رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
شهدت الرياضة في العقود الماضية تطورا كبيرا، حيث أصبحت الرياضة صناعة قائمة بحد ذاتها وباتت تلعب دورا رئيسيا في اقتصاديات العديد من الدول، الأمر الذي أدى إلى التنافس الدولي على استضافة الأحداث الرياضية الدولية لما لها من أثر مهم في جذب الاستثمارات وتنشيط حركة السياحة والتجارة والاقتصاد. وفي بدايات الثمانينات من القرن الماضي، كثرت النزاعات الرياضية لاسيما المنازعات المتعلقة بالمجال الرياضي الدولي، ولا يوجد آنذاك آلية أو منظومة دولية مختصّة ومستقلة لتسوية النزاعات الرياضية بقرارات ملزمة، وكثرت الدعوات لإنشاء جهة دولية محايدة ومستقلة ومختصّة لتسوية المنازعات المتعلقة بالرياضة بعيدا عن أروقة المحاكم الوطنية، مما حدا باللجنة الأولمبية الدولية إلى إنشاء محكمة التحكيم الرياضي والتي تعرف اختصارا باللغة الإنجليزية بمسمى (كاس) لتسوية النزاعات الرياضية بواسطة التحكيم وذلك في عام 1984.
ويوجد المقر الرئيس للمحكمة في سويسرا في مدينة لوزان، كما يوجد للمحكمة مقر للاستماع في مدينتي نيويورك بـالولايات المتحدة وسيدني بـأستراليا، فضلا عن مقر مؤقت يجري إنشاؤه في المدن المستضيفة للأحداث الرياضية الدولية خلال فترة إقامة الحدث الرياضي.
وقد ثار موضوع استقلالية المحكمة في النزاعات التي تكون اللجنة الأولمبية الدولية أحد أطرافها، حيث تعرّض أحد الأحكام التي أصدرتها المحكمة الفدرالية السويسرية في عام 1993 بشكل غير مباشر إلى هذا الموضوع، وأشار إلى أن العلاقة القائمة بين محكمة التحكيم الرياضي واللجنة الأولمبية الدولية قد يؤثر على استقلالية وحياد الأخيرة في حال عرض نزاع عليها وكانت اللجنة الأولمبية الدولية أحد طرفيه، باعتبار أن اللجنة الأولمبية هي المموّل الوحيد للمحكمة وهي صاحبة الاختصاص بتعديل القانون المنشئ للمحكمة واختصاصاتها.
وبناء على ذلك، تم مراجعة قانون المحكمة وتعديله في عام 1994 لغايات جعل هيكل المحكمة أكثر استقلالية وحيادية عن اللجنة الأولمبية الدولية، حيث تم إنشاء المجلس الدولي للتحكيم الرياضي للقيام بدور الإشراف على أعمال وتمويل محكمة التحكيم الرياضي عوضا عن اللجنة الأولمبية. ومن أهم التعديلات التي طرأت أيضا على القانون هو انشاء قسمين في هيكل المحكمة: يسمى القسم الأول بدائرة منازعات التحكيم العادي ويختص بالفصل في المنازعات الرياضية العادية وفقا لإجراءات التحكيم العادية، أما القسم الثاني فيسمى بالقسم الاستئنافي، ويختص بنظر المنازعات الرياضية المتعلقة بالقرارات التي تتخذها الاتحادات أو المؤسسات او المنظمات الرياضية. وقد تم اعتماد التعديلات والإصلاحات التي طرأت على قانون محكمة التحكيم من قبل اللجنة الأولمبية الدولية، ورابطة الاتحادات الرياضية الدولية للألعاب الأولمبية الصيفية، ورابطة اتحادات الرياضات الشتوية الدولية، واتحاد اللجان الأولمبية الوطنية بتاريخ 22 يونيو 1994 وبعد أن تم التوقيع على اتفاقية بهذا الخصوص والتي تعرف باسم اتفاقية باريس لعام 1994.
وقد أكّدت المحكمة الفدرالية السويسرية في أحد أحكامها الصادر في عام 2003، والذي كانت فيه اللجنة الأولمبية الدولية أحد أطرافه، على استقلالية محكمة التحكيم الرياضي في هيكلها الحالي عن اللجنة الأولمبية وبأنها لم تعد تابعة لها. ويعد هذا الحكم بمثابة الاعتراف بمكانة واستقلالية وصلاحيات محكمة التحكيم الرياضي في مجال التحكيم الرياضي.
ولقد اعترفت كافة الاتحادات الدولية وجميع اللجان الأولمبية المحلية والقارية باختصاص وولاية وصلاحيات محكمة التحكيم الرياضي في حل المنازعات الرياضية، حيث قامت تلك الاتحادات بتضمين اتفاق التحكيم في قوانينها ولوائحها لإحالة أي نزاع ينشأ فيما بينها والغير إلى التحكيم وفقا لإجراءات التحكيم المعمول بها في محكمة التحكيم الرياضي. بالإضافة إلى ذلك أجبرت الاتحادات الدولية الاتحادات المحلية التابعة لها على تضمين شرط التحكيم في لوائحها لتسوية أي نزاع في المجال الرياضي وفقا لإجراءات التحكيم المعمول بها في محكمة التحكيم الرياضي عوضا عن اللّجوء للقضاء الوطني.
وتخضع إجراءات التحكيم في محكمة التحكيم الرياضي لمدونة الرياضة المتعلق بالتحكيم المعمول بها في المحكمة. ويشترط لانعقاد الاختصاص التحكيمي للمحكمة وفقا لإجراءات التحكيم العادية أن يكون هناك اتفاق تحكيم بين الطرفين المتنازعين على تسوية أي نزاع قد ينشأ فيما بينهم من خلال التحكيم وفقا لقانون وإجراءات محكمة التحكيم الرياضي.
وتبدأ الإجراءات في هذا النوع غالبا بحث الأطراف المتنازعة على حل النزاع بالطرق الودية من خلال الوساطة، وإذا لم تثمر تلك الطرق إلى تسوية النزاع، فتبدأ عندئذ إجراءات التحكيم.
وهناك إجراءات أخرى للتحكيم في محكمة التحكيم الرياضي تعرف بإجراءات التحكيم الاستئنافي. وتنظم هذه الإجراءات تسوية المنازعات الخاصّة بالقرارات الصادرة عن الاتحادات والمنظّمات الرياضيّة الدولية والمحلية، شريطة أن تكون اللّوائح المعمول بها في تلك الاتحادات والمنظّمات الرياضيّة تجيز استئناف قراراتها أمام محكمة التحكيم الرياضي والتي لها صلاحيات إلغاء القرارات المُتظلّم منها كليًا أو جزئيًا أو استبدالها بقرارات جديدة.
وكما يوجد هناك أيضا إجراءات سريعة خاصة بالتحكيم الاستئنافي لتسوية المنازعات التي تحدث خلال الأحداث والفاعليات الرياضية الكبرى مثل بطولة كأس العالم الفيفا ودورات الألعاب الأولمبية، حيث تكون هناك لجنة من المحكمين في مكان الحدث وجاهزة لسماع أي نزاع يتعلق بالطعن في أي قرار تم اتخاذه من قبل الجهة المنظمة للحدث الرياضي، بل وإصدار الحكم فيه خلال 24 ساعة.
كذلك، تقدم محكمة التحكيم الرياضي فتاوى غير ملزمة بشأن بعض المسائل المتعلقة بالرياضة بناءً على طلب من اللجان الأولمبية الدولية أو الاتحادات الرياضية الدولية.
وتكون مدة التحكيم لإصدار الحكم المنهي للخصومة وفقا لإجراءات التحكيم العادية ما بين 6 إلى 12 شهرا، أما في حال التحكيم وفقا لإجراءات التحكيم الاستئنافي، فتكون مدة التحكيم لإصدار الحكم المنهي للخصومة خلال 3 أشهر من تاريخ إحالة ملف النزاع إلى هيئة التحكيم. ويكون لمحكمة التحكيم الرياضي أن تأمر باتخاذ التدابير الوقتية والتحفظية المناسبة للحفاظ على حقوق أحد الأطراف وذلك في الحالات التي قد تؤدي إلى وقوع ضرر لا يمكن تفاديه فيما بعد.
وقد ألزم الاتحاد الدولي لكرة القدم الفيفا الاتحادات الوطنية بإنشاء هيئات تحكيم وطنية تفصل في المنازعات الرياضية قبل اللجوء إلى محكمة التحكيم الرياضي، حيث تنص المادة (67/2) من النظام الأساسي للاتحاد الدولية لكرة القدم على أنه لا يجوز اللجوء لمحكمة التحكيم الرياضي إلا بعد استنفاد كافة طرق التسوية الداخلية.
وقد وضعت بعض الاتحادات الدولية آليات خاصة فيها لتسوية النزاعات الرياضة قبل إمكانية اللجوء إلى محكمة التحكيم الرياضي. فعلى سبيل المثال، فقد قام الاتحاد الدولي لكرة القدم الفيفا بإنشاء عدة لجان للفصل في المنازعات الرياضية المتعلقة بالاتحاد مثل: لجنة الانضباط ولجنة الاستئناف ولجنة الاخلاق وغرفة فض المنازعات.
ولقد نص النظام الأساسي للاتحاد القطري لكرة القدم على أن من شروط العضوية بالاتحاد هو إقرار واعتراف مقدم الطلب بهيئة التحكيم التابعة للاتحاد القطري في محكمة التحكيم الرياضية. ويستثني النظام الأساسي للاتحاد بعض النزاعات من عرضها على محكمة التحكيم الرياضي بصفتها الاستئنافية والتي تتعلق بالمخالفات لقوانين اللعبة أو الإيقاف لما يصل إلى أربع مباريات أو لما يصل إلى ثلاثة أشهر، أو بالنسبة إلى القرارات الصادرة من قبل هيئة تحكيم مستقلة ومشكلة بصورة صحيحة من قبل اتحاد أهلي أو اتحاد قاري.
وتجدر الإشارة إلى أنه قد تم إنشاء مؤسسة قطر للتحكيم الرياضي لتسوية المنازعات الرياضة الخاصة بكرة القدم عن طريق التحكيم والوساطة. وتتألف المؤسسة من قسم التحكيم العادي وتختص بالفصل في المنازعات الرياضية العادية، وقسم التحكيم بالاستئناف، وتختص بنظر قرارات الجهات الخاصة بلعبة كرة القدم شريطة ان تنص اللوائح الخاصة بتلك الجهات في الدولة.
وسوف تكون مؤسسة قطر للتحكيم الرياضي مقرا لهيئات ومحكمي محكمة التحكيم الرياضي خلال منافسات كأس العالم فيفا قطر 2022 التي تستضيفها دولة قطر بتاريخ 20 نوفمبر 2022.
وقد أبرمت مؤسسة قطر للتحكيم الرياضي مذكرة تفاهم مع محكمة قطر الدولية للتعاون وتبادل الخبرات واستخدام مرافق محكمة قطر الدولية لعقد الجلسات في القضايا الرياضية.
ونرى بأنه من الأهمية بمكان تعزيز الوعي القانوني لدى الرياضيين المحترفين والأندية الرياضية والاتحادات المحلية بالدور المهم الذي تقوم به محكمة التحكيم الرياضي لتسوية النزاعات الرياضية.
أهمية وعي المُستثمر بالتشريعات الناظمة للتداول
يُعدّ وعي المُستثمر بالقواعد والأحكام المنصوص عليها في تشريعات هيئة قطر للأسواق المالية أمراً بالغ الأهمية لضمان سلامة... اقرأ المزيد
1179
| 21 سبتمبر 2025
نحو عدالة متخصصة ومرنة
أصدر سعادة وزير التجارة والصناعة القرار رقم (39) لسنة 2025 بشأن القواعد والإجراءات المتبعة أمام المحكمة المدنية والتجارية... اقرأ المزيد
981
| 16 يونيو 2025
ستون عاماً على إنشاء مركز تسوية منازعات الاستثمار
جاءت فكرة إنشاء المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار بمبادرة من البنك الدولي إدراكا منه لأهمية إيجاد آلية قانونية... اقرأ المزيد
1317
| 03 يونيو 2025
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3417
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3123
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1218
| 01 أكتوبر 2026