رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تُرى لماذا يتركون خلفهم الدنيا بما حازت ليكونوا هناك في تعب، ونصب، لماذا يستعذبون ترك الترف، وحياة الدعة إلى حيث أيام قد لا يذوقون فيها طعم الراحة؟ لا يَعْرف جواب الأسئلة إلا من جرب ما هم فيه، ومر بما مروا به فعرف سعادة لا يعرفها إلا من ذاقها، بياض في القلب والملبس، وجهتهم جميعاً الله جل في علاه يغذون إليه السير حاملين أوزاراً، أو ذنوباً، أو تهاوناً، أو تسويفاً حتى مر العمر، لكن في قلوبهم شوق إلى الحبيب الذي لا يعاتب من جاءه، ولا يسأل عما فات، يغذون إليه السير وقد كان لهم في الدنيا أخلاء وعرفوا أن حبيب الدنيا يمكن أن يخون، ويبيع، وتغيره الأهواء، والظروف، والأحوال، وعرفوا أن أحبة الدنيا قد تربطهم مصالح، ومنافع فيزيد الحب كلما زاد ما يأخذونه، ويقل كلما نقص ما يصل إليهم، ويسمونه حباً!
عرف المسافرون إلى الحبيب أن العمر قصير قصير، اقصر من حلم، وأن العمر الحقيقي إلى حيث سنرحل طويل طويل بل أطول مما نتصور ولما عرفوا فاضلوا بين زائل وباق، ما بين ود مخلص ومتلون، وبين حبيب حبيب ودنيا مليئة بمدعي المحبة، وفاضهم خال حتى من حب أنفسهم، فاضلوا فسافروا إلى حبيب وده دائم، وحبه موصول، أبداً لا يتغير، ولا يتبدل، يعطي ولا يأخذ، من جميل عطائه قدرته أن ينقلنا في لحظة صدق منا من ذل المعصية إلى عز الطاعة، وفوقها عطايا كثيرة لمن ملأ قلوبهم حبه فيمموا القلوب قبل الوجوه إليه، يا سعد من سافروا إلى حبيب يسامح، ويغفر، ويصفح ويأخذ بالأيدي من الوهدات والوقعات، وطين الأرض ويقول تعال، هنيئاً لكل المسافرين إلى ربهم حبيبهم، حاجين لكعبته يملأ قلوبهم أمل وجل في عفو الحبيب الذي علمنا أنه لدعاء التائبين الأوابين مجيب.
طبقات فوق الهمس
* حدائق، ومشاتل، وأزهار، وبساتين، وعطر لا يضيع، كل ذلك ما سطره (ابن القيم) ليعيش أزمنة، وقد سرني في جلسة تأمل بعيدة عن ضوضاء الخلق وكدرهم ما قرأت واقتطفت من تلك الحدائق البديعة.
يقول (ابن القيم):
* إن دور الجنة تبنى بالذكر، فإذا أمسك الذاكر عن الذكر أمسكت الملائكة عن البناء.
* المخلوق إذا خفته استوحشت منه وهربت منه، والرب إذا خفته آنست به، وقربت إليه. (آه كم ننسى)!
* لماذا الظلمات جمع والنور مفرد؟ لأن طريق الحق واحد وطريق الباطل متعددة.
* ليس العجب من مملوك يتذلل لله ويتعبد ولا يمل من خدمته مع حاجته إليه، إنما العجب من مالك يتحبب إلى مملوك بصنوف إنعامه وإحسانه مع غناه عنه.
* من كمال فطنة العبد ومعرفته أن يعلم أنه إذا مسه الله بسوء لم يدفعه غيره، وإذا ناله بنعمة لم يرزقه إياها سواه.
* وقد تستهوينا مجالسة المستهترين، أو محبي (العجر) أو لاعبي الورق، أو مدمني المخدرات والشيشة أو المغيبين بعالمهم المبهرج، وربما قلنا (معاهم بنتسلى) لكن ابن القيم يقول: مجالسة الصالحين تحولك من ستة إلى ستة، من الشك إلى اليقين، ومن الرياء إلى الإخلاص، ومن الغفلة إلى الذكر، ومن الرغبة في الدنيا إلى الرغبة في الآخرة، ومن الكبر إلى التواضع، ومن سوء النية إلى النصيحة.
* قال بعض أحبار إسرائيل يارب كم أعصيك ولا تعاقبني، فقيل له كم أعاقبك وأنت لا تدري أليس قد حرمتك حلاوة مناجاتي؟
* انتهى كلام (ابن القيم) البديع لأقف الآن ونحن في العشر من ذي الحجة مع كل من حُرم المناجاة، كان يصلي فترك الصلاة، كان يقوم الليل ثم تكاسل، كان يحفظ القرآن ثم مل ليدور مع عجلة الدنيا الفارغة، مهم أن نعي أننا نعاقب بترك أجمل ما كان فينا، إن كنا لا نعلم فتلك مصيبة، وإن كنا نعلم فالمصيبة أعظم!!
جزاؤه كجزاء سنمار
* قد تكون من الذين لا يهنأ لهم بال، ولا يستشعرون الراحة إلا بفك كرب المكروبين، أو بقضاء حاجة محزون، أو مكروب، أو مظلوم، أو مأزوم، قد تكون من الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان لهم ألف حاجة، المهم ألا ترى دمعة إنسان توجعه، كان يجتهد بأي عمل يدفع عنه وحشة القبر وكروبه فيتحمل مشاق كثيرة قد تكون أحياناً فوق طاقته، أنا أعرف واحداً من هؤلاء كان حبه متطرفاً لا يستريح ولا يهدأ إلا وقد احتضن قلبه هم أحد المهمومين حالما بتفريج كربته بصفاء النية وعون الخالق حتى صدم بمن يخذله بعد جميل صنيعه الذي وفقه الله فيه وما كان يبغي شكراً ولا ثناءً، قال له المحيطون به (جزاؤك كجزاء سنمار) ولأني سمعت المثل كثيراً دفعني الفضول لمعرفة حكاية (سنمار) فوجدت أنه مهندس آرامي من سكان العراق، وينسب له بناء قصر (الخورنق) الشهير وكان إبداعاً أسطورياً، وعندما انتهى من تشييد القصر قال للملك النعمان ملك العرب وصاحب القصر إن في القصر (آجره) يعني (طوبة) لو زالت من مكانها لسقط القصر كله، سأله النعمان هل يعرف مكان تلك (الآجره) غيرك؟ فلما كان جواب سنمار ألا أحد يعرفها غيري أمر النعمان رجاله بإلقاء سنمار من فوق القصر فقال وهو يلفظ أنفاسه (جزاني لا جزاه الله خيراً إن النعمان شراً جزاني رصصت بنيانه عشرين حجه فلما أتممته منه رماني، وصار سنمار مثلا يضرب لمن يقدم خيراً، أو يبذل وفاءً فيدق عنقه! تلفتوا يا سادة فقد يكون بينكم (سنمار) أحب، واخلص، ووفى، ومن العار أن يغتال، تلفتوا.
آخر الكلام
حتى الصداقة تحسد احترسوا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليست الإجازة الصيفية مجرد أيام تُطوى بعيداً عن الدراسة، وليست فترة فراغ تُستهلك بين النوم الطويل والشاشات الممتدة وساعات الانتظار، في الحقيقة هي موسم استثنائي لصناعة الشخصية، وفرصة ثمينة لإعادة اكتشاف المواهب وتنمية القدرات وبناء القيم التي قد لا تجد المساحة الكافية خلال العام الدراسي. ولهذا السبب تحرص الدولة، من خلال مؤسساتها وهيئاتها ومراكزها المتخصصة، على تقديم عشرات البرامج والأنشطة والفعاليات التي تستهدف مختلف الفئات العمرية، وتراعي احتياجات الأبناء والبنات، وتمنحهم بيئة آمنة ومفيدة تجمع بين المتعة والفائدة. لقد بذلت الجهات المعنية في الدولة من وزارات ومؤسسات ومراكز وجمعيات جهوداً كبيرة في تصميم برامج صيفية متنوعة تشمل المجالات الثقافية والعلمية والرياضية والفنية والتطوعية والتقنية، مع مراعاة أن تكون في متناول الأسر من حيث التكلفة والوقت والمكان. كما رُوعي أن تتمكن أكبر شريحة ممكنة من أفراد المجتمع من الاستفادة منها، وأن تكون الأعباء المالية محدودة بحيث لا تشكل عائقاً أمام مشاركة الأبناء. ولذلك لم يعد هناك مبرر حقيقي لترك الأبناء أسرى الفراغ أو رهن ساعات طويلة أمام الأجهزة الإلكترونية، بينما تتوافر أمامهم فرص حقيقية للتعلم والنمو واكتساب الخبرات. إن مشاركة الأبناء في الأنشطة الصيفية ليست ترفاً، بل استثمار طويل الأمد في مستقبلهم. فكل مهارة يتعلمها الطفل اليوم قد تتحول غداً إلى موهبة متميزة أو مشروع ناجح أو مسار مهني واعد. وكل قيمة إيجابية يكتسبها من خلال العمل الجماعي أو التطوع أو تحمل المسؤولية سترافقه طوال حياته. كما أن هذه البرامج تسهم في تعزيز الثقة بالنفس، وتنمية مهارات التواصل، وترسيخ روح المبادرة والاعتماد على الذات. ومن المؤسف أن ينظر بعض أولياء الأمور إلى هذه الأنشطة على أنها مجرد وسائل لملء الوقت، بينما هي في الواقع أدوات تربوية وتعليمية متقدمة. فالدول المتقدمة تدرك أن بناء الإنسان لا يقتصر على التعليم النظامي داخل المدارس، بل يمتد إلى كل تجربة تثري الفكر وتصقل الشخصية. ولذلك تستثمر كثير من المجتمعات الناجحة في برامج النشء والشباب خلال الإجازات الصيفية بمبالغ وجهود كبيرة، إدراكاً منها أن الطالب في هذه الفترة يكون أكثر استعداداً للتجربة والاكتشاف، وأكثر تقبلاً للتعلم عندما يُقدم له بأسلوب تفاعلي ممتع بعيد عن ضغوط الاختبارات والواجبات. والجميل في الأنشطة الصيفية الحديثة أنها لم تعد تقدم المعرفة بصورة تقليدية جامدة، بل أصبحت تمزج بين الترفيه والتعليم بطريقة احترافية تجعل الأبناء يتعلمون وهم يستمتعون. فالطفل قد يكتسب مهارات القيادة من خلال لعبة جماعية، ويتعلم مبادئ البرمجة عبر ورشة تفاعلية، ويكتشف أهمية العمل التطوعي من خلال مبادرة مجتمعية، وكل ذلك في أجواء محفزة وممتعة. إن المسؤولية اليوم لا تقع على الجهات المنظمة وحدها، بل تبدأ من الأسرة التي تملك القرار الأول في توجيه أبنائها نحو الاستفادة من هذه الفرص. فكما نحرص على نجاح أبنائنا الدراسي، يجب أن نحرص على بناء شخصياتهم وتنمية مهاراتهم واستثمار أوقاتهم فيما يعود عليهم بالنفع. الإجازة الصيفية ستمضي سريعاً، لكن أثرها قد يبقى سنوات طويلة. وبين صيف يضيع في الفراغ وصيف يُبنى فيه الإنسان، يكمن الفرق بين وقت مستهلك ووقت مستثمر. والقرار في النهاية يبدأ من الأسرة، لأنها الشريك الأول في صناعة جيل أكثر وعياً وقدرةً وإسهاماً في خدمة وطنه ومجتمعه.
5466
| 07 يوليو 2026
لم يكن إغلاق مضيق هرمز مجرد أزمة جيوسياسية عابرة، بل كان اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدول على حماية اقتصاداتها، وقدرة الشركات على مواصلة أعمالها في واحدة من أكثر البيئات التجارية حساسية في العالم. فهذا الممر البحري لا يمثل فقط شريانًا رئيسيًا لتجارة النفط والغاز، وإنما يعد أحد أهم الممرات التجارية في العالم، إذ تعتمد عليه حركة جزء كبير من الواردات والصادرات التي تغذي اقتصادات دول الخليج وتؤمن احتياجاتها من المواد الخام والسلع ومستلزمات الإنتاج. نجاح الدولة... وتحديات القطاع الخاص خلال تلك المرحلة أثبتت دولة قطر جاهزية عالية في إدارة الموقف، فلم تشهد الأسواق المحلية نقصًا في السلع الأساسية، واستمرت حركة التجارة بصورة مطمئنة، ونجحت الجهات المعنية في الحد من أي آثار مباشرة على المستهلك. ويعكس ذلك نجاح الاستثمارات في الأمن الغذائي، وتطوير الموانئ، وتعزيز البنية التحتية، وتنويع مصادر الاستيراد، وبناء منظومة متقدمة لإدارة الأزمات. ومع ذلك، فإن نجاح الاقتصاد الكلي لا يعني بالضرورة أن جميع الشركات خرجت دون خسائر. فالاقتصاد قد يحافظ على استقراره العام، بينما تتحمل بعض الشركات تكاليف إضافية وضغوطًا تشغيلية نتيجة ظروف خارجة عن إرادتها. من تضرر فعلاً؟ هل قامت جهة رسمية بحصر الشركات القطرية التي تأثرت بصورة مباشرة من إغلاق مضيق هرمز؟ وهل نملك اليوم صورة واضحة لحجم تلك الأضرار وطبيعتها؟ لقد واجهت بعض شركات الاستيراد ارتفاعًا في تكاليف الشحن، كما ارتفعت أقساط التأمين البحري، واضطرت بعض الشركات إلى تغيير مسارات النقل أو الاعتماد على وسائل أكثر كلفة. كما تأثرت بعض المنشآت الصناعية التي تعتمد على استيراد المواد الخام أو المكونات التشغيلية. أما قطاع المقاولات، فمن أكثر القطاعات حساسية لأي اضطراب في سلاسل الإمداد. فكثير من المشاريع تعتمد على استيراد الرخام، والسيراميك، والأدوات الصحية، وأنظمة التكييف، والمصاعد، والواجهات الزجاجية، والألومنيوم، ومواد العزل، ومواد التشطيبات المختلفة، وأي تأخير في وصولها قد ينعكس مباشرة على الجدول الزمني للمشروعات ويرفع تكلفة التنفيذ ويؤثر في التدفقات النقدية. كما امتد التأثير إلى شركات الخدمات اللوجستية والنقل، بينما واجه قطاع الضيافة ضغوطًا إضافية، خصوصًا المنشآت التي تتحمل رسومًا خدمية ثابتة كما هو الحال في عدد من المشروعات بمدينة لوسيل. أما الشركات الصغيرة والمتوسطة فهي غالبًا الأقل قدرة على امتصاص الصدمات. الحصر قبل الدعم إن الخطوة الأولى ليست تقديم الدعم، وإنما حصر الأضرار بصورة دقيقة وبناء قاعدة بيانات وطنية توثق حجم الضرر ونوعه ومدى ارتباطه المباشر بالظروف الاستثنائية. ولا تقتصر أهمية هذا الحصر على تقدير حجم الضرر، بل تمتد إلى بناء قاعدة بيانات تساعد في سرعة اتخاذ القرار إذا واجه الاقتصاد ظروفًا مشابهة مستقبلاً. ما شكل المساندة؟ إذا اتفقنا على أن الحصر هو البداية، فإن الخطوة التالية هي إنشاء آلية مؤسسية تضم الجهات الاقتصادية والمالية ذات العلاقة، تتولى تقييم الطلبات وفق معايير واضحة وشفافة. ويمكن إطلاق منصة إلكترونية تستقبل طلبات الشركات المتضررة مدعومة بالمستندات التي تثبت طبيعة الضرر. وبعد دراسة الطلبات، يمكن تصنيف الشركات وفق حجم الضرر بما يضمن توجيه أي مساندة إلى مستحقيها. ولا يشترط أن تكون المساندة في صورة تعويضات مالية مباشرة، فقد تشمل تأجيل بعض الرسوم الحكومية، أو إعادة جدولة الالتزامات المالية، أو منح تسهيلات ائتمانية، أو توفير ضمانات حكومية للقروض التشغيلية، أو منح مرونة في تنفيذ العقود الحكومية عندما تثبت الظروف القاهرة. كما قد يكون من المناسب دراسة منح بعض المنشآت الفندقية التي يثبت تضررها مرونة في بعض الالتزامات الثابتة، بما في ذلك الرسوم الخدمية أو مواعيد استحقاقها. الاستعداد للأزمة القادمة المسؤولية لا تقع على عاتق الحكومة وحدها، فالقطاع الخاص أيضًا مطالب بتعزيز جاهزيته من خلال تنويع الموردين، وزيادة المخزون الاستراتيجي، ووضع خطط لاستمرارية الأعمال، إلى جانب تعزيز التعاون مع الجهات الحكومية لتسريع معالجة التحديات عند وقوعها. ولا يهدف هذا الطرح إلى معالجة أزمة انتهت فحسب، بل إلى الاستفادة من دروسها لبناء منظومة أكثر قدرة على مواجهة الأزمات المستقبلية. فكل أزمة تحمل معها فرصة لمراجعة السياسات، وتطوير الأدوات، وتعزيز جاهزية الاقتصاد الوطني والقطاع الخاص. إن قوة الاقتصاد لا تُقاس فقط بقدرته على تجاوز الأزمات، بل بقدرته على التعلم منها والاستعداد لما بعدها. وإذا كانت قطر قد نجحت في إدارة أزمة مضيق هرمز بكفاءة عالية، فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تكون فرصة لترسيخ نموذج اقتصادي أكثر مرونة، يقوم على الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، وعلى التخطيط الاستباقي، وعلى بناء منظومة مؤسسية قادرة على رصد آثار الأزمات واحتوائها. فحماية الشركات المتضررة ليست حماية لأصحابها وحدهم، بل هي حماية للاستثمار، وللاقتصاد، ولسوق العمل، ولمسيرة التنمية. وعندما ننجح في تحويل تجربة صعبة إلى فرصة لتطوير السياسات ورفع الجاهزية، فإننا لا نكون قد تجاوزنا مرحلة استثنائية فحسب، بل نكون قد وضعنا أساسًا أكثر قوة وصلابة لمواجهة الأزمات المستقبلية بثقة أكبر، واقتصاد أكثر مرونة، وقطاع خاص أكثر قدرة على الاستمرار والنمو.
4026
| 04 يوليو 2026
قدَّم منتخب الرأس الأخضر في مواجهته أمام الأرجنتين نموذجًا كرويًا يتجاوز القراءة التقليدية لمعادلة القوة في كرة القدم، حيث لم يعد الاسم أو الإرث التاريخي معيارًا حاسمًا لتحديد ملامح التفوق، بل أصبحت التفاصيل الدقيقة داخل المستطيل الأخضر هي التي تعيد تشكيل موازين الهيبة بين المنتخبات. لقد دخل الرأس الأخضر اللقاء بعقلية لا تكتفي بردّ الفعل، بل تسعى إلى فرض وجودها كقيمة تنافسية قائمة بذاتها. انضباط يتجاوز الشكل التكتيكي إلى وعيٍ جماعي بكيفية إدارة مجريات المباراة، حيث بدا الفريق وكأنه يتحرك كوحدة واحدة تُدرك بدقة متى تهاجم ومتى تُحسن التمركز، ومتى تُعيد ضبط إيقاعها أمام ضغط خصم يملك خبرة وتاريخًا وثقلاً عالميًا. وفي هذا السياق، لم تكن المواجهة مجرد اختبار فني، بل امتحانًا ذهنيًا أمام أحد أكثر المنتخبات اكتمالًا في كرة القدم الحديثة. فالأرجنتين، رغم تفوقها الفردي، وجدت نفسها أمام خصم لا يمنحها لحظات راحة، ويجبرها على التعامل مع كل تفصيلة في المباراة بجدية كاملة، وكأنها مواجهة مفتوحة حتى اللحظة الأخيرة. ما قدمه الرأس الأخضر في هذه المواجهة لا يُختزل في أداء لحظي، بل في نموذج سلوكي يعكس أن الهيبة ليست قيمة ثابتة في كرة القدم، بل بناء نفسي يتغير وفق طريقة استقباله من الطرف الآخر. فعندما يُلغى هذا البناء من الوعي، تتغير طبيعة المباراة نفسها. ورغم الخروج من البطولة، فإن الأثر الذي يتركه هذا النوع من الأداء يتجاوز حدود المنافسة اللحظية، ليصبح جزءًا من الذاكرة الكروية التي تُنصف الفرق التي تُجيد صناعة صورتها داخل الملعب حتى في لحظات الخسارة. كلمة أخيرة: قدّم منتخب الرأس الأخضر درسًا مباشرًا للمنتخبات التي تفتقر إلى الشجاعة داخل الملعب، إذ يثبت أن الجرأة المنضبطة والوعي الجماعي ليسا مجرد أدوات تكتيكية، بل قوة قادرة على قلب موازين المواجهة، وكسر الفوارق مع المنتخبات الكبرى، وفرض الندية الحقيقية بعيدًا عن سطوة الاسم أو التاريخ.
1446
| 05 يوليو 2026