رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
"ستظل القضية الفلسطينية هي القضية الأولى والكبرى والمركزية"، تلك عبارة تتردد في كل أحاديث القادة والزعماء وكبار المسؤولين والنخب السياسية العربية، مما جعلها - من فرط تكرارها – تقترب من العبارات الدارجة وتفقد توهجها القديم، خاصة أن الصدق يخاصم قلوب من يرددها، حتى وإن كان الصوت عاليا ونغمتها فيها بعض من صراخ وحماس، لكن شيئا من القلب لا يخرج.
ما الذي يدفعني إلى البوح بهذا الخاطر أو قل الوجع - إن أردت قدرا من المصداقية؟ لقد تابعت على مدى الأعوام الثلاثة الأخيرة وربما أكثر من ذلك الكثير من الخطب في اجتماعات عربية على مستويات مختلفة، بما في ذلك مستوى القمة، مرورا بمستويات وزارية وصولا إلى المستويات الأدنى، دون أن يخل خطاب فيها عن محورية القضية الفسلطينية، بيد أنني عندما أقوم بعملية رصد لمفردات الواقع، أتوصل إلى نتيجة مؤداها أن هذه القضية باتت في غيابات الجب، بمنأى عن المتابعة والاهتمام والحرص والدعم -إلا من رحم ربي - من هذا الطرف العربي أو ذاك.
توارت القضية إلى المواقع الخلفية ولعل المؤشر الأكثر صدقا في هذا السياق ترتيبها في استعراض الأنباء والتقارير الإخبارية، سواء في الفضاء المفتوح والمتعدد والمتنوع أو عبر الأثير، أو من خلال الصحف أو المواقع الإخبارية، ولا أظنني متجاوزا عندما أقول: إن الأفول بات يفرض سطوته على القضية بكل تجلياتها ومفرداتها وأبعادها، وكلها تنطوي على مخاطر على كيان الأمة وأمنها القومي وجودا وعدما.
أضحت ثورات الربيع العربي، وما أدراك ما الربيع العربي، في صدارة المشهد الإقليمي والدولي، وهو ما المناخات المواتية للغاية للكيان الصهيوني لكي ينفذ مخططاته الاستعمارية والاستيطانية بقدر كبير من الشعور بعدم الملاحقة العربية حتى ولو على مستوى بيانات الشجب والاستنكار، والتي بدت لغتها في الأعوام الأخيرة باهتة وضبابية ومكررة دون أي إضافات، وهو ما يجعلني أشعر بأن القائمين على صياغة هذه البيانات لا يبذلون كبير جهد، فهي محفوظة في أجهزة الحاسوب، وعندما تحين المناسبة يتم إخراجها بنفس المفردات تقريبا دون أن يكون لها مردود أو تأثير، بل تكون في معظم الأحيان موضع سخرية بالذات من الكيان، الذي لا يعير كل ما يقوله العرب أي اهتمام، لأنه أدرك وبشفافية أنهم محض ظاهرة صوتية تفتقر إلى القدرة على الفعل المؤثر والناجز والمغير،
لقد باتت القدس، خاصة قدس أقداسها – المسجد الأقصى - عرضة للعدوان الصهيوني، وغدا قطعانه قاب قوسين أو أدنى من اختراقه عبر الحفريات التي لم تتوقف، وتهدد معماره ومكوناته التاريخية تحت حجة البحث عن هيكل سليمان المزعوم في هذا الموقع، وحدث ولا حرج عن الاختراقات اليومية لقداسته ومحاولة السيطرة على باحاته سعيا للاستيلاء عليه، لولا فتية آمنوا بربهم مرابطين به من الداخل، مدافعين - بقدر ما يمتلكون من إرادة وإيمان - عن المسجد وما يمثله من دلالات ومكانة في الأمة الإسلامية التي تخلت عنه وتركته في فوهة العدو.
في الوقت نفسه حدث ولا حرج أيضا، عن المخطط الواسع والذي ينفذه الكيان بهدوء بمساعدات ضخمة من رجال أعمال يهود بالذات من يهود الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية لتهويد المدينة، من خلال شراء منازلها وأحيائها ذات الطرز التاريخية والتي تحقق لقطعان بني صهيون نوعا من استعادة الماضي المزعوم في هذه المدينة، فهل تحركت دولنا ورجال أعمالنا بل وشعوبنا في اتجاه موازٍ رغم صرخات أبناء القدس والأقصى لمساندتهم للتصدي لهذه الهجمة الشرسة؟ لا أنكر أن ثمة جهودا بذلت في هذا الشأن، منها تبني العاهل السعودي الملك عبد الله فكرة إنشاء صندوق لدعم القدس والأقصى، ثم وقفية الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني قبل سنوات التي خصصها للإنفاق على متطلبات سكان القدس الصحية والتعليمية، لكن هل تكفي هذه الجهود مقابل المليارات التي تتدفق من الغرب ورجال أعماله، سواء أكانوا يهودا أو من غيرهم؟ لا أظن،
إن العدوان الصهيوني الأخير على كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، منذ الكشف عن فقدان ثلاثة من قطعان المستوطنين فقدوا قبل أكثر من أسبوعين يعكس حالة غياب المساندة العربية للقيادة والشعب الفلسطيني في مواجهته وهو يأخذ منحى تصعيديا خطيرا، فجند الاحتلال يقتحمون المنازل وغرف النوم بطريقة همجية بحثا عن قطعانهم، يرتكبون كل الفظائع بقسوة معهودة، لكنها هذه المرة أكثر حدة، تنفيذا لتعليمات المتطرف الأكبر بنيامين نتنياهو، خوفا من تعرض حكومته لاختبار تبادل أسرى جديد مع الفلسطينيين بأعداد أكبر مقابل الثلاثة المفقودين من قطعانه وهو ما يعرضه للإذلال مثلما حدث في واقعة الجندي شاليط.
لقد أصدرت كل من الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي بيانين مقتضبين، فضلا عن بيانات لعدد قليل من الدول العربية والإسلامية تنديدا بممارسات الكيان ولكن ماذا بعد؟ لا شيء، فالعدوان لم يتوقف والاعتقالات في صفوف الفلسطينيين في الضفة تتزايد، لم تترك قيادات وعلى رأسهم رئيس المجلس التشريعي عزيز الدويك، فضلا عن نواب حاليين وسابقين في المجلس، بالإضافة إلى عشرات من الشباب وفي قطاع غزة الغارات تصل بنيرانها أحياءه وبيوته وسكانه، بل ثمة تهديد بتصعيد عسكري وإعادة إنتاح محاولة اقتحامه عسكريا.
واللافت أن أنباء هذا العدوان أمست بمنأى عن الصفحات الأولى للصحف العربية، إلا ما ندر أو أخبار وتقارير الفضائيات والإذاعات وهو ما يدفع الكيان إلى الشطط في عدوانه وانتهاك حقوق الفلسطينيين ما دام العرب مشغولين بتداعيات الربيع الذي تحول إلى شتاء شديد البرودة والقسوة، لأن ثمة من سرق جذوته وقلل من سطوته، وتوشك قضية الأمة الأولى على البقاء أسيرة في دائرة الغياب القسري.
انتفاضة أم هبة في فلسطين..؟
ثمة من يحاول أن يقلل من الحراك الشعبي المدهش في الأراضي العربية الفلسطينية المحتلة بوصفه مجرد هبة جماهيرية... اقرأ المزيد
380
| 11 يناير 2016
أحوال الأمة في العام 2016
بعد ساعات قليلة، نعانق العام الجديد 2016 وثمة تساؤل يدق الرؤوس: هل سنشهد أحوالا مغايرة لأحوالنا في العام... اقرأ المزيد
443
| 28 ديسمبر 2015
ليبيا .. الخروج من دائرة الوجع
ينطوى الاتفاق السياسي الذي وقع عليه الفرقاء الليبيون بمدينة الصخيرات المغربية يوم الخميس الماضي, على رغبة حقيقية في... اقرأ المزيد
313
| 21 ديسمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4314
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3120
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1185
| 28 سبتمبر 2026