رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عندما تولى الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة منصبه عام 1999 طالب "بالعوربة" بديلا عن "العولمة"، وكان الرئيس العراقي صدام حسين عندما انتهت حرب العراق وإيران، قد طالب بمحاولة التأثير على النظام العالمي الجديد الذي يتشكل، واستبدل التأثير على النظام العالمي الجديد بغزو الكويت الذي بدأ به عصر التفتيت العربي، وكان العراق ضحيته الأولى.
انتهت الأمور بالواقع العربي إلى استبدال نداء القومية العربية إلى التعايش على تخوم نظام عالمي أحادي القطبية، واستبدل العرب أهداف الاستقلال والوحدة، بخصومات بينية بين الأقطار العربية، واستبدلوا قضية فلسطين كمحور للتحرر العربي بتحويلها ساحة صراع ونفوذ عربي - عربي، واستبدلوا دعم حق شعب أخرج من أرضه، إلى صراع حول السلطة في أرض محتلة.
نسي العرب التاريخ، وصاروا على أبواب الخروج منه، ونسي العرب أن الواقع فوق أرض فلسطين لم يعد ناتج النكبة الأولى والتقسيم وقيام دولة إسرائيل، بل تجاوزها إلى نتائج هزيمة 1967 واحتلال ما تبقى من فلسطين والجولان وسيناء، وعندما خرجت مصر من الصراع مكتفية بسيناء مجردة من السيادة المصرية، استبدلت هدف إزالة آثار العدوان بمقولة إن 99% من أوراق اللعبة بيد أمريكا، استبدل العرب إرادتهم، بالهرولة إلى الإدارة الأمريكية غير عابئين بمصالحها وتناقضها مع مصالحهم.
الاستبدال...ى المستوى القومي العربي، كان مؤشرا إلى دخول زمن التردي.
ولم تكن وقائع الثورات الشعبية في المنطقة العربية تجري خارج زمن التردي العربي، هي محاولات شعبية للخروج من تلك الحالة، ولكن المواجهات معها كانت أعمق في الزمن والتخطيط وتنوع الإمكانات، من قدرة الشعوب على استكمال مسار الثورة.
السودان واليمن وليبيا وسوريا، جميعها دلالات على اختلال التوازن بين حركة الشعوب في سعيها إلى الخروج من زمن الاستبداد من السلطات الحاكمة، أملا في تحقيق مصالحها المباشرة والتي يمكنها أن تكون قاعدة صلبة للمصالح الوطنية والقومية، وبين المواجهات الخارجية والأهداف الأجنبية التي لا تتورع عن القتل والعدوان وتشكيل المحاور، وجل الهدف يتجاوز مجرد أمن إسرائيل والثروات العربية إلى غاية التفكيك وتفتيت الأوطان العربية، وهدم الدولة.
ووقائع ما يجري فوق أرض مصر، لا يبعد كثيرا عن هجمات الناتو على ليبيا، أو الدم المسفوك على تراب سوريا، أو ضياع جنوب السودان، أو الاقتتال في اليمن، النتيجة واحدة وتؤكد أن الهدف هو تفتيت الواقع العربي وبكل الأدوات والأساليب.
البداية كانت حصار العقل في مصر بمقولة "سرعة تسليم السلطة لحكومة مدنية" دون أن تملك مصر دستور الثورة، والنهاية مطلب صندوق النقد الدولي بوجود مراقب مالي له بالبنك المركزي، أي العودة إلى الإشراف الأجنبي المباشر على الاقتصاد المصري حتى يمنح مصر القرض الذي تحاول السلطة أن تجعل منه مدخل الوجود وحل المشاكل الاقتصادية لمصر.
بين البداية واللحظة الراهنة والتي ليست بالنهاية، كان واضحا أن هناك من يعلم ماذا يريد ولديه أدواته الداخلية والتي تمثلت في جماعة الإخوان، فقد تواصل معها عبر ستة أعوام فيما هو منظور من أخبار ومعلومات متداولة، وسبر أغوارها، وحدد معها مطالبه وقبلت بها.
الأهداف الأمريكية كانت واضحة على النحو التالي:
1. حصار عائد ثورة الشعب، وتفتيت حالة الاحتشاد.
2. الحيلولة دون حدوث المفاجأة الشعبية ثانية.
3. دخول مصر في لعبة الاستقرار الأمريكي بالمنطقة.
4. الحفاظ على أمن إسرائيل.
والملاحظ المباشر دون تعمق لما يجري على أرض مصر، يجد هذه الأهداف محل تحقيق، ولن نعدد مظاهر ذلك ولكننا نرصد ما يلي:
1. استبدال شعار الثورة "عيش حرية عدالة اجتماعية"، بالصراع على أسلمة الدولة، والفرز على أساس ديني والدخول إلى صراع مذهبي بين إسلام الإخوان وما عداه من إسلام.
2. استبدال الصراع المصري الإسرائيلي حول سيناء بصراع مع جماعات الإرهاب الديني التي تحاول إعلانها إمارة إسلامية، وإلى صراع مصري حمساوي إذا جاز التعبير.
3. استبدال دولة الثورة التي هي الدولة المصرية دون جماعات الفساد، بدولة الجماعة، واستبدلت أهداف المرحلة الانتقالية في غاياتها من أجل بناء نظام جديد يتطلع إليه الشعب، بأهداف الاستحواذ والسيطرة الإخوانية.
4. استبدال الهوية المصرية بعمقها الحضاري وثقافتها الإسلامية الصحيحة، إلى هوية تقوم على الديماجوجية الدينية، بل بلغ بأحدهم قوله "اللهم أمتني على الإخوان!" مستبدلا كلمة الإسلام بلفظ الإخوان.
5. استبدال هيكلة وزارة الداخلية للعودة بأدائها إلى شعار "الشرطة في خدمة الشعب"، إلى إعادة تكليفها بالقمع ومواجهة الحركة الشعبية بالشارع المصري، مما أعاد ظاهرة زوار الفجر والاعتقالات والتعذيب تجاه كل النشطاء من عناصر الثورة.
6. المحاولات المستميتة لتفكيك الدولة، واستبدال هدف بناء جيش وطني قوي بالهجوم المباشر عليه من عناصر الجماعة، ومحاولات هدم القضاء وإدخال عناصر الإخوان إلى سلك القضاء، ومحاولات هدم المحكمة الدستورية، والهجوم المتوالي على الأزهر بهدف السيطرة، واتخاذ موقف بالعدوان المادي على الكاتدرائية المرقصية والمقر البابوي، وتأجيج الفتنة الطائفية.
7. الهجوم المتوالي على جهاز المخابرات العامة المصرية.
هذا كله أمر يراه الجميع، ويرصده، وأخطر ما يمكن عرضه هو العلاقات العربية العربية، فاستبدال وحدة الهدف العربي والمصير العربي والمسؤولية المصرية تجاه ذلك واسترداد دور مصر القومي، استبدال ذلك كله بأن العرب مصدر مالي لمواجهة الأزمة الاقتصادية المصرية، أحال علاقة مصر بالعرب إلى حالة أقل ما توصف به، إنها حالة من الانتهازية، وليست حالة من الانتماء الواحد والمصالح الواحدة.
استبدلوا الدور القومي المصري إلى حالة من الاستجداء حتى باتت مصر ومواقفها وسياسيات الجماعة عامل انقسام عربي ــ عربي. وإذا جرى تاريخ بداية مرحلة التقسيم العربي بدخول صدام حسين إلى الكويت، فسيجري تاريخ مرحلة التفتيت العربي بوصول الإخوان إلى السلطة في مصر.
واستبدلوا الوطنية والقومية بوهم أممية الخلافة، ففقدوا الوجود وطنيا وقوميا، وفقدوا مبرر التكامل القومي، والفارق جوهري بين التكامل القومي العربي، وبين سياسة التسول بتوافقات الحد الأدنى.
إن ظاهرة الاستبدال وصلت إلى صناعة النخبة الجديدة، والأحزاب الكرتونية من جديد. لقد نجحت الهجمة المضادة للثورة بكل روافدها وما امتلكت مفاتيحه، من إجراء الاستبدال في مضمون وشكل واهتمام عناصر شاركت في الثورة، فأحالتهم إلى ذات الصورة من النخبة المتسولة لدور ومنصب وموقف التي ورثناها من نظام ما قبل الثورة، ونجحت الهجمات المضادة للثورة إلى تخليق أحزاب كرتونية جديدة، تلوك الكلمات والشعارات دون مضمونها، فصار الاتهام للثورة بأنها لم تأت بجديد ولكنها أعادت تجميل نظام مبارك القديم بذات مضمونه مع استبدال للأوجه.
واستبدلوا مفهوم العدالة الاجتماعية، بالتربص بحاجات المواطنين، وصار وحش الغلاء قرينا لأي حديث عن التنمية، وفقد مفهوم التنمية المستقلة معناه باستبدال مهام البناء والإنتاج بوصاية صندوق النقد الدولي على الاقتصاد.
في كتاب "جواسيس جدعون" ـ التاريخ السري للموساد، لجوردون توماس وهو واحد من كتب تثمين قيمة الموساد، نقل عن وليام كيسي مدير المخابرات المركزية الأمريكية في مارس 1986 قوله "تبتكر الأمة مجتمع الاستخبارات الذي تحتاجه، وتعتمد أمريكا على المعرفة التقنية لأننا مهتمون بالاكتشافات وليس بالحكم السري، ويعمل الإسرائيليون بشكل مختلف، والدافع لأعمال الموساد، على وجه الخصوص، هو بقاء الدولة على قيد الحياة".
ولو راجعنا مقولة رئيس المخابرات الحربية الإسرائيلية الجنرال عاموس يادلين في أكتوبر 2010 "إن مصر هي الملعب الأكبر لنشاطات جهاز المخابرات الحربية الإسرائيلي، لقد أحدثنا الاختراقات السياسية والأمنية والاقتصادية والعسكرية في أكثر من موقع، ونجحنا في تصعيد التوتر والاحتقان الطائفي والاجتماعي، لتوليد بيئة متصارعة متوترة دائماً، ومنقسمة إلى أكثر من شطر في سبيل تعميق حالة الاهتراء داخل البنية والمجتمع والدولة المصرية، لكي يعجز أي نظام يأتي بعد حسني مبارك في معالجة الانقسام والتخلف والوهن المتفشي في مصر".
منتصف هذا الشهر خرج تصريح نقلا عن رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي، بنى جنتس: إن العلاقات الأمنية الإسرائيلية مع مصر في ظل النظام الحاكم الجديد تحسنت بشكل كبير أكثر مما كانت عليه خلال الفترة الانتقالية، وأن هناك تطورا في التعاون الأمني مع القاهرة منذ عملية عمود السحاب، مضيفاً:"نتائج هذا التعاون الأمني أدهشني وفاجأني".
إن هذه المقولات الثلاث، وربطها بالتصريحات التي نقلها رئيس حزب الوسط المصري عن مرسي، بأن المخابرات المصرية كونت تنظيما من البلطجية لاستخدامه، هي ما يستدعي أن نستبدل نحن السؤال عمن كان يعنيهم عاموس أدلين، خاصة لتطابق ما يحدث مع ما قاله، وعن أسباب اندهاش رئيس الأركان الإسرائيلي الحالي، وعن مفهوم الأمن القومي لدى السلطة في مصر خاصة وإن كان التعريف الأولي له هو ما قاله كيسي عن الموساد " بقاء الدولة على قيد الحياة"، فهل استبدلت السلطة المصرية مفهوم الأمن القومية إلى "تفكيك الدولة ونفيها من قيد الحياة".
ظاهرة الاستبدال العربية والمصرية تكشف أن العرب في حاجة إلى مراجعة التحديات التي تواجه وجودهم، وأخطرها تحدي الهوية واستيعاب التاريخ ووحدة المصير أيا ما كانت أوهام الاستبدال الجارية في العقل العربي وتتجسد دما في واقعه.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
14388
| 03 نوفمبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3894
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3159
| 30 أكتوبر 2026