رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في يوم من أيام رمضان سقط 64 قتيلاً في كلٍ من الكويت وتونس، بينما جُرح 227 شخصاً في حادث الاعتداء الانتحاري على مسجد الإمام الصادق في دولة الكويت يوم الجمعة الماضي.
تفجير الكويت كان عبرَ شخص يتمنطقُ حزاماً ناسفاً شوهد – عبر كاميرات المسجد – هو يدخل ويبدو جسمه العلوي مُتخماً بالمتفجرات. بينما كان "بطل" حادثة فندق تونس - في سوسة شرقي تونس – طالباً تونسياً أردى مجموعة من السياح بواسطة رشاش وقد تسلل مع مجموعة من خلف الفندق.
بالطبع، فإن مسلسل القتل – في نفس اليوم – طال أكثر من مكان، فقط سقط 45 قتيلاً في الصومال إثر هجوم شنته حركة الشباب الصومالية المتمردة على جنود حفظ السلام الدولية. كما قُتل شخص في هجوم إرهابي على مصنع غاز في مدينة ليون الفرنسية، وكان المهاجم يرفع علم (داعش)، وُجدت جثة الرجل مقطوعة الرأس، وحولها كتابات باللغة العربية. كما قتُل 20 شخصاً في كردفان بالسودان، وقُتل 145 مدنياً في كوباني، إثر تجدد المعارك في درعا وريف دمشق، وقُتل أيضاً 20 شخصاً من قوات الأسد في الحسكة إثر هجوم انتحاري من قبل عناصر (داعش).
نحن في الخليج لم نألف هذه الروح الشريرة التي تطال المدنيين الآمنين، ولم يسبق لآبائنا وأجدادنا أن شهدوا تفجيرات في دور العبادة وفي رمضان بالذات. وهو الشهر الحرام، وأيضاً قتل النفس التي حرّم الله بدون حق !؟ وإذا ما كانت العصبية المذهبية مؤججاً وقادحاً لمثل هذه العمليات، فلقد عاشَ السنة والشيعة مئات السنين في هذه المنطقة لم يجمعهم إلا الاحترام والمحبة، ولم يحدث ما يُعكر صفو أبناء البلد الواحد. فما الذي حدث ؟ وكيف يُقبل الشباب على تفجير أنفسهم وهو في ريعان العمر؟ ولماذا ينظمُون إلى جبهات انتحارية تسلبهم نعمة الحياة ؟ وما هي الدوافع؟
1-نحن نعتقد أن خطاب الكراهية الذي تم تضمينه في الخطاب الدعوي من أهم مُسببات التوجهات الانحرافية في التفكير أو الانضمام إلى الحركات الجهادية أو المتطرفة مثل (القاعدة) و (داعش). ولقد أخبرني صديق خلال مناقشة هذا الموضوع بأنه عمل في بلد خليجي، وكانت تصلهم برشورات قربَ موسم الصيف تدعو الناس إلى عدم تحية "الكفار" أو الشراء منهم، وعدم مشاركتهم أفراحهم، وعدم الابتسام لهم، وأن يضمر المسلم ما لا يُظهر، وغيرها من التعليمات للمسافرين إلى أوروبا بالذات. وهذا التوجه أَضّر كثيراً بعلاقة المسلمين مع الآخر، وبنى عليها المسلمون – محدودو الفكر والتفكير- مواقف استعدت عليهم الأمم الأخرى التي تؤمن بالعدالة والديمقراطية وحقوق الإنسان !؟ وبذلك برزت الصورة "النمطية" للمسلم في عقول الناس وفي وسائل الإعلام الغربية والأمريكية.
2- إن حالة اليأس والإحباط التي عانى منها الشاب – في بعض دول المنطقة – كانت مُحفزاً رئيسياً لهؤلاء الشباب في "تصديق" دعاوى الإرهاب، عبر الوعود الذهبية، مثل الجنة وحور العين، ولاحظوا أن التركيز على (حور العين) من الأمور التي اجتذبت هؤلاء الشباب الذي يعانون الحرمان داخل مجتمعاتهم، وعدم تمكنهم من حتى رؤية الجنس الآخر أو حتى الاقتراب منه!؟ وهذه نتيجة حتمية للتوجهات المتشددة – التي لا تعترف بالاعتدال –والتي حرّفت الدينَ الحنيف ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا)، وقوّضت الدعائم الأساسية لسماحة الدين ورحابته لقبول تلك الأفكار (لكم دينكم ولي دين).
3-غياب العدالة الاجتماعية في بعض دول المنطقة، وتغييب الانتصار للوطن أو الأمة. وكان من نتائج هذا الغياب غيابُ مبدأ تكافؤ الفرص، وشيوع المحسوبية، وعدم عدالة التعيين، وإقصاء الكفاءات، خصوصاً ذات العمق الضعيف في المجتمع. وهذا أدى إلى تدني الإنتاجية، وشيوع الفساد، وغلبة "الفزعة" والانتصار للشخص ( أنا وابن عمي على الغريب)، وهو ما شطرَ المجتمعات وألهاها عن الوحدة الوطنية، بل والشعور بالانتماء للوطن.
4- غياب الحريات العامة في بعض دول المنطقة، وإحساس المواطن بالاختناق من صرامة القوانين أو التعليمات غير المشرعة التي تضع المواطن دوماً في خانة "الاتهام" وأنه يعيش داخل سجن كبير دونما حقوق، ودونما اعتبار للحريات العامة. وهذا يؤدي إلى الإحساس بـ (الاغتراب) المجتمعي والثقافي، مما يُسهل على الجهات المتطرفة اختراقَه، وبالتالي تجنيدَه في عمليات انتحارية.
5- وجود التُّهم الجاهزة في بعض الدول؛ والتي أفرزتها الحالات الأمنية المتلاحقة، وحدوث "سُعار أمني"، يغّلب الشكَّ على اليقين، ويُشيعُ حالة من الخوف والرهبة حتى بين المواطنين المخلصين والمنتجين، فيلجَأون إلى التراخي أو العبور إلى الهوامش خوفاً من حالات "الاشتباه" التي أحياناً تؤدي إلى القضاء على مستقبل المواطن، في الوقت الذي تضيّق عليه مساحة الدفاع عن نفسه ، وهو بالطبع لا يستطيع مقارعة الدولة.
6- لا نختلف على أن ما يجري على الساحة العربية من اغتيالات وحالات انتحارية إنما مصدرها اختلاف المذاهب، خصوصاً بين السنة والشيعة! وللأسف لم تتمكن العقلية العربية الإسلامية الخروج من هذه الأزمة حتى بعد مرور 15 قرناً من الزمان. بل إن الزعامات الدينية ورموزها قد ساهمت في تعزيز وتوطيد تلك الاختلافات على مرِّ العصور، وتبادل الاتهامات والسباب والألقاب المُحقّرةِ بين الطرفين. وهذا ولّدَ حالة من الكراهية تحوّلت إلى العنف بمجرد وصول طرفٍ من الأطراف إلى السلطة – مثل الحالة العراقية واليمنية – أو حصول مجموعات متطرفة على دعم لوجيستي خارجي – مثل القاعدة وداعش وحزب الله وغيرها – ومبادرتها في إعلان الحرب على مناوئيها.
نحن في منطقة الخليج يهمنا أن تبقى دولنا في منأى عن الأفكار الشاردة، والأحقاد الغاضبة، وأن يتعاضد المواطنون بكافة فئاتهم ومذاهبهم نحو مواجهة المخطط الإرهابي الذي يريد الإطاحة بنعمة الله علينا في هذه المنطقة وهي نعمة الأمن. وأن يتم تحويل خطاب الكراهية إلى خطاب تسامح، ورفض الدعوات التي ترفض الآخر، بل وتعديل بعض القوانين التي لا تخدم الوحدة الوطنية، أو تُبرز التفاضل بين أبناء الوطن الواحد. كما يجب توجيه الإعلام ليكون أكثر انفتاحاً على قبول الآخر، ورفض الدعوات الانفصالية، التفضيلية، الإقصائية، التي نراها يومياً على بعض الفضائيات العربية ، خصوصاً الدينية منها.
وأخيراً نقدّم التعازي لإخواننا في دولة الكويت وفي تونس على مصابهم الجَلل، وندعو المولى القدير أن ينعم علينا جميعاً بالأمن والأمان، وأن نساعد الجهات المختصة للقيام بدورها في دعم هذا الأمن، وحماية المجتمع من أية شرور، والقضاء على مسبباتها.
الأبعاد الثقافية للحروب
تُعدّ الثقافة أو نمط الحياة من أهم المؤسسات الاجتماعية التي تُشكّل المجتمع. وتوجد علاقة معقّدة بين الثقافة وخاصةً... اقرأ المزيد
33
| 30 مارس 2026
من يملك الإعمار
كلما ازداد الدمار وكلما اتسعت رقعة الدمار وطال زمان الدمار كان هاجس إعادة الإعمار حاضراً بقوة في أذهان... اقرأ المزيد
36
| 30 مارس 2026
الإعلام.. حين تختلط الحقيقة بالدعاية
لا تأتي الأزمات اليوم فقط من الحدود، بل تصل أيضًا عبر الشاشات والهواتف، في صيغة خبرٍ سريع أو... اقرأ المزيد
24
| 30 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
مع تفاقم التوترات الإقليمية إلى صراع عسكري محتمل يضم الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران، سيكون الاقتصاد العالمي معرضًا لصدمة عميقة قد تعيد تشكيل ملامحه على المدى القريب والبعيد، نظرًا للمكانة الحيوية التي تحتلها منطقة الخليج في منظومة الطاقة العالمية. وتتضاعف خطورة هذا السيناريو في حال اقترن بإغلاق مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز، ما يجعله عنصرًا حاسمًا في استقرار الأسواق الدولية. تتمثل أولى التداعيات في الارتفاع الحاد في أسعار النفط نتيجة اختلال التوازن بين العرض والطلب، وهو ما سينعكس بشكل مباشر على تكاليف الإنتاج والنقل عالميًا. ومن ثمَّ، ستشهد الأسواق موجة تضخمية واسعة، تؤثر في القدرة الشرائية للأفراد وتزيد من الأعباء على الحكومات. وفي هذا السياق، أرى أن تأثير ارتفاع أسعار الطاقة لن يكون مرحليًا فقط، بل قد يمتد ليُحدث تغيرات هيكلية في سياسات الطاقة لدى العديد من الدول. كما ستتعرض سلاسل الإمداد العالمية لاضطرابات ملحوظة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، إضافة إلى المخاطر الأمنية المرتبطة بحركة الملاحة في المنطقة. هذا الاضطراب سيؤدي إلى تباطؤ التجارة الدولية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، مما ينعكس سلبًا على استقرار الأسواق. ومن وجهة نظري، فإن التأثير الأكثر خطورة لا يكمن فقط في تعطّل الإمدادات، بل في حالة عدم اليقين التي ستدفع الشركات إلى تقليص استثماراتها، وهو ما يضعف النمو الاقتصادي العالمي بشكل تدريجي. ومن جانب آخر، ستواجه البنوك المركزية تحديًا معقدًا يتمثل في تحقيق التوازن بين كبح التضخم والحفاظ على النمو. فرفع أسعار الفائدة قد يحد من التضخم، لكنه في الوقت ذاته قد يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي. وفي هذا الإطار، أرى أن احتمالية دخول بعض الاقتصادات في حالة ركود تضخمي تبقى مرتفعة، خاصة في الدول النامية التي تعتمد على استيراد الطاقة بشكل كبير. أما الأسواق المالية، فمن المرجح أن تشهد تقلبات حادة نتيجة توجه المستثمرين نحو الأصول الآمنة، مثل الذهب والعملات المستقرة. وسيؤدي ذلك إلى خروج رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة، مما يزيد من الضغوط الاقتصادية عليها. ومن وجهة نظري، فإن هذه التحركات تعكس حساسية الأسواق العالمية تجاه الأزمات الجيوسياسية، ومدى ارتباطها بحالة الاستقرار الدولي. في ضوء هذه المعطيات، أرى أن احتمال لجوء إيران إلى استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط إستراتيجية يظل قائمًا، خاصة في حال تصاعد الصراع إلى مواجهة مباشرة. ومع ذلك، أتوقع أن يكون أي إغلاق محتمل محدودًا من حيث المدة، نتيجة التدخل الدولي السريع لإعادة فتح هذا الممر الحيوي. كما أرى أن التأثيرات الاقتصادية للحرب لن تكون متساوية بين الدول؛ إذ ستتحمل الدول المستوردة للطاقة العبء الأكبر، في حين قد تحقق الدول المصدرة مكاسب مؤقتة. إلا أنني أتوقع أن هذه المكاسب ستكون قصيرة الأمد، نظرًا لتأثير تباطؤ الاقتصاد العالمي على مستويات الطلب. ومن وجهة نظري، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في تصعيد محدود ومواجهات غير مباشرة بدلًا من حرب شاملة طويلة الأمد، وذلك بسبب إدراك الأطراف المختلفة لحجم الخسائر الاقتصادية المحتملة. ومع ذلك، أرى أن مجرد التهديد بإغلاق المضيق أو حدوث اضطرابات جزئية فيه سيكون كافيًا لإحداث تأثيرات كبيرة في الأسواق العالمية، سواء من حيث ارتفاع الأسعار أو تراجع ثقة المستثمرين. كلمة أخيرة أرى أن هذه الأزمة، في حال وقوعها، قد تسهم في تسريع التحولات الهيكلية في الاقتصاد العالمي، خاصة فيما يتعلق بتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة. ومن وجهة نظري، فإن العالم قد يتجه نحو إعادة تشكيل خريطة النفوذ الاقتصادي، بحيث تزداد أهمية الدول القادرة على تأمين إمدادات مستقرة، وهو ما يعكس الترابط العميق بين الأمن الجيوسياسي والاستقرار الاقتصادي.
2436
| 26 مارس 2026
في الليلة الماضية قررتُ أن أذهب صباحًا إلى راس لفان، فلم أنم. لا لأن النوم جافاني، بل لأن القلب كان يعدّ الساعات كما يعدّها المشتاق، وكما يعدّها من طال به الغياب عمّن يحب. لقد أخّر رمضان اللقاء، وأخّره الجرح، وكلما تأخّر اشتدّ الشوق حتى غدا وجعًا من نوعٍ آخر. ثم استيقظتُ على صوت الرعد والمطر. كان وقعُه في البدء كأزيز طائراتٍ في الأفق، ثم ما لبث أن انساب رذاذًا وانهمر غيثًا. وفي ثقافتنا، المطر فألُ خيرٍ وبشارةُ حياة؛ فكيف إذا جاء في اليوم الذي تقرر فيه اللقاء بالحبيب؟ وانطلقتُ، والمطر يرسم على جانبي الطريق تجمعاتِ الماء في صحرائنا الجميلة، ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال، كأن الأرض تستقبل الغيث بالشوق نفسه الذي كنتُ أستقبل به هذا اليوم. والطريق إلى راس لفان واسعٌ جميل، نموذجٌ لما بنيناه في هذه البلاد من بنيةٍ تحتيةٍ تليق بوطنٍ عرف كيف يحوّل النعمة إلى حضارة. كم مررتُ بهذا الطريق من قبل، فلم أره طويلًا؛ أما هذه المرة، فقد بدا أطول مما ينبغي، لا لعيبٍ فيه، بل لأن قلبي كان قد سبقني إليه، وكنتُ ألحق به على مهل. وحين لاحَت راس لفان من بعيد، كدتُ أقفز من الفرح؛ لم يبقَ إلا دقائق، لم يبقَ إلا خطوات. وقفتُ على الشاطئ، وتطلعتُ إلى الأفق، حيث كان طابورُ الناقلات ينتظر دوره في صمتٍ مهيب، تلك السفن التي طالما رأيتُها تمضي ملأى وتعود فارغة، تحمل إلى العالم غازًا يتحول في أصقاع الأرض إلى نورٍ ودفءٍ وحياة. لكن الطابور كان أقصر مما اعتدتُ، وكأن المسافات بين الناقلات قد تنفّست بحزن. عندها غلبتني الدمعة؛ لا ضعفًا، بل لأن من يحب يرى ما لا يراه غيره، ومن اعتاد أن يرى الحبيب في عافيته، يتألم حين يراه جريحًا يصبر على جرحه وينتظر الشفاء. وتذكّرتُ.. تذكّرتُ الثمانينيات، يوم كنتُ سفيرًا لبلادي في باريس، حين قررت قطر استخراج الغاز من باطن هذه الأرض. لم يكن القرار سهلًا، وكانت أصواتٌ كثيرة تقول إن الغاز غيرُ مُجدٍ، وإن استخراجه مغامرةٌ مكلفة، حتى إن شركة « Bp « الإنجليزية تراجعت عن المشاركة لعدم قناعتها بجدواه، لتحلّ محلّها «توتال» الفرنسية، التي رأت أبعد وأدركت مبكرًا ما سيصير إليه المستقبل. غير أن القيادة الشجاعة لا تعرف التردد حين تعرف وجهتها؛ فكان القرار، وكان النجاح، وكانت راس لفان شاهدًا على إرادة وطنٍ قرر أن يبني لا أن ينتظر. وهذه الإرادة ذاتها، والقيادة ذاتها، هي التي ستعيد إلى راس لفان عافيتها، مدعومةً بشبابٍ عرفتهم وعرفت مشاعرهم؛ شبابِ الطاقة، المؤسسين منهم والحاليين. أعرف كم تألموا لهذه الطعنة، وكم احترق الجرح في صدورهم، لكنهم لم يفقدوا الثقة، ولن يفقدوها، لأن ما بُني على الإرادة لا يهده الغدر. وهنا يتوقف القلم ليقول ما يصعب قوله. فالجار في ديننا ليس مجرد من يسكن بجوارك، بل هو أمانةٌ في عنقك وحقٌّ واجبٌ عليك، حتى أوصى به النبي ﷺ وصيةً جعلت الصحابة يظنون أنه سيجعله وارثًا. فإذا جاء الأذى من جارٍ ومسلم، تضاعف الجرح؛ لأنه لا يطعن المكان وحده، بل يطعن القيمة، ويمسّ الميثاق الذي جمع الناس تحت سقفٍ واحد اسمه الإسلام. ومن هنا يغدو الألم أعمق من أن تحيط به الكلمات، ويغدو الصمت أحيانًا أبلغ من الخطب. ثم التفتُّ إلى الشاطئ ورماله الفضية، فاندفع شريطُ الذاكرة: لقطاتٌ لا تُحصى من سنواتٍ وسنوات؛ شروقٌ يولد من البحر كل يومٍ في هيئةٍ جديدة، وغروبٌ يختبئ خلف أشجار الصحراء في مشهدٍ لا يتكرر على الصورة نفسها. وتلك البقع التي يرسمها المطر في الصحراء بعد كل موسم، لكل بقعةٍ منها قصة، ولكل قصةٍ ذاكرة، ولكل ذاكرةٍ وجهٌ من وجوه من أحببتُ في هذا المكان. ستبقى يا راس لفان. ستبقى شريانَ خيرٍ وشعلةَ نور، وستعيدك قيادةُ قطر وشبابُ طاقتها إلى ما كنتَ عليه وأكثر. وستزول الأخطار كما تزول كل غمّةٍ عن هذه الأرض التي تعلّمت أن تحوّل المحن إلى منح. وسأعود إليك كما عدتُ اليوم، مشتاقًا، وسأقف على شاطئك، وسيكون الشروق في البحر مختلفًا وكذلك الغروب في الصحراء كما كانا دائمًا. لأنك لا تكرر نفسك، ولأن ما بُني بالحب والإرادة باقٍ لا ينطفئ.
1920
| 24 مارس 2026
يحق لي أن أكتب عنك اليوم بعد تردد، ليس لشيء سوى أن الحديث عن الأمراء والقادة عبر وسائل الإعلام يحتاج لوقفة، فليس كل ما يكتب عنهم هو من صميم القناعة والرضا، فقد تكون المجاملة وكسب الرضا والتقرب، وسائل تستخدم عبر القلم والسطور. ولكن أُشهد الله أنك يا سيدي، بمواقفك الصلبة ونفسك الأبية وشموخك العالي الهمة، منذ سخرك الله ومنحك شرف قيادة هذا البلد وإدارة أموره وأمور رعيته، تثبت في كل مرة أنك رجل المرحلة وقائد فذ شجاع وطني مخلص لبلادك وأهلك، بل تجاوزت ذلك لتشيد في كل مناسبة بأولئك الذين يعيشون بين أحضان هذا الوطن، فكأنك تبعث الطمأنينة في نفوسهم لأنهم جزء من نسيج هذا البلد. في الشدائد تعرف معادن الرجال، وفي الأزمات والصراعات تطل شخصية القائد والزعيم ويُعرف رجل الحكمة والصبر والذي يدرك كيف يدير الأمور بحكمة وبصيرة، دون العنتريات والخطب الرنانة. يشهد التاريخ لهذا البلد ومنذ سنوات عدة بأنه بلد الخير والعطاء والذي لم يبخل في تقديم يد العون والمساعدة وتقديم النصح والإرشاد وقت الشدائد، لذلك حافظت قطر ولسنوات عدة على علاقات مميزة مع كل دول العالم، وكانت عبر قادتها ووزرائها ومسؤولين فيها تطل على المشهد السياسي في كل المحافل العربية والعالمية من أجل أن تقول كلمتها وأمام الجميع وتبدي الرأي والنصح عند يتطلب ذلك. لقد أتاح لي سيدي سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، أن أرافقه في العديد من الرحلات لمختلف دول العالم، ومنها جمهورية إيران الإسلامية، وجلست ضمن الوفد القطري المرافق لسموه، واستمعت بأذني ماذا كان يقول المرشد السيد علي خامنئي، رحمه الله، من إشادة وثناء وتقدير لقطر ومواقفها من إيران وحرص سموه على فتح باب الحوار واحترام الجيرة بين البلدين، كما سمعت نفس الكلام من الرؤساء الذين كانوا في سدة الحكم في إيران بدءا من الرئيس رفسنجاني، رحمه الله، ثم الرئيس خاتمي وبعده الرئيس نجاد، بل كان الرئيس نجاد هو ضيف الشرف في قمة مجلس التعاون في الدوحة عام ٢٠٠٧م، ويذكر كل من تابع المؤتمر الصحفي والذي عقد خلال زيارة سمو الأمير الوالد لإيران في أبريل عام ٢٠٠٦، والمزاح الذي دار بين القائدين حول مشاركة منتخب إيران في نهائيات مونديال ٢٠٠٦ في ألمانيا، مما يعطي انطباعا عن أريحية العلاقة القطرية الإيرانية والاحترام المتبادل بينهما. كنت أظن أن هذه العلاقة المميزة ستكون كفيلة بتجنب تعرض قطر لأي اعتداء من قبل إيران، ولكن ما شاهدته وعشته طوال الأسابيع الماضية جعلني أتحسر على ما ظننت أنه لا يمكن أن يحدث، بل لا أبالغ عندما أقول بأن دول مجلس التعاون حرصت على أن تكون في معزل عن الصراع الدائر بين إيران وإسرائيل وأمريكا، وأبلغت الجانب الإيراني بذلك، ولكن ما حدث هو عكس ذلك وهو معروف لدى الجميع ولا داعي أن أسرد تفاصيله. إنني أعجب لمثل هذه المواقف والتي اتخذتها جمهورية إيران الإسلامية ضد جيرانها العرب، وهذه الصواريخ والمسيرات والتي تتجه لأهداف مدنية وبنية تحتية، دون سبب واضح، كل ما يتردد بأنه ضد القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، وهذا مبرر غير واقعي وغير منطقي، فالقواعد كانت هنا منذ سنوات عدة، وأُبلغت إيران بأن دول المنطقة لن تسمح بأن هذه القواعد تستخدم في الاعتداء على أي دولة. وفي خضم هذه الأحداث والتي تعصف في المنطقة والعالم وتتمحور في هذا الصراع العسكري العنيف في منطقتنا، تطل قطر بقيادتها الحكيمة القوية والتي تعرف كيف تدير الأمور بما يتناسب مع مصلحة الوطن والمواطنين. تحية حب وتقدير وامتنان لمقام سموك الكريم، وأنت تقف بكل ثقة وعزة نفس وشجاعة مقرونة بحكمة وعزيمة لا تلين في مواجهة مثل هذه الظروف، وتحية لشعبك الأبيّ الكريم والذي يبادلك حباً وولاء.
1719
| 24 مارس 2026