رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في الأساطيرِ الإغريقيةِ، كان أَخيل ابناً لـلملكِ بيليوس، من إحدى حورياتِ البحرِ وتُدعى ثِيتس. وأرادتْ أمُّهُ أنْ تجعلَـهُ خالداً، فَغَمَرَتْـهُ في نهرِ استيكس الـمُقَدَّسْ، وهي مُمْسِـكَةٌ بكعبِـهِ، فصارَ جسدُهُ مَحْمياً منَ الجراحِ الـمُمِيتةِ ما عدا كعبَـهُ. ولَـمَّا حاصرَ اليونانيونَ مدينةَ طروادةَ، كان في صفوفِهِم، وقَتَـلَ كثيراً منَ الطرواديين، حتى رماهُ أحدُهُم بسَهْمٍ مسمومٍ في كعبِـهِ، ولَقِـيَ مَصرعَهُ، فصارَ كعبُـهُ رمزاً لنقاطِ الضَّعْفِ القاتلةِ في الإنسانِ.
لو دَقَّـقْـنا النَّظَـرَ في نفوسِـنا، فسنجدُ أنَّ لكلِّ واحدٍ منا نقطةَ أو نقاطَ ضعفٍ نحرصُ على ألَّا يعرفَ الآخرونَ شيئاً عنها، رغم أنَّ بعضَها ليس إلا أوهاماً تَضَخَّمَتْ حتى صارتْ كالحقيقةِ نعيشُها في اللاشُعور. فَـمِـنَ الأشخاصِ، مَنْ يكونُ ذا مكانةٍ في المجتمعِ، وبين أخوتِـهِ وأهلِـهِ لأنَّهُ حصلَ على شهادةٍ دراسيةٍ عليا، وشَغَلَ لسنواتٍ طوالَ وظيفةً مرموقةً. وعندما تقاعدَ، شعرَ بأنَّـهُ يندثرُ، وتَوَهَّمَ أنْ لم يَبقَ في الحياةِ مُتَّسَـعٌ ليُقَـدِّمَ جديداً، أو أنْ يسيرَ في طريقٍ يستثمرُ فيه علمَهُ وخبراتِـهِ وعلاقاتِـهِ لإفادةِ الناسِ بجديدٍ في مجالِ تخصصِـهِ. وهنا، يَتَّخِـذُ صراعُـهُ النفسيُّ صوراً عدَّةً يُخفي وراءها كَعْبَ أخيل الذي هو شعورُهُ الوهميُّ بانتهاءِ دورِهِ في الحياةِ. فيبدأُ بانتقادِ الشبابِ الـمُتميِـزينَ بوعيهم وثقافتِهم، وانتقاصِ ما يقدمونهُ منْ إبداعٍ أدبي أو فكري أو فني. وتَتَضَخَّمُ مُعاناتُهُ، بمرورِ الأيامِ، فيفرُّ منها بتضخيمِ الأنا في نفسِهِ حتى لا يكادُ يرى سوى نفسِـهِ. وأحدُ الأشخاصِ تَعَرَّضَ لتجربةِ زواجٍ مَريرةٍ معَ زوجةٍ مُتَـنَمِّرَةٍ لم يجدْ منها إلا احتقاراً لكل ما يفعلُـهُ. وعندما طَلَّقَها أصبحَ زواجُهُ الفاشلُ كَعْبَ أخيل الذي يحاولُ سترَهُ عنِ العيونِ كي لا يُتَّخَـذَ سبيلاً للسخريةِ منه. وصارَ يعيشُ حياتينِ، أولاهما معَ الناسِ كشخصٍ سَوِي مُتَّزنٍ ذي شخصيةٍ قويةٍ، والثانية مع نفسِـهِ التي يجلدُها ويَقسو عليها بشعورِهِ بدُونيَّتِـهِ. وإحدى الفتياتِ الـمُراهقاتِ، لم تُساعدُها بيئتُها الأُسَريةُ الـمُتَصَدِّعةُ على تكوينِ شخصيةٍ متماسكةٍ كإنسانةٍ ذاتِ رأيٍ ومواقفَ مستقلَّةٍ، فأخذتْ تُخفي حقيقةَ مُعاناتِها الأُسَرِيَّةِ، وتعيشُ في عالمٍ معزولٍ خاص بها، تداوي به كَعْبَ أخيل في نفسِها بالأحلامِ والهروبِ منَ الواقعِ. بل إنَّها قد تبحثُ عنِ التعويضِ العاطفيِ في أشخاصٍ لا إيمانَ يَعصمُهـم، ولا قِـيمَ تجعلُهُم يرونَ فيها إنسانةً مسكينةً، منَ الخطيئةِ الإضرارُ بها. وفي حالتِها، يكونُ الكعبُ حفرةً بلا قاعٍ، مملوءةً بالمصائبِ والبلايا التي تتهدَّدُها في شرفِها وسُمعتِها.
والصراعُ النفسيُّ بسببِ نقاطِ الضعفِ الحقيقيةِ والـمُفْتَرَضَةِ ليس مجردَ صراعٍ داخلي لا يبدو للعينِ الـمُدَقِّـقَةِ، وإنما يتخذُ صوراً سلوكيةً تدلُّ عليه. فالشخصُ الذي له أبٌ مدمنٌ على الـمخدراتِ أو معاقرةِ الخمرِ نجدُهُ في حالتينِ: الأولى؛ كشخصٍ انعزاليٍّ يخشى مخالطةَ الناسِ خوفاً من أنْ يكونوا عارفينَ بسيرةِ أبيه، فينظرونَ إليه بدونيةٍ، ويَتخذونَها سبيلاً لتجريحِـهِ والغَضِ من شأنِـهِ. والثانيةُ؛ كشخصٍ انفعالي مرحٍ جداً، يقولُ نكاتاً عن والدِهِ، ويسخرُ من نفسِـهِ، و له شعبيةٌ بين رفاقِـهِ الذين لا يدركون أنَّـهُ يتألمُ بشدةٍ، ويتمنى لو لم يكنْ أبوه هذا الرجلَ الـمُنحرفَ. وفي كِـلْـتَا الحالتينِ، نجدُ أنَّ كعبَ أخيل الذي يُخفيه عن الناسِ هو تَـمَنِّـيهِ موتَ أبيهِ، وهو أمرٌ يُفْزِعُـهُ كثيراً، فيهربُ منه إلى مزيدٍ منَ العُزلَـةِ أو الانفعالِ الـمُبالَغِ فيه.
ولكن، ما هو دورُنا في التخفيفِ من تأثيراتِ كعبِ أخيل الـموجودِ في نفوسِ كثيرينَ منا؟. الإجابةُ، بالطبعِ، ليستْ بالبساطةِ التي نعتقدُها، لأنَّنا لا نستطيعُ الهروبَ من مواجهةِ حقيقةٍ تقولُ إنَّ جزءاً من ثقافتِنا الـمُجتمعيةِ فيه قسوةٌ وأنانيةٌ تتناقضانِ مع روحِ وإنسانيةِ الإسلامِ الحنيفِ.
فنجدُ أنَّ التَّشَفِّي بروايةِ القصصِ الـمُضَخَّمَةِ عن المُعاناةِ النفسيةِ لفلانٍ و فلانةٍ، أمرٌ طبيعيٌّ في مجالسِنا، والـمُصيبةُ، أنَّنا نُخفي تَشَفِّـينا بغلافٍ منَ التعاطفِ، ولا ندرك كم نحنُ خاطئونَ.
إذن، لابدَّ منْ إسهامِ كلِّ واحدٍ منا في نَشْـرِ مفاهيمِ القبولِ بالآخرِ، واحترامِ خصوصيتِـهِ، وصولاً إلى ترسيخِ ثقافةِ التَّعدديةِ الـمجتمعيةِ التي تنهضُ بها الشعوبُ والأممُ.
كلمة أخيرة:
قد تكونُ كلمةٌ طيبةٌ نقولُـها هي بذرةُ الأملِ التي نُلقيها في نفسِ شخصٍ، فتنمو، وتُزهِـرُ، وتُثمرُ بالخيراتِ، وتُغيِّرُ مسارَ حياتِـهِ.
كاتِـبٌ وَإِعْـلاميٌّ قَـطَـرِيٌّ
علموهم أن فلسطين قضية لا تموت
أخبرتهم مساء يوم الجمعة الماضي أن يثقلوا من الملابس الشتوية قبل الذهاب للعب في الحديقة فقال لي أحدهم:... اقرأ المزيد
96
| 25 يناير 2026
الدبلوماسية الرقمية القطرية.. تكامل إستراتيجي يعزز الحضور العالمي
في ظل التحولات المتسارعة في منظومة العلاقات الدولية، لم تعد الدبلوماسية تقتصر على القنوات التقليدية، بل أصبحت المنصات... اقرأ المزيد
57
| 25 يناير 2026
هل نحن في عالمنا هذا ينتظر عالماً جديداً؟
نحن اليوم لا نعيش زمنًا عاديًا من تواريخ البشر، بل نقف عند عتبة مرحلة مفصلية تتشكل فيها ملامح... اقرأ المزيد
42
| 25 يناير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كاتِـبٌ وَإِعْـلاميٌّ قَـطَـرِيٌّ
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في مقالي هذا، سأركز على موقفين مفصليين من نهائي كأس الأمم الإفريقية الذي جمع بين منتخب المغرب ومنتخب السنغال. مباراة كان من المفترض أن تعكس روح التنافس والاحتكام للقوانين، لكنها شهدت أحداثًا وأجواءً أثارت الاستغراب والجدل، ووضعت علامات استفهام حول سلوك بعض المسؤولين واللاعبين، وما إذا كانت المباراة حقًا تعكس الروح الرياضية التي يفترض أن تحكم مثل هذا الحدث القاري المهم. الموقف الأول يتعلق بتصرف مدرب منتخب السنغال، بابي ثياو، حين طلب من لاعبيه الانسحاب. هذا السلوك يثير علامات استفهام عديدة، ويُفهم على أنه تجاوز للحدود الأساسية للروح الرياضية وعدم احترام لقرارات الحكم مهما كانت صعبة أو مثيرة للجدل. فالمدرب، قبل أن يكون فنيًا، هو قائد مسؤول عن توجيه لاعبيه وامتصاص التوتر، وليس دفع الفريق نحو الفوضى. كان الأجدر به أن يترك الاعتراض للمسارات الرسمية، ويدرك أن قيمة الحدث أكبر من رد فعل لحظي قد يسيء لصورة الفريق والبطولة معًا. الموقف الثاني يتعلق بضربة الجزاء الضائعة من إبراهيم دياز. هذه اللحظة فتحت باب التساؤلات على مصراعيه. هل كان هناك تفاهم صامت بين المنتخبين لجعل ضربة الجزاء تتحول إلى مجرد إجراء شكلي لاستكمال المباراة؟ لماذا غابت فرحة لاعبي السنغال بعد التصدي؟ ولماذا نُفذت الركلة بطريقة غريبة من لاعب يُعد من أبرز نجوم البطولة وهدافها؟ برود اللحظة وردود الفعل غير المعتادة أربكا المتابعين، وترك أكثر من علامة استفهام دون إجابة واضحة، مما جعل هذه اللحظة محاطة بالشكوك. ومع ذلك، لا يمكن القول إن اللقب ذهب لمن لا يستحقه، فمنتخب السنغال بلغ النهائي بجدارة، وقدم مستويات جيدة طوال مشوار البطولة. لكن الحقيقة التي يصعب تجاهلها هي أن المغرب أثبت أنه الأجدر والأقرب للتتويج بما أظهره من أداء مقنع وروح جماعية وإصرار حتى اللحظات الأخيرة. هذا الجيل المغربي أثبت أنه قادر على تحقيق إنجازات تاريخية، ويستحق التقدير والثناء، حتى وسط لحظات الالتباس والجدل. ويحسب للمنتخب السنغالي، قبل النتيجة، الموقف الرجولي لقائده ساديو ماني، الذي أصر على عودة زملائه إلى أرض الملعب واستكمال المباراة. هذا القرار جسد معنى القائد الحقيقي الذي يعلو باللعبة فوق الانفعال، ويُعيد لكرة القدم وجهها النبيل، مؤكدًا أن الالتزام بالقيم الرياضية أحيانًا أهم من النتيجة نفسها. كلمة أخيرة: يا جماهير المغرب الوفية، دموعكم اليوم تعكس حبكم العميق لمنتخب بلادكم ووقوفكم معه حتى اللحظة الأخيرة يملؤنا فخرًا. لا تحزنوا، فالمستقبل يحمل النجاح الذي تستحقونه، وستظلون دائمًا مصدر الإلهام والأمل لمنتخبكم.
4461
| 20 يناير 2026
التحديثات الأخيرة في قانون الموارد البشرية والتي تم الإعلان عنها في فترة سابقة، بدأت ملامحها في الظهور وذلك بصرف علاوة استمرارية الزواج للزوجين القطريين بعلاوة تُقدّر بـ 12000 ريال لكل من الزوجين والذي حددها القانون وحدد وقت صرفها في كل شهر يناير من كل عام، وسبق ذلك التعديل المباشر لاستحقاق الزوجة للعلاوة الاجتماعية بفئة متزوج وإلغاء حالة فئة أعزب للموظفة المتزوجة وذلك في بند القانون السابق. يناير 2026 يختلف عن يناير 2025 حيث إن القانون في مرحلة جديدة وملامح جديدة من حوافز وصرف المكافآت التي حددها القانون للموظفين وللوظائف الإشرافية التي تقع تحت مظلة قانون الموارد البشرية. حوافز كثيرة وقيم مستحقة يُتوقع أن تكون ذات أثر في المنافسة وبذل العطاء للوصول إليها، مع محافظة القانون على العلاوة السنوية والمحافظة على بدل الإجازة بمعدل راتب أساسي شهري للموظفين أصحاب تقييم جيد أو متوقع، والمعني به “جيد” أن الموظف أدى مهام وظيفته على أكمل وجه والتزم بكل القوانين وأخلاقيات العمل، ولم يزح القانون تلك الاستحقاقات السابقة بل حافظ عليها، وليضيف القانون حوافز مالية جديدة وذلك مع بدل الموظف المزيد من العطاء والتنافسية الايجابية ما بين الزملاء للوصول إلى التقييم الأعلى ومن ثم الوصول إلى المكافآت ومنها رؤية الأثر بزيادة مالية في تقييم “جيد جداً، امتياز وهما تعادلان تجاوز التوقعات، استثنائي” والتي حددها القانون في زيادة العلاوة الدورية لتكون في تلك السنة التقييمية 125% - 150% بدلاً من 100% للعلاوة المخصصة لدرجته المالية، بالإضافة لحصول الموظف على راتب أساسي شهري كمكافأة أو راتبين أساسيين كمكافأة بناءً على التقييم الحاصل عليه في تلك السنة، ولم يقف القانون هنا بل قام بوضع حوافز مالية للموظف القائم بالعمل الإشرافي وبقيم مالية مشجعة وضحها القانون ووفق درجة التقييم. لقد عمل القائمون على التقييم في بذل كل ما يمكنهم من وضع الخطوات والحوافز للموظفين وبإنشاء نظام تقييم يسعى قدر الإمكان في إنصاف جميع الموظفين، فإذاً لنجاح هذه العملية وجب على الجميع التعاون موظفاً ومسؤولاً في تطبيق الشروط التي حددها القانون للوصول إلى أهداف التقييم وهي في مقامها الأول هدف الارتقاء الوظيفي والتطوير والإبداع في العمل، ويليها الظفر بالمكافآت التي حددها القانون، ولكل مجتهد نصيب. أخيراً لكل مسؤول ولكل موظف عطاؤكم هو أساس لكل نجاح وبهذا النجاح يتحقق الهدف المنشود من كل عمل وبعبارة «لنجعل قطر هي الأفضل».
726
| 20 يناير 2026
في زمنٍ تختلط فيه البوصلة وتُشترى فيه المواقف وتُباع، تبرز القضية الفلسطينية كمرآةٍ صافية تكشف جوهر الإنسان. ففلسطين اليوم لم تعد قضية الفلسطيني وحده، ولا العربي وحده، ولا المسلم وحده، بل أصبحت قضية إنسانية عالمية، يدافع عنها الأحرار من كل بقاع الأرض، كثيرٌ منهم لم يولدوا عربًا، ولم يعتنقوا الإسلام، وربما لم يكونوا يعرفون موقع فلسطين على الخريطة يومًا، لكنهم عرفوا معنى الظلم واختاروا الوقوف في وجهه. لقد شهد التاريخ الحديث مواقف واضحة لشخصيات عالمية دفعت ثمن انحيازها للحق دون مواربة، وتفضل لديك بعض الأمثلة.. نيلسون مانديلا الزعيم الجنوب أفريقي وأحد أبرز رموز النضال العالمي ضد نظام الفصل العنصري، عبّر صراحة عن دعمه للقضية الفلسطينية، معتبرًا أن حرية شعبه ستبقى ناقصة ما لم ينل الفلسطينيون حريتهم. وإلى جانبه وقف ديزموند توتو الأسقف الجنوب أفريقي الحائز على جائزة نوبل للسلام، وأحد أهم الأصوات الأخلاقية في العالم. شبّه توتو ما يتعرض له الفلسطينيون بنظام الأبارتهايد انطلاقًا من تجربة شخصية عميقة مع التمييز والقهر. ورغم حملات التشويه والضغوط السياسية، لم يتراجع عن موقفه لأن العدالة في نظره لا تُجزّأ ولا تُقاس بالمصالح. ومن داخل المجتمع الإسرائيلي ذاته خرج إيلان بابِه المؤرخ الإسرائيلي المعروف وأستاذ التاريخ، ليكشف في أبحاثه وكتبه ما تعرّض له الفلسطينيون عام 1948 من تهجير قسري وتطهير عرقي. لم يكن كلامه خطابًا سياسيًا، بل توثيقًا تاريخيًا مدعومًا بالمصادر. نتيجة لذلك تعرّض للتهديد والنبذ الأكاديمي، واضطر إلى مغادرة بلاده، ليصبح شاهدًا على أن قول الحقيقة قد يكون المنفى وليس أي منفى، إنه منفى الشرفاء. وفي الولايات المتحدة برز اسم نورمان فنكلستاين الأكاديمي الأمريكي اليهودي والمتخصص في القانون الدولي وحقوق الإنسان. دافع عن الحقوق الفلسطينية من منطلق قانوني وإنساني، ورفض استخدام المآسي التاريخية لتبرير الاحتلال. هذا الموقف كلّفه مستقبله الأكاديمي حيث حُرم من التثبيت الجامعي وتعرّض لعزل ممنهج، لكنه بقي مصرًّا على أن الدفاع عن فلسطين ليس موقفًا ضد شعب بل ضد الظلم والقهر. وهنا يبرز السؤال الجارح لماذا يقفون مع فلسطين؟ يقفون لأن الضمير لا يحتاج إلى جواز سفر. لأن الإنسان حين يرى طفلًا تحت الأنقاض، أو أمًا تبحث عن أشلاء أبنائها، لا يسأل عن الديانة، هو يُجسد الإنسانية بذاتها. لماذا يقفون؟؟ لأنهم يؤمنون أن الصمت شراكة، وأن الحياد في وجه الظلم ظلمٌ أكبر من الظلم نفسه. يقفون في البرد القارس وتحت المطر وفي حرّ الصيف وهم يعلمون أن الكلمة قد تُكلفهم منصبًا أو سمعة أو أمانًا شخصيًا. ومع ذلك لا يتراجعون. إيمانهم بعدالة القضية لم يُبنَ على هوية بل على مبدأ بسيط.. العدل. وهنا تأتي المقارنة المؤلمة.. إذا كانت فلسطين ليست قضيتي كمسلم، فهؤلاء ليسوا عربًا، ولا مسلمين، ولا تجمعهم بفلسطين رابطة دم أو دين ولا حتى رابطة دم جغرافية ومع ذلك وقفوا بشجاعة. أما نحن فماذا فعلنا؟ ومن يفعل … ماذا يُقال له؟ يُقال له لا ترفع صوتك يُقال له هذه سياسة يُقال له اهتم بنفسك ويُحاصر أحيانًا بالتشكيك أو التخوين أو السخرية القضية الفلسطينية اليوم لا تطلب المعجزات بل تطلب الصدق صدق الكلمة صدق الموقف صدق الإحساس وصدق ألا نكون أقل شجاعة ممن لا يشاركوننا اللغة ولا العقيدة. فلسطين ليست اختبار انتماء بل امتحان إنسانية، ومن فشل فيه لم يفشل لأنه لا يعرف فلسطين بل لأنه لم يعرف نفسه.
681
| 20 يناير 2026