رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
المتابع عن كثب لحجم وكثافة الضربات الإسرائيلية على قطاع غزة في شهر يناير خاصة آخر أسبوعين منه، مقارنة بالشهور الثلاثة السابقة له؛ سيلاحظ بعضا من التغير المحدود. حيث خفضت إسرائيل ضرباتها الجوية في غزة نوعا ما، كذلك قد أجرت بعض التغيرات المحدودة أيضا على تكتيكاتها القتالية في سياق حربها البرية مع قدر ما محدود أيضا في حجم التحركات والمناورات التي تستهدف عناصر حركة حماس.
ونظن أن هذا التغيير هو مقدمة لتحول أكبر لعمليات إسرائيل في غزة- نحو التخفيف بالطبع- كذلك، على صعيد عمليات ومناوشات إسرائيل مع حزب الله وفى سوريا. مدفوعاً بجملة من الوقائع والضغوط الشديدة الوطأة.
راهن معظم الخبراء السياسيين والعسكريين بالصعوبة البالغة التي ستواجه إسرائيل في تحقيق أهدافها الرئيسية المعلن بعضها في غزة، وعلى رأسها إسقاط حكم حماس في غزة، واستعادة الرهائن بالقوة والضغط دون صفقة. ومن الغريب أن حلفاء إسرائيل ومن بينهم أمريكا قد أوحوا أيضا بصعوبة تحقيق هذه الأهداف.
وتدخل الحرب الإسرائيلية على القطاع شهرها الرابع دون تحقيق إسرائيل أيا من تلك الأهداف. بل ما جنته إسرائيل حتى الآن جملة من الخسائر الفادحة وعلى رأسها انقلاب الرأي العام العالمي، وبعض من داعميها التقليديين لاسيما على المستوى الأوروبي ضدها، جراء عمليات قتل المدنيين الوحشية التي راح ضحيتها قرابة 26 ألف مدني. هذا فضلا عن حدوث بعض الشرخ في العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو الأخطر على إسرائيل.
وعليه، فمن البديهي في ضوء ذلك الفشل الذريع، أن تحدث إسرائيل بعضا من التحول في عملياتها في غزة، والذي قد يسير باتجاه تكثيف العنف بصورة جنونية. لكن يتبدى لنا بأنه يسير باتجاه التخفيف النوعي، واحتمالية عدم العودة لمستوى القصف الوحشي السابق.
ويمكن القول، إن فشل إسرائيل الذريع في تحقيق أهدافها في غزة، يمثل عنصر الضغط الرئيسي شديد الوطأة لهذا التحول. فإذا كان هناك بعض الضغوط الأخرى-التي سيأتي ذكرها- دافعة نسبياً لهذا التحول. إلا أن إسرائيل لا تعبأ بها بصورة كبيرة، مقارنة بضغط الفشل الذريع.
يتراءى لنا أن قيادة إسرائيل بعد أربعة شهور متواصلة من الهجمات الوحشية في غزة، قد تيقنت أنه لا مفر من تخفيف هذه الهجمات، واتباع نهج جديد على الأرجح سيقوم على الانتقائية؛ أي شن عمليات محدودة مركزة جوية وبرية تستهدف قيادات ومراكز حماس، وتتفادى قتل المزيد من المدنيين.
شنت إسرائيل هجمات إبادة عشوائية على غزة منذ طوفان الأقصى، كصورة من صور الانتقام الأعمى العشوائي، وامتصاص غضب الرأي العام الإسرائيلي الناقم على حكومته، والضغط على حماس للإفراج على الرهان المحتجزين، وتخويف حركات المقاومة المسلحة وخاصة حزب الله من مغبة تكرار طوفان الأقصى على الجبهة الجنوبية.
ومحصلة ذلك بعد أربعة شهور، هو الفشل الذريع، وتشويه سمعة إسرائيل، ولعل الأهم هو تزايد ضغط وسخط الرأي العام الإسرائيلي من فشل الحكومة في تحرير الرهان، والضغط على حماس. فالرأي العام الإسرائيلي-وفقا للعديد من استطلاعات الرأي- داعم بشدة لاستمرار هذه الحرب لاسيما حتى القضاء على حكم حماس في القطاع. لكنه ساخط بشدة من إدارة حكومته لهذه الحرب. ويتبدى لنا أن قطاعا لا يستهان به من الرأي العام الإسرائيلي، بدأ يدرك أن تحقيق أهداف إسرائيل في غزة باتت أمراً مستحيلاً، كذلك بدأ يدرك أن سياسة التخويف الوحشية التي تمارسها حكومته، سياسة فاشلة بامتياز في ردع حركات المقاومة المسلحة عن تهديد أمن إسرائيل.
وبالتالي، تأخذ حكومة نتنياهو في حسبانها احتمالية تنامي ضغط عام داخلي يرمي إلى إنهاء الحرب تماما وإتمام صفقة تبادل مع حماس، لاسيما في ضوء نزيف الخسائر الاقتصادية والمعنوية لإسرائيل. ولعل ذلك أخطر ما تخشاه حكومة إسرائيل، لأنه سيكون بمثابة هزيمة ساحقة وتهديد مزمن لوجود إسرائيل ذاته. ومن ثم، يبدو لإسرائيل أنه لا مفر من تعديل النهج بنهج أكثر انتقائية يضمن استمرار الضغط على حماس، وتهدئة الرأي العام الداخلي، وتخفيف الضغوط الخارجية.
ويمثل العامل الأمريكي أحد الضغوط الدافعة لهذا التحول. فرغم تأييد واشنطن الطبيعي للحرب على غزة منذ طوفان الأقصى. إلا أن حدة هذا التأييد قد شهدت بعضا من التراجع، كما تخلله بعض من الضغوط بشأن نهج وإدارة العمليات في غزة، ومستقبلها. يتبدى من الموقف الأمريكي تجاه غزة، لاسيما خلال الشهر الأخير، أن واشنطن بفضل وطأة ضغوط شديدة، تسعى إلى المحافظة على توازن يراعي مخاوف وأمن وضغوط إسرائيل، وفي الوقت عينه يحول دون اتساع نطاق الحرب إلى حرب إقليمية شاملة، كذلك تحويل القطاع إلى أكبر مقبرة بشرية جماعية في التاريخ.
لهذا السبب، شهدت العلاقات الأمريكية الإسرائيلية توترا كبيرا ربما غير مسبوق، بسبب العناد الإسرائيلي على التصعيد في غزة دون تحقيق الأهداف المرجوة. وبالتالي، فعلى الأرجح قد ارتأت حكومة إسرائيل أن تعديل النهج لاسيما النهج الانتقائي سيرضي واشنطن، التي لا تمانع من استمرار العمليات ضد حماس مراعاة لهواجس إسرائيل بشان وجودها، دون الحاجة إلى استمرار تصعيد وحشي سيفضي إلى قتل المزيد من المدنيين وجر إسرائيل إلى حرب إقليمية مفتوحة الجبهات.
ويتمثل العامل الأخير الدافع لهذا التحول هو الدعوة التي أقامتها جنوب إفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بشأن جرائم الإبادة في غزة. والتي أصدرت فيها المحكمة حكماً تاريخيا ضد إسرائيل بارتكاب جرائم إبادة في غزة، وفرض تدابير على حكومة إسرائيل لمنع إبادة جماعية في غزة.
ويعرف القاسي والداني أن المحاكمة يغلب عليها الطابع الرمزي إلى حد كبير، وأن قرارات المحكمة لم تنفذ حيث يتطلب تنفيذها موافقة مجلس الأمن الذي سيعرقل التنفيذ بالقطع عبر الفيتو الأمريكي-الإنجليزي. ومع ذلك، مثلت قرارات المحكمة صفقة قوية لإسرائيل، وإدانة عالمية واضحة العيان حيث صدر القرار بأغلبية، ستشكل بلا أدنى شك ضغطا قويا على إسرائيل لتعديل نهجها في غزة من الآن فصاعداً.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
كلما ازداد الدمار وكلما اتسعت رقعة الدمار وطال زمان الدمار كان هاجس إعادة الإعمار حاضراً بقوة في أذهان صانعي القرار، قد تكون الحرب اختباراً للقدرات والإمكانات وللقدرة على الصبر وتحمُّل أعباء خسائر الحرب من قتل ودمار ولكن صانعي القرار ومن هو مسؤول عن دولة وعن نظام وعن شعب يجب أن يظل حاضراً في ذهنه ماذا بعد الحرب، فقد عانت إيران من الحصار لأكثر من 40 سنة مما دفع بالكثير من بنيتها التحتية وبنية قطاع الطاقة للتهالك خلال تلك الفترة، فإذا جاءت الحرب بدمارها من جديد فإن موضوع الإعمار إن كان قبل الحرب ضرورة فإنه بعد الدمار وبعد الحرب ضرورة قصوى، كما عانت إسرائيل من دمار سنين الحرب السابقة للحرب على إيران ويزداد الدمار يوماً عن يوم وبوتيرة متسارعة يدفع للتساؤل من أين سيأتي الإعمار. عندما تضع الحرب أوزارها ستكون إيران منهكة كلياً وتحتاج للإعمار، في الوقت نفسه أمريكا لم تعد قادرة على الإعمار فأعباء الديون على أمريكا يجعلها في خطر فقدان القدرة على الوفاء بخدمة الدين وفقدان جدارتها الائتمانية التي استمتعت بها على مدى عقود وعقود ولذلك فتوقع أي إعمار من أمريكا توقع يفتقد للموضوعية، وإسرائيل في نفس المعضلة ولذلك من سيكون قادراً على الإعمار سوى دول الخليج لوفرة رؤوس الأموال وعمق صناديق الاستثمار والاحتياطات الكبيرة المتوفرة في القطاع المصرفي والمصارف المركزية لديها والقدرات في تجاوز تبعات الحرب بشكل سريع، ولذلك مراعاة أمن دول الخليج من قبل الأطراف المتحاربة كونها ليست طرفا في الحرب فهي ضرورة أساسية لما بعد الحرب، إذن من يملك القدرة على الإعمار هي دول الخليج، فمن الحكمة لصناع القرار من البيت الأبيض وطهران وغيرها الأخذ في الحسبان عدم توتير العلاقة مع دول المنطقة والعمل على عدم تجاوز الخطوط الحمراء بالنسبة لدول الخليج. إذا أراد النظام الإيراني البقاء فهو يعلم أنه ملزم بتوفير ما يطلبه الشعب الإيراني ما بعد الحرب من إعمار ومستشفيات وغذاء واقتصاد وعملة مستقرة، هل سيكون قادرا لوحده على الإيفاء بمتطلبات الشعب الإيراني بعد الحرب، فترامب أقصى الحلفاء واستهزأ بهم وادعى أنه لا يحتاج أحداً فأمريكا لديها القدرات والإمكانات أن تعمل ما تريد ورأيناه حين أغلق مضيق هرمز يبحث عن دعم الحلفاء ويضرب أخماسا بأسداس على أنهم تبرأوا منه حين الحاجة، فهل ستجد إيران نفسها بعد الحرب بحلفاء قادرين على إعمار ودعم الاقتصاد الإيراني والاستثمار فيه أم ستكون وحيدة تضرب أخماسا بأسداس على أنه ليس هناك من له رغبة في إعمار إيران أو الاستثمار فيها. قد يعتقد البعض أن إيران استطاعت أن تتحمل الحصار الاقتصادي وكانت قادرة على الاستمرار في تلك الظروف ولأنها استمرت لفترات طويلة استطاع الشعب الإيراني التعايش معها ولو أنه كان هناك فترات فقد فيها مثل هذا الهدوء فعندما تتراجع العملة بشكل كبير ويرتفع معدل التضخم لدرجات غير مسبوقة فإن الشعب الإيراني يخرج في الشوارع. فما حدث في الأربعين سنة الماضية شيء وما سيحدث بعد وقف الحرب مباشرة شيء آخر سيكون كل يوم ما بعد الحرب معادلا لفترة ما قبل الحرب، فالدمار وحضور مثل هذا الدمار أمام التجار وأمام السوق وأمام الشعب سيبعث على التشاؤم وإن حدث هذا دون أي أفق يبعث على الأمل سنرى تراجع التومان العملة الإيرانية كما لم نره سابقا وستزداد معدلات التضخم بشكل غير مسبوق وسيفقد الناس الأمل في حياة أفضل ولذلك سيفقد النظام قدرته على إدارة الدولة، أما إذا كان هناك رؤية لمشاريع إعمار فانها ستكون الداعم الحقيقي للنمو الاقتصادي والنشاط الاقتصادي وسيملأ الناس الأمل بأنه ما بعد الحرب هو وضع أفضل مما قبل الحرب فإن طغى على الناس الإحساس بالأمل وبالعمل وبالاستثمار سيكون هناك استتباب في إيران، أما إذا طغى التشاؤم وفقد الناس الأمل قد تفقد إيران الكثير من وحدتها لأن كل منطقة سترى أنها أقدر على إدارة شأنها الاقتصادي وأن طهران لم تعد قادرة على مد يد العون. وما لم تحققه أمريكا وإسرائيل في حربهما لتفكيك إيران سيتحقق ما بعد الحرب إذا لم يكن هناك مشاريع إعمار، كل يوم تستمر فيه الحرب تزداد فيه الحاجة للإعمار، فكما عمَّرَت قطر بقيادة الأمير الوالد جنوب لبنان في حرب 2006 من سيعمر جنوب لبنان ومن سيعمر إيران وإلى أي مدى غزة والضفة وإيران وجنوب لبنان سيكونون في حاجة ماسة للدعم ولمشاريع الإعمار.
4293
| 30 مارس 2026
مع تفاقم التوترات الإقليمية إلى صراع عسكري محتمل يضم الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران، سيكون الاقتصاد العالمي معرضًا لصدمة عميقة قد تعيد تشكيل ملامحه على المدى القريب والبعيد، نظرًا للمكانة الحيوية التي تحتلها منطقة الخليج في منظومة الطاقة العالمية. وتتضاعف خطورة هذا السيناريو في حال اقترن بإغلاق مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز، ما يجعله عنصرًا حاسمًا في استقرار الأسواق الدولية. تتمثل أولى التداعيات في الارتفاع الحاد في أسعار النفط نتيجة اختلال التوازن بين العرض والطلب، وهو ما سينعكس بشكل مباشر على تكاليف الإنتاج والنقل عالميًا. ومن ثمَّ، ستشهد الأسواق موجة تضخمية واسعة، تؤثر في القدرة الشرائية للأفراد وتزيد من الأعباء على الحكومات. وفي هذا السياق، أرى أن تأثير ارتفاع أسعار الطاقة لن يكون مرحليًا فقط، بل قد يمتد ليُحدث تغيرات هيكلية في سياسات الطاقة لدى العديد من الدول. كما ستتعرض سلاسل الإمداد العالمية لاضطرابات ملحوظة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، إضافة إلى المخاطر الأمنية المرتبطة بحركة الملاحة في المنطقة. هذا الاضطراب سيؤدي إلى تباطؤ التجارة الدولية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، مما ينعكس سلبًا على استقرار الأسواق. ومن وجهة نظري، فإن التأثير الأكثر خطورة لا يكمن فقط في تعطّل الإمدادات، بل في حالة عدم اليقين التي ستدفع الشركات إلى تقليص استثماراتها، وهو ما يضعف النمو الاقتصادي العالمي بشكل تدريجي. ومن جانب آخر، ستواجه البنوك المركزية تحديًا معقدًا يتمثل في تحقيق التوازن بين كبح التضخم والحفاظ على النمو. فرفع أسعار الفائدة قد يحد من التضخم، لكنه في الوقت ذاته قد يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي. وفي هذا الإطار، أرى أن احتمالية دخول بعض الاقتصادات في حالة ركود تضخمي تبقى مرتفعة، خاصة في الدول النامية التي تعتمد على استيراد الطاقة بشكل كبير. أما الأسواق المالية، فمن المرجح أن تشهد تقلبات حادة نتيجة توجه المستثمرين نحو الأصول الآمنة، مثل الذهب والعملات المستقرة. وسيؤدي ذلك إلى خروج رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة، مما يزيد من الضغوط الاقتصادية عليها. ومن وجهة نظري، فإن هذه التحركات تعكس حساسية الأسواق العالمية تجاه الأزمات الجيوسياسية، ومدى ارتباطها بحالة الاستقرار الدولي. في ضوء هذه المعطيات، أرى أن احتمال لجوء إيران إلى استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط إستراتيجية يظل قائمًا، خاصة في حال تصاعد الصراع إلى مواجهة مباشرة. ومع ذلك، أتوقع أن يكون أي إغلاق محتمل محدودًا من حيث المدة، نتيجة التدخل الدولي السريع لإعادة فتح هذا الممر الحيوي. كما أرى أن التأثيرات الاقتصادية للحرب لن تكون متساوية بين الدول؛ إذ ستتحمل الدول المستوردة للطاقة العبء الأكبر، في حين قد تحقق الدول المصدرة مكاسب مؤقتة. إلا أنني أتوقع أن هذه المكاسب ستكون قصيرة الأمد، نظرًا لتأثير تباطؤ الاقتصاد العالمي على مستويات الطلب. ومن وجهة نظري، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في تصعيد محدود ومواجهات غير مباشرة بدلًا من حرب شاملة طويلة الأمد، وذلك بسبب إدراك الأطراف المختلفة لحجم الخسائر الاقتصادية المحتملة. ومع ذلك، أرى أن مجرد التهديد بإغلاق المضيق أو حدوث اضطرابات جزئية فيه سيكون كافيًا لإحداث تأثيرات كبيرة في الأسواق العالمية، سواء من حيث ارتفاع الأسعار أو تراجع ثقة المستثمرين. كلمة أخيرة أرى أن هذه الأزمة، في حال وقوعها، قد تسهم في تسريع التحولات الهيكلية في الاقتصاد العالمي، خاصة فيما يتعلق بتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة. ومن وجهة نظري، فإن العالم قد يتجه نحو إعادة تشكيل خريطة النفوذ الاقتصادي، بحيث تزداد أهمية الدول القادرة على تأمين إمدادات مستقرة، وهو ما يعكس الترابط العميق بين الأمن الجيوسياسي والاستقرار الاقتصادي.
2472
| 26 مارس 2026
في الليلة الماضية قررتُ أن أذهب صباحًا إلى راس لفان، فلم أنم. لا لأن النوم جافاني، بل لأن القلب كان يعدّ الساعات كما يعدّها المشتاق، وكما يعدّها من طال به الغياب عمّن يحب. لقد أخّر رمضان اللقاء، وأخّره الجرح، وكلما تأخّر اشتدّ الشوق حتى غدا وجعًا من نوعٍ آخر. ثم استيقظتُ على صوت الرعد والمطر. كان وقعُه في البدء كأزيز طائراتٍ في الأفق، ثم ما لبث أن انساب رذاذًا وانهمر غيثًا. وفي ثقافتنا، المطر فألُ خيرٍ وبشارةُ حياة؛ فكيف إذا جاء في اليوم الذي تقرر فيه اللقاء بالحبيب؟ وانطلقتُ، والمطر يرسم على جانبي الطريق تجمعاتِ الماء في صحرائنا الجميلة، ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال، كأن الأرض تستقبل الغيث بالشوق نفسه الذي كنتُ أستقبل به هذا اليوم. والطريق إلى راس لفان واسعٌ جميل، نموذجٌ لما بنيناه في هذه البلاد من بنيةٍ تحتيةٍ تليق بوطنٍ عرف كيف يحوّل النعمة إلى حضارة. كم مررتُ بهذا الطريق من قبل، فلم أره طويلًا؛ أما هذه المرة، فقد بدا أطول مما ينبغي، لا لعيبٍ فيه، بل لأن قلبي كان قد سبقني إليه، وكنتُ ألحق به على مهل. وحين لاحَت راس لفان من بعيد، كدتُ أقفز من الفرح؛ لم يبقَ إلا دقائق، لم يبقَ إلا خطوات. وقفتُ على الشاطئ، وتطلعتُ إلى الأفق، حيث كان طابورُ الناقلات ينتظر دوره في صمتٍ مهيب، تلك السفن التي طالما رأيتُها تمضي ملأى وتعود فارغة، تحمل إلى العالم غازًا يتحول في أصقاع الأرض إلى نورٍ ودفءٍ وحياة. لكن الطابور كان أقصر مما اعتدتُ، وكأن المسافات بين الناقلات قد تنفّست بحزن. عندها غلبتني الدمعة؛ لا ضعفًا، بل لأن من يحب يرى ما لا يراه غيره، ومن اعتاد أن يرى الحبيب في عافيته، يتألم حين يراه جريحًا يصبر على جرحه وينتظر الشفاء. وتذكّرتُ.. تذكّرتُ الثمانينيات، يوم كنتُ سفيرًا لبلادي في باريس، حين قررت قطر استخراج الغاز من باطن هذه الأرض. لم يكن القرار سهلًا، وكانت أصواتٌ كثيرة تقول إن الغاز غيرُ مُجدٍ، وإن استخراجه مغامرةٌ مكلفة، حتى إن شركة « Bp « الإنجليزية تراجعت عن المشاركة لعدم قناعتها بجدواه، لتحلّ محلّها «توتال» الفرنسية، التي رأت أبعد وأدركت مبكرًا ما سيصير إليه المستقبل. غير أن القيادة الشجاعة لا تعرف التردد حين تعرف وجهتها؛ فكان القرار، وكان النجاح، وكانت راس لفان شاهدًا على إرادة وطنٍ قرر أن يبني لا أن ينتظر. وهذه الإرادة ذاتها، والقيادة ذاتها، هي التي ستعيد إلى راس لفان عافيتها، مدعومةً بشبابٍ عرفتهم وعرفت مشاعرهم؛ شبابِ الطاقة، المؤسسين منهم والحاليين. أعرف كم تألموا لهذه الطعنة، وكم احترق الجرح في صدورهم، لكنهم لم يفقدوا الثقة، ولن يفقدوها، لأن ما بُني على الإرادة لا يهده الغدر. وهنا يتوقف القلم ليقول ما يصعب قوله. فالجار في ديننا ليس مجرد من يسكن بجوارك، بل هو أمانةٌ في عنقك وحقٌّ واجبٌ عليك، حتى أوصى به النبي ﷺ وصيةً جعلت الصحابة يظنون أنه سيجعله وارثًا. فإذا جاء الأذى من جارٍ ومسلم، تضاعف الجرح؛ لأنه لا يطعن المكان وحده، بل يطعن القيمة، ويمسّ الميثاق الذي جمع الناس تحت سقفٍ واحد اسمه الإسلام. ومن هنا يغدو الألم أعمق من أن تحيط به الكلمات، ويغدو الصمت أحيانًا أبلغ من الخطب. ثم التفتُّ إلى الشاطئ ورماله الفضية، فاندفع شريطُ الذاكرة: لقطاتٌ لا تُحصى من سنواتٍ وسنوات؛ شروقٌ يولد من البحر كل يومٍ في هيئةٍ جديدة، وغروبٌ يختبئ خلف أشجار الصحراء في مشهدٍ لا يتكرر على الصورة نفسها. وتلك البقع التي يرسمها المطر في الصحراء بعد كل موسم، لكل بقعةٍ منها قصة، ولكل قصةٍ ذاكرة، ولكل ذاكرةٍ وجهٌ من وجوه من أحببتُ في هذا المكان. ستبقى يا راس لفان. ستبقى شريانَ خيرٍ وشعلةَ نور، وستعيدك قيادةُ قطر وشبابُ طاقتها إلى ما كنتَ عليه وأكثر. وستزول الأخطار كما تزول كل غمّةٍ عن هذه الأرض التي تعلّمت أن تحوّل المحن إلى منح. وسأعود إليك كما عدتُ اليوم، مشتاقًا، وسأقف على شاطئك، وسيكون الشروق في البحر مختلفًا وكذلك الغروب في الصحراء كما كانا دائمًا. لأنك لا تكرر نفسك، ولأن ما بُني بالحب والإرادة باقٍ لا ينطفئ.
1950
| 24 مارس 2026