رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عندما تولى الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة منصبه عام 1999 طالب "بالعوربة" بديلا عن "العولمة"، وكان الرئيس العراقي صدام حسين عندما انتهت حرب العراق وإيران، قد طالب بمحاولة التأثير على النظام العالمي الجديد الذي يتشكل، واستبدل التأثير على النظام العالمي الجديد بغزو الكويت الذي بدأ به عصر التفتيت العربي، وكان العراق ضحيته الأولى.
انتهت الأمور بالواقع العربي إلى استبدال نداء القومية العربية إلى التعايش على تخوم نظام عالمي أحادي القطبية، واستبدل العرب أهداف الاستقلال والوحدة، بخصومات بينية بين الأقطار العربية، واستبدلوا قضية فلسطين كمحور للتحرر العربي بتحويلها ساحة صراع ونفوذ عربي - عربي، واستبدلوا دعم حق شعب أخرج من أرضه، إلى صراع حول السلطة في أرض محتلة.
نسي العرب التاريخ، وصاروا على أبواب الخروج منه، ونسي العرب أن الواقع فوق أرض فلسطين لم يعد ناتج النكبة الأولى والتقسيم وقيام دولة إسرائيل، بل تجاوزها إلى نتائج هزيمة 1967 واحتلال ما تبقى من فلسطين والجولان وسيناء، وعندما خرجت مصر من الصراع مكتفية بسيناء مجردة من السيادة المصرية، استبدلت هدف إزالة آثار العدوان بمقولة إن 99% من أوراق اللعبة بيد أمريكا، استبدل العرب إرادتهم، بالهرولة إلى الإدارة الأمريكية غير عابئين بمصالحها وتناقضها مع مصالحهم.
الاستبدال...ى المستوى القومي العربي، كان مؤشرا إلى دخول زمن التردي.
ولم تكن وقائع الثورات الشعبية في المنطقة العربية تجري خارج زمن التردي العربي، هي محاولات شعبية للخروج من تلك الحالة، ولكن المواجهات معها كانت أعمق في الزمن والتخطيط وتنوع الإمكانات، من قدرة الشعوب على استكمال مسار الثورة.
السودان واليمن وليبيا وسوريا، جميعها دلالات على اختلال التوازن بين حركة الشعوب في سعيها إلى الخروج من زمن الاستبداد من السلطات الحاكمة، أملا في تحقيق مصالحها المباشرة والتي يمكنها أن تكون قاعدة صلبة للمصالح الوطنية والقومية، وبين المواجهات الخارجية والأهداف الأجنبية التي لا تتورع عن القتل والعدوان وتشكيل المحاور، وجل الهدف يتجاوز مجرد أمن إسرائيل والثروات العربية إلى غاية التفكيك وتفتيت الأوطان العربية، وهدم الدولة.
ووقائع ما يجري فوق أرض مصر، لا يبعد كثيرا عن هجمات الناتو على ليبيا، أو الدم المسفوك على تراب سوريا، أو ضياع جنوب السودان، أو الاقتتال في اليمن، النتيجة واحدة وتؤكد أن الهدف هو تفتيت الواقع العربي وبكل الأدوات والأساليب.
البداية كانت حصار العقل في مصر بمقولة "سرعة تسليم السلطة لحكومة مدنية" دون أن تملك مصر دستور الثورة، والنهاية مطلب صندوق النقد الدولي بوجود مراقب مالي له بالبنك المركزي، أي العودة إلى الإشراف الأجنبي المباشر على الاقتصاد المصري حتى يمنح مصر القرض الذي تحاول السلطة أن تجعل منه مدخل الوجود وحل المشاكل الاقتصادية لمصر.
بين البداية واللحظة الراهنة والتي ليست بالنهاية، كان واضحا أن هناك من يعلم ماذا يريد ولديه أدواته الداخلية والتي تمثلت في جماعة الإخوان، فقد تواصل معها عبر ستة أعوام فيما هو منظور من أخبار ومعلومات متداولة، وسبر أغوارها، وحدد معها مطالبه وقبلت بها.
الأهداف الأمريكية كانت واضحة على النحو التالي:
1. حصار عائد ثورة الشعب، وتفتيت حالة الاحتشاد.
2. الحيلولة دون حدوث المفاجأة الشعبية ثانية.
3. دخول مصر في لعبة الاستقرار الأمريكي بالمنطقة.
4. الحفاظ على أمن إسرائيل.
والملاحظ المباشر دون تعمق لما يجري على أرض مصر، يجد هذه الأهداف محل تحقيق، ولن نعدد مظاهر ذلك ولكننا نرصد ما يلي:
1. استبدال شعار الثورة "عيش حرية عدالة اجتماعية"، بالصراع على أسلمة الدولة، والفرز على أساس ديني والدخول إلى صراع مذهبي بين إسلام الإخوان وما عداه من إسلام.
2. استبدال الصراع المصري الإسرائيلي حول سيناء بصراع مع جماعات الإرهاب الديني التي تحاول إعلانها إمارة إسلامية، وإلى صراع مصري حمساوي إذا جاز التعبير.
3. استبدال دولة الثورة التي هي الدولة المصرية دون جماعات الفساد، بدولة الجماعة، واستبدلت أهداف المرحلة الانتقالية في غاياتها من أجل بناء نظام جديد يتطلع إليه الشعب، بأهداف الاستحواذ والسيطرة الإخوانية.
4. استبدال الهوية المصرية بعمقها الحضاري وثقافتها الإسلامية الصحيحة، إلى هوية تقوم على الديماجوجية الدينية، بل بلغ بأحدهم قوله "اللهم أمتني على الإخوان!" مستبدلا كلمة الإسلام بلفظ الإخوان.
5. استبدال هيكلة وزارة الداخلية للعودة بأدائها إلى شعار "الشرطة في خدمة الشعب"، إلى إعادة تكليفها بالقمع ومواجهة الحركة الشعبية بالشارع المصري، مما أعاد ظاهرة زوار الفجر والاعتقالات والتعذيب تجاه كل النشطاء من عناصر الثورة.
6. المحاولات المستميتة لتفكيك الدولة، واستبدال هدف بناء جيش وطني قوي بالهجوم المباشر عليه من عناصر الجماعة، ومحاولات هدم القضاء وإدخال عناصر الإخوان إلى سلك القضاء، ومحاولات هدم المحكمة الدستورية، والهجوم المتوالي على الأزهر بهدف السيطرة، واتخاذ موقف بالعدوان المادي على الكاتدرائية المرقصية والمقر البابوي، وتأجيج الفتنة الطائفية.
7. الهجوم المتوالي على جهاز المخابرات العامة المصرية.
هذا كله أمر يراه الجميع، ويرصده، وأخطر ما يمكن عرضه هو العلاقات العربية العربية، فاستبدال وحدة الهدف العربي والمصير العربي والمسؤولية المصرية تجاه ذلك واسترداد دور مصر القومي، استبدال ذلك كله بأن العرب مصدر مالي لمواجهة الأزمة الاقتصادية المصرية، أحال علاقة مصر بالعرب إلى حالة أقل ما توصف به، إنها حالة من الانتهازية، وليست حالة من الانتماء الواحد والمصالح الواحدة.
استبدلوا الدور القومي المصري إلى حالة من الاستجداء حتى باتت مصر ومواقفها وسياسيات الجماعة عامل انقسام عربي ــ عربي. وإذا جرى تاريخ بداية مرحلة التقسيم العربي بدخول صدام حسين إلى الكويت، فسيجري تاريخ مرحلة التفتيت العربي بوصول الإخوان إلى السلطة في مصر.
واستبدلوا الوطنية والقومية بوهم أممية الخلافة، ففقدوا الوجود وطنيا وقوميا، وفقدوا مبرر التكامل القومي، والفارق جوهري بين التكامل القومي العربي، وبين سياسة التسول بتوافقات الحد الأدنى.
إن ظاهرة الاستبدال وصلت إلى صناعة النخبة الجديدة، والأحزاب الكرتونية من جديد. لقد نجحت الهجمة المضادة للثورة بكل روافدها وما امتلكت مفاتيحه، من إجراء الاستبدال في مضمون وشكل واهتمام عناصر شاركت في الثورة، فأحالتهم إلى ذات الصورة من النخبة المتسولة لدور ومنصب وموقف التي ورثناها من نظام ما قبل الثورة، ونجحت الهجمات المضادة للثورة إلى تخليق أحزاب كرتونية جديدة، تلوك الكلمات والشعارات دون مضمونها، فصار الاتهام للثورة بأنها لم تأت بجديد ولكنها أعادت تجميل نظام مبارك القديم بذات مضمونه مع استبدال للأوجه.
واستبدلوا مفهوم العدالة الاجتماعية، بالتربص بحاجات المواطنين، وصار وحش الغلاء قرينا لأي حديث عن التنمية، وفقد مفهوم التنمية المستقلة معناه باستبدال مهام البناء والإنتاج بوصاية صندوق النقد الدولي على الاقتصاد.
في كتاب "جواسيس جدعون" ـ التاريخ السري للموساد، لجوردون توماس وهو واحد من كتب تثمين قيمة الموساد، نقل عن وليام كيسي مدير المخابرات المركزية الأمريكية في مارس 1986 قوله "تبتكر الأمة مجتمع الاستخبارات الذي تحتاجه، وتعتمد أمريكا على المعرفة التقنية لأننا مهتمون بالاكتشافات وليس بالحكم السري، ويعمل الإسرائيليون بشكل مختلف، والدافع لأعمال الموساد، على وجه الخصوص، هو بقاء الدولة على قيد الحياة".
ولو راجعنا مقولة رئيس المخابرات الحربية الإسرائيلية الجنرال عاموس يادلين في أكتوبر 2010 "إن مصر هي الملعب الأكبر لنشاطات جهاز المخابرات الحربية الإسرائيلي، لقد أحدثنا الاختراقات السياسية والأمنية والاقتصادية والعسكرية في أكثر من موقع، ونجحنا في تصعيد التوتر والاحتقان الطائفي والاجتماعي، لتوليد بيئة متصارعة متوترة دائماً، ومنقسمة إلى أكثر من شطر في سبيل تعميق حالة الاهتراء داخل البنية والمجتمع والدولة المصرية، لكي يعجز أي نظام يأتي بعد حسني مبارك في معالجة الانقسام والتخلف والوهن المتفشي في مصر".
منتصف هذا الشهر خرج تصريح نقلا عن رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي، بنى جنتس: إن العلاقات الأمنية الإسرائيلية مع مصر في ظل النظام الحاكم الجديد تحسنت بشكل كبير أكثر مما كانت عليه خلال الفترة الانتقالية، وأن هناك تطورا في التعاون الأمني مع القاهرة منذ عملية عمود السحاب، مضيفاً:"نتائج هذا التعاون الأمني أدهشني وفاجأني".
إن هذه المقولات الثلاث، وربطها بالتصريحات التي نقلها رئيس حزب الوسط المصري عن مرسي، بأن المخابرات المصرية كونت تنظيما من البلطجية لاستخدامه، هي ما يستدعي أن نستبدل نحن السؤال عمن كان يعنيهم عاموس أدلين، خاصة لتطابق ما يحدث مع ما قاله، وعن أسباب اندهاش رئيس الأركان الإسرائيلي الحالي، وعن مفهوم الأمن القومي لدى السلطة في مصر خاصة وإن كان التعريف الأولي له هو ما قاله كيسي عن الموساد " بقاء الدولة على قيد الحياة"، فهل استبدلت السلطة المصرية مفهوم الأمن القومية إلى "تفكيك الدولة ونفيها من قيد الحياة".
ظاهرة الاستبدال العربية والمصرية تكشف أن العرب في حاجة إلى مراجعة التحديات التي تواجه وجودهم، وأخطرها تحدي الهوية واستيعاب التاريخ ووحدة المصير أيا ما كانت أوهام الاستبدال الجارية في العقل العربي وتتجسد دما في واقعه.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
4872
| 13 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3771
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2619
| 08 سبتمبر 2026