رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مما لم يعد فيه أدنى شك أن الانتفاضة المباركة التي اندلعت في سوريا بكل عفوية وبراءة اقتداء بمثيلتيها في تونس ومصر ثم في ليبيا واليمن قد انبثقت كانبثاق النور من جنح الظلام لترفض الواقع المر الأليم الذي طوقها باختناقات، الاحتقانات المستمرة التي كان وما يزال الأحرار في الشام يتعرضون لأذاها من عصابات حكمت وتحكم بالدم منذ أربعة عقود وتكذب على شعبها وتوهمه والعالم أنها نظام ممانع مقاوم وأن ما يجري عليه اليوم من احتجاجات إنما هو مؤامرة خارجية تنفذ على يد جماعات إرهابية أو سلفية أو مندسين مما أدرك العالم كله أن هذه الادعاءات أو هي من خيط العنكبوت وأن سنين التغيير سوف تطول الظالمين في كل زمان ومكان وأن غلبة الحق هي الحقيقة التي لا يمكن لأي دولة ظالمة أن تغطيها ولو نجحت في ذلك بعض الوقت فإن حبل الكذب قصير وإن الفطرة هي التي ستقول كلمتها في نهاية الصراع، إذ أنها تعني بكل بساطة – كما قال العلماء – غلبة الخير والحق على الشر والباطل، وإذا كان الأمر كذلك، فهل يمكننا أن ننسى دور هذه الفطرة التي دفعت سيد شهداء أطفال سوريا حمزة علي الخطيب أن يقف بقامته البريئة خطيبا بليغا يزجي الحكم والنصائح ويلهم الملايين أفكارا نفيسة هي من صلب الفطرة النقية التي جبلوا عليها حتى قالوا: كلنا حمزة وأنشأوا صفحة باسمه لن نسكت لأجل براءتك ودموع أمك وأبيك، إنه حمزة الذي قتله الأوغاد وتفننوا في تعذيبه والتمثيل بجثته حتى قاموا بقطع عضوه التناسلي وقد شوهد جسده عندما سلم لأهله يوم الأربعاء الماضي 25 مايو من قبل زبانية الأمن المجرم وقد ظهرت على جسده كدمات في الوجه والساق وكسر في العنق وأثر طلقة رصاص اخترقت ذراعه واستقرت في خاصرته اليسرى وطلقة أخرى في اليمنى خرجت من ظهره وطلقة ثالثة في صدره، وقد رأينا هذا بأعيننا على صورة الفيديو ليس من القنوات فقط، وإنما بشكل واضح يدمي القلوب ويهز المشاعر هزا، أتدرون لماذا؟ فقط لأن الطفل حمزة ذا الثالثة عشر ربيعا أراد أن يصبح شابا وينضم إلى فئة الرجال كما ربته أسرته، أراد أن يشارك في تظاهرة يوم الغضب في 29 أبريل الماضي، في بلدة الجيزة مسقط رأسه بالقرب من درعا الصامدة فخرج مع المشاركين لفك الحصار عن المدينة فاعتقله المجرمون مع خمسة وعشرين من المتظاهرين ما يزال مصيرهم مجهولا، إنه حمزة الذي أكمل مشوار إخوانه الأطفال البسطاء الذين كانوا بفطرتهم البريئة سبب تفجير هذه الثورة الكبرى اليوم في سوريا، حيث دفعتهم عدوى الفتيان الثائرين في الدول العربية إلى ترديد الهتاف الشعب يريد إسقاط النظام ثم كتبوه على الجدران فما كان مصيرهم إلا الاعتقال في سجون درعا وقد ثبت أنهم عذبوا بقسوة متناهية إلى درجة أن قلعت أظافر أيديهم بل وأرجلهم ولما أراد ذووهم مراجعة السلطات ذهبوا إلى محافظ درعا وقابلوه وكذلك المسؤول الأمني وكانوا وضعوا عقالاتهم على الطاولة أثناء اللقاء كي لا ينصرفوا إلا بعد أن تقضى حاجاتهم أو هم سيبقون كذلك حتى يفرج عن أبنائهم كما هي العادة والعرف هناك وأهل درعا معروفون بالشهامة والكرامة والنخوة وهذا ما اعترف به الرئيس بشار في خطبته أمام مجلس الشعب، فما كان من المسؤولين هؤلاء إلا أن رموا عقالات رؤوسهم في القمامة ثم وجهوا لهم أقذع الألفاظ ومنها: هؤلاء ليسوا أولادكم انسوهم وائتوا بغيرهم وإذا لم تستطيعوا نحن نفعل بنسائكم ونأتي بالأولاد منهم!! وهنا رجع القوم إلى بيوتهم حانقين وقد أقسموا على الرد فبدأت التظاهرات وأخذ الجامع العمري الحزين اليوم دوره ثم انتقلت الشرارة إلى جميع سوريا وتصاعدت وتيرة الاحتجاجات حتى بلغت في جمعة حماة الديار قبل ثلاثة أيام إلى 132 بلدة ومنطقة وبؤرة وعمت سوريا كلها يوم سبت الشهيد حمزة المظاهرات المنددة بنظام القمع والوحشية الذي لا يستغرب منه هذه الجرائم ضد الإنسانية قديما وحديثا فقد نشأ على ذلك وإنما استمر بهذه الدموية ولولاها لما بقي سنة واحدة ويعرف ذلك الأحرار لا المنافقون.. إنه حمزة الشهيد الحي الذي نتذكر مع قصته سيد الشهداء حمزة أسد الله وأسد رسوله الذي كان قتله وحشي بن حرب قبل أن يسلم وقتل حمزتنا هؤلاء المتوحشون الجدد، ولئن قاتل حمزة بسيفين في غزوة بدر وفعل بالمشركين الأفاعيل فقد قاتل حمزتنا الفتى اليوم بلسانه وهتافه ضمن الجهاد المدني السلمي مع رفاقه متبعا توجيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الجهاد باللسان مقرون مع جهاد النفس والمال ولكنه قوبل بالنار والتعذيب والتمثيل، كما كانت هند بنت عتبة قبل إسلامها قد شقت بطن حمزة ولاكت كبده وكما قطع المشركون أنف حمزة وأذنيه ومثلوا به حتى قال الرسول: ما وقفت موقفا قط أغيظ من هذا لأن حمزة كان أعز فتى في قريش وأشدها شكيمة أفلا نحزن على حمزة الخطيب الذي هو سيد شهداء أطفالنا اليوم والذين يبدو أن السلطة الآثمة والشبيحة الوحوش مستمرون في مسلسل قتل الأطفال، وقد عرفت الآن من الإعلام وقنواته كيف أن هجمات هؤلاء الهمج على مدينة تلبيسة التابعة لحمص قد أسفرت عن مقتل الطفلة هاجر تيسير الخطيب، وهي أيضا من آل الخطيب طفل وطفلة خطيب وخطيبة سيرتعان في الجنة ليروا جناتهم وقاتليهم في النار، وكذلك سقطت الطفلة نادية صفوع وعبده بعجة والملازم الحر بسام كلاس شهداء إذ كان هذا الأخير يريد إنقاذهم لقطع الشارع وهم ينزلون من الحافلة لدى ذهابهم إلى المدرسة، إنه عصر الشهداء رحمهم الله إضافة إلى العديد الذين جرحوا في هذا الهجوم الدنيء ثم يقولون لك إن الرئيس منع إطلاق الرصاص! ليت هذا الرئيس عرف أن العرب قالوا في أمثلتهم: إن أشر الناس من يحسن القول ولا يحسن الفعل وهذا ما أدركه الرئيس الروسي ميديديف في اجتماع الدول الثماني فقال: نريد من الرئيس بشار أفعالا لا أقوالا فحتى حلفاؤهم عرفوهم كما هو الشأن في القذافي، إن بشار لم يقرأ سياسة عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي بين صفات الحاكم الناجح بأنه الذي يكون ليّنا في غير ضعف قويا في غير عنف!
تلك الذكرى الغضة لحمزة الخطيب الذي يبدو أنه تربى على تحمل المسؤولية وزرع الثقة بنفسه فقام ببعض واجبات هم المسلمين ضد الظالمين ونصرة لإخوانه الأطفال والمستضعفين مع خمسة وعشرين طفلا قتلوا في الأحداث من بين أكثر من ألف وثلاثمائة شهيد وشهيدة فضلا عن الجرحى والمفقودين والمعتقلين، فأين دعاة حقوق الأطفال، والدول الكبرى ومنظمات حقوق الإنسان؟ وأين مجلس الخوف لا الأمن؟ وأين الجامعة العربية بموقفها الجبان ومنظمة المؤتمر الإسلامي الشكلية للأسف الشديد؟ حيث سياستها مع النظام المجرم، أين هي من قول الله تعالى في الدفاع عن حق الأطفال ونصرتهم وتخليصهم من الظالمين (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها..) "النساء: 75".
وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من رفع علينا السلاح فليس منا، وإن الذين يعذبون الناس في الدنيا يعذبهم الله في الآخرة"، ما أقسى قلوبكم فأنتم أشد حتى من المستعمر الفرنسي الذي احتل سوريا ولم يعذب الأطفال فقال شوقي:
وللمستعمرين وإن ألانوا
قلوب كالحجارة لا ترق
وأما حمزة فيقول لكم:
بلاد مات فتيتها لتحيا
وزالوا دون قومهم ليبقوا
إن لذة الانتقام لا تدوم سوى لحظة كما في المثل الإسباني وإن حمزة لن يكون بازارا في سوق المزايدات لأن الأمن لا يتحمل قتله، كما أن أحد أبواق النظام يقول: ولكنه سيبقى وقودا للثورة والتغيير يبث روح العزة كما بثها السلف من قبله، سلاما يا حمزة يا رائد بطولات الأطفال ويا صديق خالد سعيد في مصر ستحيون فينا كما في قلب حطان بن المعلى:
وإنما أولادنا بيننا
أكبادنا تمشي على الأرض
لَيْلةُ القدْر
ليلةُ القدْرِ في زمانِ الأَضاحيغرِقتْ بالدَّماءِ والأتراحِفالشّآمُ الذَّبيح رهنُ سيوفًٌوَالعِراقُ الجريحُ رهنُ رِماحٍوبلِيبيا الشقاقُ ثم بمصرٍويَمانٍ مباضع الجَرّاحِطال... اقرأ المزيد
480
| 02 يوليو 2016
ذكِّرونا
ذكِّرونا مَواقِفَ السابقيناوَدَعُونا مِن خِدْعَةِ القاعِدينافالنُّفوسُ الكِبارُ تَهْوَى السَّجاياوَهْيَ تَأْبى مَصائِرَ المُرْجِفيناالثباتَ الثباتَ فهو كَلَيْثٍيَبعثُ الحَزْمَ والبطولة فيناوالمُنى... اقرأ المزيد
592
| 01 يوليو 2016
أنا حُرٌّ
ذوَّبَتْني حتى غدَوْتُ خيالا فاجِعاتُ السَّلامِ حالاً فحالا أنا حُرٌّ والذلُّ عندِيَ كفرٌ فَهَبوني عَيْشَ الجهادِ مَجالا وَخُذوني... اقرأ المزيد
387
| 30 يونيو 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل الطريق إلى المدرسة مجرد مسافة نقطعها كل صباح، أم أنه وقت يمكن أن نستثمره مع أبنائنا؟ سؤال يستحق أن نتوقف عنده ونحن نشاهد المبادرة الجميلة «وصل عيالك» التي أطلقتها مشكورة وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة، لتشجيع أولياء الأمور على توصيل أبنائهم إلى المدارس. وأرى أن هذه المبادرة تؤكد وعي الجهات الاجتماعية بأهمية التفاصيل الصغيرة في حياة الأسرة، فقيمتها الحقيقية تتجاوز بكثير مسألة إيصال الطالب من باب المنزل إلى باب المدرسة، إلى معنى أعمق بكثير؛ وهو استثمار هذا الوقت في الاقتراب من أبنائنا، والاستماع إليهم، والحديث معهم، واستعادة شيء أصبح نادرًا في حياتنا المعاصرة: الحضور الحقيقي مع أبنائنا. نعيش اليوم حياة سريعة ومزدحمة، الأب والأم لديهما أعمال والتزامات ومواعيد، والهاتف لا يتوقف، ورسائل العمل تلاحقنا حتى خارج أوقات الدوام، وأصبحت الأسرة أحيانًا تجتمع في مكان واحد، لكنها لا تجتمع فعلًا؛ كل شخص حاضر بجسده وغائب بذهنه. لذلك قد تكون عشر دقائق أو ربع ساعة في السيارة مع ابنك، وأنت حاضر معه فعلًا، أهم من ساعات طويلة تقضيها بجانبه وأنت منشغل بهاتفك أو عملك أو عالم آخر بعيد عنه. وهنا تكمن روعة الطريق إلى المدرسة. في الصباح الباكر يكون ذهن الطفل هادئًا بعد قضاء راحة ونوم، وأنت بجواره في مساحة صغيرة لا تلفاز فيها ولا مجلس مزدحم ولا مقاطعات كثيرة. تحدثه، وتسأله: ماذا لديك اليوم؟ ما المادة التي تحبها؟ ما الذي يزعجك في المدرسة؟ ماذا تتمنى أن تصبح؟ من أقرب أصدقائك؟ ولماذا تحب هذا المعلم ولا ترتاح لذاك؟ لا تجعل المشوار تحقيقًا يوميًا معه، بل اترك الحديث يأتي بعفويته. فقد تبدأ القصة بجملة بسيطة جدًا يقولها طفلك في السيارة، ثم تكتشف خلفها عالمًا كاملًا لم تكن تعرف عنه شيئًا. وربما تسمع من ابنك في السيارة شيئًا لن يقوله لك وهو جالس أمامك في البيت. فالطفل أحيانًا لا يحتاج إلى جلسة رسمية عنوانها «تعال أريد أن أتحدث معك»، بل يحتاج إلى لحظة آمنة وعفوية يشعر فيها أنك قريب منه وتسمعه دون محاكمة أو استعجال. وبين إشارة مرور وأخرى قد يخبرك عن صديق يضايقه، أو معلم يحبه، أو موقف أخافه، أو فكرة تشغله، أو حلم يريد الوصول إليه.أما رحلة العودة من المدرسة فلها حكاية أخرى. يركب ابنك السيارة وقد عاش عدة ساعات بعيدًا عنك، محملًا بالمواقف والأسئلة والضحكات وربما الغضب والحزن أيضًا. يريد أن يخبر أحدًا بما حدث: «اليوم المعلم قال لنا…»، «فلان فعل كذا…»، «تعرف ماذا حدث في الفصل؟»، «اليوم حصلت على درجة…». قد تبدو لنا هذه التفاصيل صغيرة، لكنها بالنسبة إليه حياته التي يعيشها الآن.وكلما اعتاد أن يجد أذنك في الأشياء الصغيرة، زادت احتمالية أن يبحث عنك عندما تأتي الأشياء الكبيرة. وهذه في رأيي إحدى أجمل رسائل مبادرة «وصل عيالك»؛ أن تذكرنا بأن التربية ليست دائمًا محاضرات طويلة ولا جلسات مخططًا لها، وأن بناء العلاقة مع الأبناء قد يحدث في تفاصيل صغيرة جدًا كنا نظن أنها مجرد وقت ضائع في الطريق. لكن من المهم جدًا ألا نحول جمال هذه الفكرة إلى لوم للآباء والأمهات الذين لا يستطيعون توصيل أبنائهم. فالبيوت تختلف، وظروف العمل تختلف، وأوقات الدوام تختلف، وهناك من يعتمد على الحافلة المدرسية أو السائق، وهناك أم أو أب يبدأ عمله قبل بداية المدرسة أو يعمل في مكان بعيد، وعدم توصيل الأبناء لا يعني أبدًا التقصير في حقهم فهم يكدحون من اجل هذه العائلة ومستقبل الابناء.المبادرات الجميلة يفترض أن تفتح لنا أبوابًا لا أن تصدر علينا أحكامًا. الرسالة الأوسع والأهم هنا: ابحث عن وقت تكون فيه حاضرًا فعلًا في حياة ابنك.إن استطعت أن يكون ذلك في الطريق إلى المدرسة، فلا تهدر هذه الدقائق. أغلق إشعارات الهاتف واترك الهاتف جانبًا لانه من أسباب دمار العائلة وإشغالها، واسمعه اكثر من ان تكلمه لأن أبناءنا، خصوصًا في سنوات النشأة، لا يحتاجون منا إلى عدد كبير من الساعات بقدر حاجتهم إلى لحظات يشعرون فيها أن آباءهم وأمهاتهم موجودون من أجلهم فعلًا. وقد تكون عشر دقائق في طريق المدرسة قصيرة جدًا في حساب الزمن، لكنها في ذاكرة ابنك، وفي علاقتك به، طريق طويل يستحق أن نسلكه.
32034
| 01 سبتمبر 2026
-أخطر دروس المأساة السودانية أن الدولة لا تحتمل جيشين -كانت بيني وبين البشير مساحة من الصراحة تجاوزت أحياناً حدود اللغة الدبلوماسية - قطر لها مع السودان قصة طويلة من العلاقات والعمل الإنساني والثقافي - السودان أكبر من محنته وأبقى من مليشيا وأغنى من أن تختصره حرب - مليشيا الدعم السريع وجدت خارج السودان من راهن عليها ومدّها بأسباب القوة - السودان جمع عناصر التاريخ والجغرافيا والثروة ولم يستطع تحويلها لاستقرار يليق به - بعض الأشقاء تقاطعت مصالحهم مع إسرائيل ووقفوا ضد مصالح أمتهم - أنظر بتفاؤل إلى مجلس التنسيق السعودي – السوداني وأراه خطوة تستحق الدعم للسودان في نفسي مكانة لا تصنعها السياسة وحدها، ولا تفسرها الجغرافيا، وإنما صنعتها علاقة طويلة بدأت منذ سنوات شبابي الأولى، وعززتها معرفة برجاله وثقافته، وزيارات متكررة إلى أرضه، حتى أصبح السودان بالنسبة إليّ أكثر من بلد عربي شقيق؛ أصبح جزءاً من ذاكرة شخصية ومهنية امتدت أكثر من نصف قرن. عندما تأسست وزارة الخارجية القطرية عام 1972، وأُلقي على عاتق شباب قطريين، كنت واحداً منهم، أن يحملوا مسؤولية تأسيس بعثات دولة حديثة العهد بالدبلوماسية، كان السودان حاضراً معنا منذ البدايات. فقد كان محجوب مكاوي، وكيل وزارة الخارجية السودانية السابق، أول خبير في وزارة خارجيتنا، وكان من الطبيعي أن يكون عدد من الخبراء الذين استعانت بهم سفاراتنا الناشئة من السودانيين. ثم عرفت السودان من زاوية أخرى وأنا سفير شاب في باريس، قليل الخبرة كثير الرغبة في التعلم. رشح لي صديقي سفير السودان في باريس بشير البكري الشاعر السوداني صلاح إبراهيم ليعمل معي. وكان نعم السند، وتعلمت منه الكثير. وهكذا دخل السودان تجربتي الدبلوماسية من باب الثقافة أيضاً، وهو باب لم يغلق بعد ذلك. ومن اللمسات السودانية التي لا تُنسى وجود الطيب صالح وفترته في الدوحة؛ فقد كان من أوائل من عملوا في مسيرة الإعلام والثقافة في بلدنا، وارتبط اسمه بتجربة مجلة «الدوحة» وبمرحلة مهمة من الحضور الثقافي السوداني في قطر. ونحن في قطر نعتز بأن بلادنا احتضنت رجالاً بمكانة الطيب صالح، ونقدر ما أسهموا به، مع غيرهم من الكفاءات العربية، في مسيرة نهضتها وبناء مؤسساتها. وزرت السودان مرات عدة عندما كنت وزيراً للثقافة، لكن بعض الزيارات لا تغادر الذاكرة. حضرت مرة مهرجاناً كبيراً لثقافات قبائل السودان، وهناك رأيت بعيني ما لا تستطيع الكتب أن تنقله: تنوعاً مذهلاً في العادات والتقاليد، واللغات واللهجات، والموسيقى والأزياء، وفي طرق التعبير عن الحياة والإنسان. وأدركت أن السودان يملك ثراءً ثقافياً هائلاً، وأن ما وقف بين هذا الثراء وبين المكانة العالمية التي يستحقها لم يكن نقصاً فيه، بل قسوة الظروف التي عاشها السودان. وفي مناسبة أخرى حضرت تكريماً للطيب صالح، وكانت فرصة للتعرف إلى عدد من أبرز مثقفي السودان. وعلى امتداد تلك السنوات نشأت لي صداقات مع شخصيات سودانية كثيرة، بعضها استمر حتى رحيل أصحابها، ومنهم الرئيس عبد الرحمن سوار الذهب، ذلك الرجل الذي بقي اسمه في الذاكرة العربية مثالاً نادراً لمن امتلك السلطة ثم تخلى عنها طواعية. كنا نتبادل الزيارات في بيوتنا في الدوحة والخرطوم. وكذلك كانت لي صلة قوية بالدكتور حسن الترابي، الذي طالما التقينا وتناقشنا اتفقنا واختلفنا ولكن بقي الود حتى توفاه الله. وعرفت الرئيس عمر البشير، وكانت بيننا مساحة من الصراحة تجاوزت أحياناً حدود اللغة الدبلوماسية، وكان يتقبلها مني. وعندما ترشحت لمنصب المدير العام لليونسكو، حرص على أن يكون السودان عضواً في المجلس التنفيذي ليساند ترشيحي، ووقف السودان معي وصوّت لي في الجولات الأربع التي تصدرتها على بقية المرشحين. ثم جاءت اللحظة التي لا أنساها، حين أبلغني السفير السوداني قبيل الجولة الأخيرة بتغير الموقف. كانت صدمة شخصية وسياسية، وانتهت المعركة بفارق صوت واحد. ومع ذلك لم تغير تلك اللحظة نظرتي إلى السودان ولا محبتي لشعبه؛ فالدول والشعوب أبقى من المواقف العابرة. ولعل هذه العلاقة الطويلة هي التي تجعلني اليوم أنظر بألم مضاعف إلى ما أصاب السودان. فهذا ليس بلداً فقيراً في التاريخ حتى يبحث لنفسه عن جذور. على أرضه قامت حضارات وممالك عريقة، من كوش ونبتة ومروي إلى الممالك النوبية، وتعاقبت عليه حضارات وأديان وثقافات صنعت واحداً من أغنى التكوينات الإنسانية في منطقتنا. وليس السودان هامشاً جغرافياً أيضاً. إنه ملتقى العالم العربي بأفريقيا، وامتداد لوادي النيل، وصاحب ساحل مهم على البحر الأحمر، وجار لدول تتصل مصالحها مباشرة بأمنه واستقراره. وهنا تكمن إحدى مفارقات السودان الكبرى: بلد جمع التاريخ والجغرافيا والثروة، ثم لم يستطع أن يحول هذه العناصر مجتمعة إلى استقرار يليق بها. فالسودان يملك مساحات زراعية هائلة، وموارد مائية، وثروة حيوانية، وتنوعاً مناخياً يسمح بإنتاج زراعي واسع. ولو اجتمع الاستقرار مع الإدارة والتقنية والاستثمار، لما كان الحديث عن السودان بوصفه إحدى سلال الغذاء للعالم العربي مبالغة، وإنما احتمالاً اقتصادياً حقيقياً. لكن الأرض الخصبة لا تحمي نفسها، والمياه لا تبني الدولة، والموقع الاستراتيجي قد يتحول من نعمة إلى عبء إذا ضعفت الدولة وتكاثرت الأطماع حولها. وهنا أصل إلى واحد من أخطر دروس المأساة السودانية: الدولة لا تحتمل جيشين. قد تنشئ السلطة في ظرف معين قوة مسلحة خارج المؤسسة العسكرية، وتظن أنها أداة تستعين بها على مشكلة عابرة، لكنها تزرع بذلك داخل جسد الدولة قوة لها قيادتها ومصالحها وسلاحها. وما يبدأ أداة في يد الدولة ينتهي قوة تنازع الدولة نفسها. وهذا ما يجعل تجربة الدعم السريع درساً يتجاوز السودان. فقد نشأت هذه القوة في ظل النظام، ثم تضخمت قدراتها ومصالحها حتى انتهت إلى مواجهة الجيش السوداني، وتحولت البلاد إلى ساحة حرب دفع الشعب السوداني ثمنها من دمه وأمنه ومستقبله. لكن اختزال ما يجري في السودان في صراع بين قوتين سودانيتين وحدهما لا يفسر المشهد كله. فحين تضعف الدولة لا تبقى أبوابها مفتوحة لأبنائها وحدهم؛ تدخل المصالح الإقليمية والدولية، ويصبح السلاح والمال والمقاتلون وشبكات الإمداد جزءاً من الحرب. ولم تكن المليشيا لتبلغ ما بلغته بقوتها الذاتية وحدها؛ فقد وجدت خارج السودان من راهن عليها، ومدّها بأسباب القوة، وربط مصالحه بما تسيطر عليه من موارد وثروات، وفي مقدمتها الذهب، حتى بدا أن بعض الأشقاء اختاروا المليشيا على الدولة، وتقاطعت مصالحهم ورهاناتهم مع إسرائيل، وتعاونوا معها ضمن حسابات أوسع في السودان والبحر الأحمر. وهكذا أصبح السوداني يدفع ثمن تحالف مصالح لا يقيم وزناً لوحدة بلاده ولا لثرواتها ولا لدم أبنائها. وإسرائيل لا تنظر إلى السودان أو القرن الأفريقي باعتبارهما ملفات منفصلة، وإنما تنظر إلى فضاء استراتيجي أوسع يمتد إلى البحر الأحمر وباب المندب وأمن الملاحة وموازين القوى في المنطقة. ولذلك فالسؤال الأهم ليس دائماً: مع من تقف إسرائيل؟ بل: أين تكمن مصلحتها؟ ومن وقف مع إسرائيل فقد وقف ضد مصالح أمته ولا يُعفى الحكم في السودان من اللوم؛ فقد فتح الباب للذئب واستدعاه إلى عرينه، ظناً منه أنه بذلك يتفادى شره أو يستعين به لتحقيق مصلحة عابرة. لكن من يستدعِ الذئب إلى حقله قد يستعين به على خصمه، لكنه لا يملك أن يضمن أين يقف الذئب، ولا أن يحدد له فريسته. ولذلك تتحمل السلطة مغازلة اسرائيل. والسودان، بحكم موقعه على البحر الأحمر، ليس بعيداً عن أمن العرب. فمن ضفته الأخرى تقع المملكة العربية السعودية، بثقلها العربي والإسلامي والاقتصادي والسياسي. ولذلك أنظر بتفاؤل إلى مجلس التنسيق السعودي–السوداني، وأرى أنه خطوة تستحق الإشادة والدعم، وأرجو أن يتطور إلى شراكة استراتيجية تسهم في استقرار السودان وإعماره واستثمار موارده؛ لأن استقرار السودان مصلحة سعودية كما هو مصلحة سودانية، وأمن ضفتي البحر الأحمر لا يمكن فصل بعضه عن بعض. وكذلك مصر. فالعلاقة بين مصر والسودان ليست علاقة جوار عادية؛ إنها علاقة نيل وتاريخ وأمن ومصير. وقد عرف البلدان في مراحل من تاريخهما الحديث ارتباطاً سياسياً وثيقاً، وحمل الملك فاروق في مرحلة من المراحل لقب «ملك مصر والسودان». ومهما اختلفت الظروف السياسية منذ ذلك الزمن، فإن الجغرافيا لم تتغير: أمن السودان من أمن مصر، واستقرار وادي النيل لا يمكن تجزئته. ومن هنا كنت أتمنى أن يكون الدور المصري في دعم الدولة السودانية وجيشها أكثر قوة بما يتناسب مع حجم المصالح المصرية المرتبطة باستقرار السودان. أما قطر، فلها مع السودان قصة طويلة من العلاقات والدعم والعمل الإنساني والثقافي. ومن المشاريع التي أعتز بها المشروع القطري–السوداني للآثار، وهو مشروع ارتبط بمبادرة صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، الذي عُرف بمحبة السودان والحرص على دعم شعبه. ولم يكن المشروع بعثة أثرية محدودة، بل عمل واسع لحماية ذاكرة السودان الحضارية. موّل أربعين بعثة أثرية، منها اثنتا عشرة بعثة سودانية وطنية، وامتدت أعماله نحو ثمانمائة كيلومتر بين الخرطوم والحدود المصرية، وشملت المسح والتنقيب والحماية والترميم والصيانة، وتأهيل المواقع وتدريب الكوادر وإشراك المجتمعات المحلية. وأسهمت أعمال المسح في اكتشاف آلاف المواقع الأثرية الجديدة، ووصل العمل إلى عدد من أهم مواقع أهرامات السودان. ثم جاءت الحرب. انهارت المؤسسات، وتعطلت الإدارة، وتوقف كثير من العمل الأثري، وتعرضت مواقع ومتاحف ومجموعات أثرية للنهب والتدمير والتدهور. وهكذا أصبح المشروع الذي جاء ليساعد السودان على إنقاذ ماضيه هو نفسه أحد ضحايا الحرب التي دمرت حاضره. وما أشد المفارقة: أن تمد يدك لإنقاذ ذاكرة بلد، ثم ترى الحرب تهدد الذاكرة واليد التي تحميها معاً. لكنني لا أريد أن أكتب عن السودان مرثية. فالسودان أكبر من محنته، وأبقى من مليشيا، وأغنى من أن تختصره حرب، وأعمق من أن تختزله سنوات الفوضى. إن ما يحتاجه السودان ليس اختراع مقومات جديدة للنهوض؛ فهي موجودة فيه منذ زمن. يحتاج أولاً إلى دولة: دولة تحتكر السلاح، وجيش وطني واحد، ومؤسسات تعلو على الأشخاص والقبائل والمليشيات، وقرار وطني لا يرتهن للخارج أياً كان. ويحتاج إلى أشقائه العرب، ولكن ليس إلى تدخل يزيد انقسامه، بل إلى احتضان يساعده على استعادة وحدته وسيادته. يحتاج إلى مصر التي يربطها به النيل والتاريخ، وإلى السعودية التي يجمعها به البحر الأحمر والمصير، وإلى قطر التي ربطتها به علاقات ومشاريع ومواقف، وإلى كل عربي يدرك أن السودان المستقر إضافة إلى الأمن العربي، وأن السودان المنهك فراغ تتسابق القوى الأخرى لملئه. لقد عرفت السودانيين عن قرب، وعرفت فيهم العلم والأدب والكرم والذكاء والاعتزاز بالنفس. ورأيت بعيني ثراء ثقافتهم وتنوع مجتمعهم. ولهذا يصعب عليّ أن أصدق أن ما نراه اليوم هو قدر السودان. ليس قدره أن يبقى ساحة حرب، ولا أن تتحول أرضه الخصبة إلى أرض نزوح، ولا أن يصبح البحر الذي كان يمكن أن يكون جسراً للتجارة والتعاون باباً تتسلل منه الأطماع، ولا أن تصبح حضارات عمرها آلاف السنين رهينة بندقية لا تعرف قيمة حجر أثري ولا مخطوطة ولا متحف. السودان يستطيع أن يعود، لكن عودته تبدأ حين يستعيد السودانيون السودان نفسه: دولةً فوق المليشيا، ووطنًا فوق القبيلة، ومصلحةً وطنية فوق مصالح الخارج. وعندها فقط يمكن للأرض أن تعطي خيرها، وللنيل أن يمنح الحياة لا النزاع، وللبحر الأحمر أن يصبح جسراً لا ساحة تنافس، ولثقافة السودان أن تخرج إلى العالم كما تستحق. لقد عرفت السودان قبل هذه المحنة، ولذلك أعرف أن السودان الذي نراه اليوم ليس كل السودان. وتلك ربما هي الحقيقة التي ينبغي ألا ننساها ونحن نشاهد هذه المأساة: السودان لم يفقد أسباب النهوض؛ لقد فقد، لبعض الوقت، القدرة على جمعها في دولة. وحين تعود الدولة، سيكتشف العالم أن بلداً ظنه البعض ضحية دائمة كان يملك طوال الوقت أسباب عودته.
4350
| 30 أغسطس 2026
قد تضم المؤسسة مديرين أكفاء، وتملك خططًا جيدة وموارد كافية، ثم تتعثر رغم ذلك. وفي مثل هذه الحالات، يتجه اللوم عادةً إلى الإدارة التنفيذية، مع أن الخلل قد لا يكون في كفاءتها، بل في بيئة لا تتيح لها أن تدير فعليًا. يبدأ الأمر بموقف يبدو عابرًا: يتلقى الموظف تعليمات من مديره المباشر، ثم يأتيه توجيه مختلف من عضو في مجلس الإدارة. يعرف الموظف أن مديره يملك الصفة الرسمية، لكن عضو المجلس يملك النفوذ الأعلى، فينفذ التوجيه الأقوى. ومع تكرار ذلك، يتشكل داخل المؤسسة هيكلان: هيكل معلن تحدده اللوائح، وآخر خفي تُتخذ عبره القرارات الحقيقية. وهنا تنشأ «الإدارة الموازية». الأصل أن يحدد مجلس الإدارة وجهة المؤسسة، ويعتمد إستراتيجيتها وميزانيتها، ويراقب المخاطر، ويختار الرئيس التنفيذي ويقيّم أداءه. أما الإدارة التنفيذية، فتتولى إدارة العمل اليومي وتحويل الإستراتيجية إلى نتائج. المجلس يحدد الوجهة ويراقب المسار، والإدارة تقود الرحلة. ومن الضروري التمييز بين الإشراف والإدارة؛ فمجلس الإدارة لا يمثل مستوى تنفيذيًا أعلى من الرئيس التنفيذي، وإنما يؤدي دورًا مختلفًا يقوم على التوجيه والرقابة والمساءلة. كما يقدم المجلس للإدارة الرأي والمشورة، لكن هذا الدور يختل عندما تتحول المشورة إلى تعليمات تنفيذية يصدرها أعضاؤه مباشرة إلى المديرين والموظفين، متجاوزين الرئيس التنفيذي والتسلسل الإداري. ويظهر التداخل بوضوح عندما ينشغل بعض أعضاء المجلس بالتوظيف والمشتريات واختيار الموردين ونقل الموظفين، وهي قرارات تقع في الأصل ضمن مسؤوليات الإدارة التنفيذية. وقد يبدأ ذلك بحسن نية، لتسريع قرار أو معالجة مشكلة، وربما يحقق نتيجة سريعة تعزز الاعتقاد بأنه كان ضروريًا. إلا أن ما يبدو نجاحًا في موقف منفرد قد يكون بداية خلل مؤسسي. فكل قرار يتجاوز القنوات الرسمية يرسل رسالة إلى الموظفين بأن النظام قابل للتعطيل، وأن القرب من صاحب النفوذ قد يكون أكثر فائدة من الالتزام بالتسلسل الإداري. وعندها يصبح بناء العلاقات أهم من جودة الأداء، ويتردد المديرون في اتخاذ قرارات قد يعدلها المجلس أو يلغيها لاحقًا. وقد يقبل بعض الرؤساء التنفيذيين هذا التداخل خوفًا على مناصبهم أو تجنبًا للصدام مع أعضاء المجلس. فيتحملون المسؤولية علنًا، بينما يتنازلون عن صلاحياتهم ضمنيًا. وبذلك يستمر الخلل؛ لأن جميع الأطراف تتكيف معه بدلًا من مواجهته. وهنا تظهر «فجوة المسؤولية»: المسؤول الرسمي لا يملك القرار كاملًا، وصاحب القرار الفعلي لا يظهر عند المحاسبة. فإذا تراجعت النتائج، يُسأل الرئيس التنفيذي عن قرارات ربما عُدلت أو عُطلت أو اتُّخذت نيابة عنه. لا يمكن مطالبة إدارة بتحقيق أهداف محددة، ثم سحب أدوات القرار من يدها. فالمساءلة من دون صلاحية ظلم إداري، والصلاحية من دون مساءلة نفوذ غير منضبط. وكلما اتسعت المسافة بين من يصنع القرار ومن يتحمل نتيجته، أصبحت الأخطاء أكثر تكرارًا والمحاسبة أقل عدالة. ولا يعني استقلال الإدارة منحها حرية بلا حدود. فمن حق المجلس أن يناقش ويعترض ويطلب المعلومات، وأن يحاسب الرئيس التنفيذي أو يستبدله عند الإخفاق. لكنه يفعل ذلك بصفته مجلسًا، ومن خلال قنوات مؤسسية، لا عبر تعليمات فردية إلى الموظفين. فالفرق كبير بين مجلس يراقب الإدارة، ومجلس يتحول إلى إدارة أخرى. ويبدأ الإصلاح بتحديد القرارات المحجوزة للمجلس، وتلك المفوضة إلى الإدارة التنفيذية، ومنع أعضاء المجلس من إصدار أوامر مباشرة إلى الموظفين. غير أن اللوائح وحدها لا تكفي؛ فالفصل الحقيقي يتطلب التزام أعضاء المجلس بحدود دورهم، وتمسك الرئيس التنفيذي بالصلاحيات والمسؤوليات المرتبطة بمنصبه. إن بعض المؤسسات لا تفشل بسبب نقص الكفاءات، بل لأنها تستدعي الكفاءة ثم تمنعها من ممارسة دورها. فحين يتحول المجلس من الرقابة إلى الإدارة، يضعف المدير؛ وحين يضعف المدير، تضيع المسؤولية. والمجلس الأقوى ليس الأكثر تدخلًا، بل الأقدر على بناء إدارة تعمل بكفاءة وتُحاسب بعدالة.
3426
| 29 أغسطس 2026