رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
دعوات السفور وخلع الحجاب التي انطلقت هذه الأيام في مصر من كتاب ليبراليين ومن أناس عاديين عبر مداخلات على برامج التوك شو أو على صفحات الجرائد بلغت حد الهوس والسعار بدعوة البعض من هذه الأصوات إلى مليونية في ميدان التحرير للتظاهر ضد الحجاب ومن هذه الدعوات دعوة الصحافي شريف الشوباشي النساء في مصر إلى مظاهرة في التحرير لخلع الحجاب إذ قال عبر صفحته على «فيسبوك» ـ أن الجماعات الإسلامية وفي مقدمتها الإخوان المسلمون هي التي تقف وراء الدعوة لارتداء الحجاب، سعيا لتكوين دولة الخلافة، مؤكداً أن المظاهرة التي يدعو إليها هي استلهام لما قامت به هدى شعراوي عام 1923 حينما خلعت الحجاب كبداية لتكوين الهوية الحقيقية للمواطن المصري، ونسي هذا الكاتب أن دعوة ارتداء الحجاب هي دعوة رب العالمين وليست دعوة جماعة الإخوان أوغيرهم وأنها باتت معلومة من الدين بالضرورة .وأنهم بتجريدهم المرأة من حجابها وبدعوتهم لسفورها وتبرجها يجردونها من كونها إنسانة إلى كونها مجرد أنثى . الشوباشي ليس الصوت الأخير المنادي بهذا الخلع فقد كتب أحمد عبدالمعطي حجازي في جريدة الأهرام يقول " إنه لا يرى بأسا في أن نختلف حول الحجاب، فمن شاء أن يتّبع المدافعين عن الحجاب وفي مقدمتهم عدد من رجال الأزهر، ومن شاء أن يتّبع قاسم أمين وأحمد لطفي السيد وهدى شعراوي وسيزا نبراوي ودرية شفيق وغيرهم وغيرهنّ ممن دعوا للسفور، وجعلوه تعبيرا عن تحرر المرأة.
وأضاف حجازي في مقالته (الحجاب.. المعلوم والمجهول) أنه إذا كان د. سيد طنطاوي شيخ الأزهر السابق قد دافع عن الحجاب، واعتبره فريضة دينية ، فقد رأينا شيخا آخر للأزهر سبق طنطاوي وهو الشيخ عبد الرحمن تاج يقف ومعه زوجته وابنته دون حجاب في صورتين التقطتا لهم وإلى جانبهم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. وأضاف حجازي أن الحجاب لم يعد يؤدي الدور الذي كان يؤديه في العصور الماضية، مشيرا إلى أن الحجاب ربما يؤدي دورا معاكسا الآن، لأنه يذكّر المرأة بما كانت عليه جدتها فتتقمص شخصيتها، وتسلك سلوكها ، ويذكّر الرجل بما كان عليه جده، فيتعامل مع المرأة، وكأنها محض جسد مثير لا يحول بينه وبينه إلا هذا الحجاب الشفاف الذي يضاعف الإثارة ولا يمنعها." والطامة الكبرى أن حجازي أخذ ببعض الكتاب وترك بعضه الآخر على طريقة لا تقربوا الصلاة فقال الحجاب المذكور في قوله تعالى ” وإذا سألتموهنّ متاعا فاسألوهنّ من وراء حجاب” هو هنا ما يكون من جدار أو ستار يحجب نساء صاحب البيت عن ضيوفه الأغراب" واستطرد فقال " والآية تتعلق بنساء النبي صلى الله عليه وسلم بالذات ” وتناسى الآيات الأخرى .واختتم مقاله باختزال أهداف ثورتي 25 ينايرو (30 يونيو) بالقول " إلى أنه كما أيقظت ثورة 1919 المرأة المصرية، وحررتها من الحجاب، فإن ثورتي يناير ويونيو أيقظتا المرأة المصرية، وطرحتا علينا مسألة الحجاب لنناقشها من جديد .
وقد سبق فاروق حسني وزير الثقافة المصري الأسبق وبعض الفنانين هذه الأصوات واعتبروا الحجاب تخلفا بل قال فنان مشهور إن المرأة التي تلبس الحجاب امرأة معاقة ذهنيا أما فاروق حسني فقال في عام 2006 أن "المرأة المحجبة متخلفة" و"أن النساء بشعرهن الجميل كالورود لا يجب تغطيتها وحجبها عن الناس" و"أن وزارة الثقافة ومن يمثلها لابد أن تكون حائط الصد الرئيسي أمام هذه الأفكار بهدف الدعوة للانفتاح والعمل المحترم", وقال كذلك في تصريح لإحدى الصحف " إن الحجاب يعوق المصريات من قيادة السيارات ومن ركوب الأتوبيس وأن والدته دخلت الجامعة بلا حجاب!!
هذا السعار الليبرالي والديماغوجي لم يبدأ اليوم إذن فقد جاء نتيجة لتراكمات طويلة لثقافة التعري التي تحيط بنا من جميع الجهات, قنوات تعرض أفلاما تسلع المرأة ولوحات فنية ,وتماثيل عارية ,وعروض ومسلسلات في التلفزيون, والإنترنيت ومجلات تتصدرها صدور عارية ورؤوس عارية , وجرائد تتسابق في نزع كل صور الحشمة والحياء عن المرأة ومسابقات جمال باتت تقليدا مستنسخا من الغير في بلادنا العربية ونصوص أيروتيكية جنسية ساهمت وزارة الثقافة المصرية بنشرها على نفقة الشعب المصري نفسه مثل كتاب "وليمة لأعشاب البحر"، التي نشرت في عهد فاروق حسني عام 2000م وفي عام 2003 تمت طباعة كتب مسيئة للإسلام حيث قامت وزارة الثقافة بطباعة كتاب "الوصايا العشر في عشق النساء" على نفقة الدولة, حيث يحتوي الكتاب على مجموعة من الجمل والعبارات التي تمس الدين وتدمر الأخلاق وتخاطب غرائز المراهقين، إضافةً لادعاء الكتاب أحاديث جنسية مسيئة ينسبها للنبي صلى الله عليه وسلم وعلى الرغم من وقف النشر والطبع إلا أن آثار هذه الكتب وغيرها مما يروج له من وسائل ومطبوعات ظلت تعمل فهذه جميعا رسائل صامتة إلى القاريء والمشاهد تعمل بدأب لتغيير السلوك وتكوين قناعات مغايرة . إن ازدواجية المعايير باتت قاعدة عامة عند الليبراليين العرب فبينما يتشدقون بالحرية والديمقراطية نراهم في الواقع ممارسون للقمع ومصادرة الحريات وبينما قال زعيمهم فولتير " قد أخالفك الرأي ولكني على استعداد لأن أموت من أجل أن تقول رأيك " نراهم يموتون من أجل أن يكمموا الأفواه وينصروا الظالم على المظلوم والفاشية على الديمقراطية والذي يملك على الذي لايملك والسجان على السجين والغني المترف على الفقير المعدم والمرأة المتبرجة المسلعة على المرأة الشريفة المحتشمة . إن خلع المرأة لحجابها ليس له إلا معنى واحد وهو تحويلها إلى فضاء جسد لأنثى تباع وتشترى ونزع لإنسانيتها التي كفلها لها رب العباد من فوق سبع سماوات فقد أثبت العلم أن تعري المرأة ليس له أي علاقة بالحرية وأن الحرية لا تكتسب إلا بالمعرفة الحقة ومن لا يعرف الله تعالى لا يعرف الحقيقة ولا يعرف شيئا وأن دعوات خلع الحجاب ليست إلا دعوات مشبوهة الغرض منها النيل من الدين والترويج لها من قبل إعلام مسعور وإعلاميين مردوا على الكذب والنفاق مقدمة لأتاتوركية جديدة في وطننا العربي تسلخنا عن جذورنا وتلقينا في صحارى التيه لنعاني من عقدة اضطراب الديمومة فلا نعرف ماضينا ولا نستوعب حاضرنا . وواجبنا أن نتصدى لمثل هذه الأصوات بالحجة والإقناع وبتحصين نسائنا وبناتنا بالمعرفة الحقة فوقوف ابنة وزوجة شيخ الأزهر السبق عاريتي الرأس مع جمال عبدالناصر أو رأي فلان أو علان ليس حجة على الدين ، والمعرفة لا تؤخذ في هذا الأمر إلا من الكتاب والسنة لا من غيرهما . وعلى دعاة الليبرالية ترك الحرية للفتاة المسلمة لإظهار تعاليم دينها واحترام اختيارها كما تترك غيرها مع الفارق الكبير بين من يلتزم بدعوة الله تعالى وبين من يلتزم بدعوة العبيد .
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2232
| 09 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1110
| 11 أكتوبر 2026
أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين أننا أضعنا وقتا طويلا في طرق أبواب لا تعرفنا، بينما كان هناك باب واحد يستحق أن نقف أمامه طويلا، وصاحب ينتظر منا التفاتة صغيرة، أو سؤالا عابرا، أو زيارة تؤكد له أنه ما زال حاضرا في قلوبنا. ثم تمضي الأيام، ويغيب صاحب الباب، ونكتشف أن الطريق إليه صار أبعد من قدرتنا، وأن بعض المواعيد التي أجلناها بحجة الانشغال قد لا تمنحنا الحياة فرصة أخرى للوفاء بها. الأسى الحقيقي أن تطرق في الدنيا بابا، فيما قد يكون صاحب القلب الذي أهملته قد سبقك إلى غياب لا تعرف متى تلتقيه بعده، ولا كيف يمكن أن تصله رسائلك المؤجلة. أن تنشغل بمن لا يراك، وتستنزف مشاعرك في استرضاء من لا يعنيه حضورك، وتبذل من وقتك وكرامتك ما يكفي لشراء لحظة رضا عابرة، فيما هناك قلب يحبك بصدق، ويكتفي منك بما تستطيع من محبة واهتمام. قد يكون ذلك القلب أما أو أبا أو أو أخا صديقا قديما، أو شخصا منحك من عمره ما لم تنتبه يوما إلى قيمته، لأنه كان قريبا بما يكفي لتطمئن إلى بقائه. نؤجل الزيارات أحيانا لأن الغد يبدو مضمونا، ونختصر المكالمات لأن لدينا ما هو أهم، ونعد أنفسنا بأننا سنعوض من نحب حين تنتهي مشاغلنا. غير أن المشاغل تعرف كيف تتكاثر، والأيام تمضي من غير أن تستأذننا، حتى يأتي خبر صغير يغيّر ترتيب الأشياء في أعيننا إلى الأبد. عندها نستعيد وجوها لم نمنحها حقها من التأمل، وأصواتا كنا نستعجل انتهاء أحاديثها، وعتبا بسيطا تمنينا لو سمعناه مرة أخرى. ما أغرب قدرتنا على منح الغرباء من وقتنا أكثر مما نمنح أهلنا، وعلى الوقوف طويلا أمام أبواب مغلقة نرجو منها قبولا أو اعترافا، فيما نمر سريعا على الأبواب التي تفتح لنا بمحبة. نركض وراء مكانة قد لا تضيف إلى أرواحنا شيئا، ونحزن لأن شخصا لم يلتفت إلينا، وننسى من كان يفرح لمجرد سماع أصواتنا. وحين نراجع حساباتنا بعد الفقد، ندرك أن بعض ما أرهقنا كان يستحق التجاهل، وأن بعض من أهملناهم كانوا يستحقون أعمارا إضافية من قربنا. ولعل أقسى ما في الرحيل أنه يكشف لنا حقيقة علاقاتنا بأنفسنا أيضا. كم مرة خذلنا مشاعرنا الصادقة كي نرضي آخرين، وكم مرة اعتذرنا عن زيارة حبيب بحجة التعب، ثم احتملنا مشقة الطريق إلى شخص لا يبادلنا الود. كم مرة عرفنا أن أحدهم يحتاج إلينا، وقلنا إن الوقت لم يحن بعد، حتى صار الوقت كله ملكا للندم. لا أظن أن أحدا يستطيع استعادة الماضي، أو إصلاح ما انكسر في لحظة غياب، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نوزع محبتنا بعدالة أكبر، وأن نعيد النظر في أولوياتنا قبل أن يفرضها علينا الفقد. فالعلاقات الحقيقية تحتاج إلى رعاية يومية، وإلى حضور يشعر به الآخر، وإلى كلمات تقال في وقتها، واعتذارات لا تتأخر حتى تفقد معناها. وقد تكون زيارة قصيرة أثمن من هدية باهظة، ومكالمة صادقة أعمق أثرا من وعود طويلة نرددها كلما ضاق بنا تأنيب الضمير. أما الذين رحلوا، فلهم في القلب مكان لا تبلغه الأقدام، وتبقى ذكراهم امتحانا لمحبتنا ووفائنا. نرجو أن تصلهم دعواتنا، ونحفظ ما أحبوه، ونصل من كانوا يحبونهم، ونجعل من غيابهم سببا لمزيد من الرحمة في حياتنا. وربما كان أجمل الوفاء لهم أن ننتبه إلى الأحياء الذين ما زالوا ينتظرون منا التفاتة، قبل أن تتحول أسماؤهم إلى ذكريات نستدعيها كلما أوجعنا الحنين. فلنخفف من طرق الأبواب التي تستنزف أرواحنا، ولنلتفت إلى الذين يفتحون لنا قلوبهم بمحبة. فما أقسى أن نقضي أعمارنا في انتظار من لا يأتي، ثم نكتشف أن الذين كانوا يستحقون انتظارنا قد رحلوا إلى حيث لا نعرف من أمر اللقاء إلا ما نرجوه ونؤمن بإمكانه. عندها لن يعيد الاعتذار المتأخر صوتا غاب، ولن تعود يد امتدت إلينا ذات يوم لتمنحنا الأمان. وربما كان علينا أن نفهم باكرا أن بعض الأبواب ينبغي أن نغادرها، وأن بعض الأبواب تستحق أن نبقى عندها أكثر، لأن أصحابها كانوا يمنحوننا الحب الذي بحثنا عنه طويلا في الأماكن الخطأ.
579
| 12 أكتوبر 2026