية، الآن وبعد انهيار المعسكر الشيوعي، لم يكن بد من ادعاء أن نظام الدكتور مرسي كان يمثل تهديدا للديموقراطية (راجع تصريحات وزير الخارجية الأمريكي)، وذلك على الرغم من أنه جاء للحكم في أعقاب انتخابات ديموقراطية استثنائية. وبطبيعة الحال تكون الجماهير مستعدة لاستهلاك مثل هذه التبريرات، ليس لكونها بحاجة إلى مسوغ إخلاقي للقبول بالانقلاب عسكري، ولكن لأنها تكون في مرحلة غسيل المخ التي يزكيها الإعلام.
أما عن التدفق المالي الخارجي الذي يعقب الانقلابات، فإن دوره ان يتيح سيولة مالية تصرف نظر المواطنين والحكومة على حد سواء عن أفكار الاستقلال الاقتصادي أو عن تدشين مشروعات التنمية الوطنية (في الحالة المصرية كان المستهدف الأساسي هو إحباط مشروع تنمية إقليم القناة والذي يمثل منافسا محتملا لأنظمة يعتمد اقتصادها على كونها مركزا إقليميا للتجارة الدولية)، ومن ناحية أخرى يحاول التدفق المالي أن يكتب شهادة وفاة لنمط من الديموقراطية وحكم القانون من الممكن أن ينتقل بفعل أثر العدوى إلى بلدان الحكم التسلطي التي تضخ هذه المساعدات/الرشاوي المالية.
وكما كان الدعم فى الماضي يوجه داخليا لصالح أعداء الشيوعية، تغير الشعار ولم يتغير الهدف، فأصبحت مهمة الانقلابيين الآن هي تنصيب حكومات يمكن التعاون معها لتحقيق مصالح بارونات المال والأعمال داخليا وخارجيا، وضمان استمرار دوران الدولة في فلك المنظومة الاقتصادية الغربية. ولا يوجد في هذا السياق أفضل من النخب العلمانية، التي تعتنق فكرة أن ما يربطها بالغرب من مصالح براجماتية أقوى مما يربطها بنظام حكم داخلي يمتلك قواعد شعبية يصعب التغلب عليها انتخابيا.
خلاصة القول أن قوى الهيمنة الداخلية والإقليمية والدولية لم يكن يرضيها وصول واستمرار حاكم وطني ذي خطط استقلالية، طالما أن ذلك يحمل في طياته تهديدات لمصالحها، ومن هنا تخطيء القوى المؤيدة للشرعية إذا تصورت أن دورها هو تغير قناعات قوى الانقلاب، فحسم الصراع الحالى في مصر لا يبدو متوقفا على اعتبارات موضوعية متعلقة بتقدير الوزن النسبي للمعارضة في مواجهة الموالاة، فقد اختارت قوى الانقلاب مصالحها الاقصادية، واستعملت صورة الحشود المؤيدة لها كذريعة وليس أكثر من ذلك. ولو كانت الحشود وحدها كافية للتأثير فى مسار العملية السياسية لاستجاب قادة الانقلاب لصوت الجماهير المعتصمة فى شوارع القاهرة منذ ما يزيد على الثلاثة أسابيع، أو لطرحوا فكرة إجراء استفتاء شعبي على خارطة الطريق التي طرحوها كبديل للعملية السياسية الشرعية التي انطلقت قبل عامين ونصف وأطاحوا هم بها في 48 ساعة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4605
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3306
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1272
| 28 سبتمبر 2026