رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في يوم من أيام رمضان سقط 64 قتيلاً في كلٍ من الكويت وتونس، بينما جُرح 227 شخصاً في حادث الاعتداء الانتحاري على مسجد الإمام الصادق في دولة الكويت يوم الجمعة الماضي.
تفجير الكويت كان عبرَ شخص يتمنطقُ حزاماً ناسفاً شوهد – عبر كاميرات المسجد – هو يدخل ويبدو جسمه العلوي مُتخماً بالمتفجرات. بينما كان "بطل" حادثة فندق تونس - في سوسة شرقي تونس – طالباً تونسياً أردى مجموعة من السياح بواسطة رشاش وقد تسلل مع مجموعة من خلف الفندق.
بالطبع، فإن مسلسل القتل – في نفس اليوم – طال أكثر من مكان، فقط سقط 45 قتيلاً في الصومال إثر هجوم شنته حركة الشباب الصومالية المتمردة على جنود حفظ السلام الدولية. كما قُتل شخص في هجوم إرهابي على مصنع غاز في مدينة ليون الفرنسية، وكان المهاجم يرفع علم (داعش)، وُجدت جثة الرجل مقطوعة الرأس، وحولها كتابات باللغة العربية. كما قتُل 20 شخصاً في كردفان بالسودان، وقُتل 145 مدنياً في كوباني، إثر تجدد المعارك في درعا وريف دمشق، وقُتل أيضاً 20 شخصاً من قوات الأسد في الحسكة إثر هجوم انتحاري من قبل عناصر (داعش).
نحن في الخليج لم نألف هذه الروح الشريرة التي تطال المدنيين الآمنين، ولم يسبق لآبائنا وأجدادنا أن شهدوا تفجيرات في دور العبادة وفي رمضان بالذات. وهو الشهر الحرام، وأيضاً قتل النفس التي حرّم الله بدون حق !؟ وإذا ما كانت العصبية المذهبية مؤججاً وقادحاً لمثل هذه العمليات، فلقد عاشَ السنة والشيعة مئات السنين في هذه المنطقة لم يجمعهم إلا الاحترام والمحبة، ولم يحدث ما يُعكر صفو أبناء البلد الواحد. فما الذي حدث ؟ وكيف يُقبل الشباب على تفجير أنفسهم وهو في ريعان العمر؟ ولماذا ينظمُون إلى جبهات انتحارية تسلبهم نعمة الحياة ؟ وما هي الدوافع؟
1-نحن نعتقد أن خطاب الكراهية الذي تم تضمينه في الخطاب الدعوي من أهم مُسببات التوجهات الانحرافية في التفكير أو الانضمام إلى الحركات الجهادية أو المتطرفة مثل (القاعدة) و (داعش). ولقد أخبرني صديق خلال مناقشة هذا الموضوع بأنه عمل في بلد خليجي، وكانت تصلهم برشورات قربَ موسم الصيف تدعو الناس إلى عدم تحية "الكفار" أو الشراء منهم، وعدم مشاركتهم أفراحهم، وعدم الابتسام لهم، وأن يضمر المسلم ما لا يُظهر، وغيرها من التعليمات للمسافرين إلى أوروبا بالذات. وهذا التوجه أَضّر كثيراً بعلاقة المسلمين مع الآخر، وبنى عليها المسلمون – محدودو الفكر والتفكير- مواقف استعدت عليهم الأمم الأخرى التي تؤمن بالعدالة والديمقراطية وحقوق الإنسان !؟ وبذلك برزت الصورة "النمطية" للمسلم في عقول الناس وفي وسائل الإعلام الغربية والأمريكية.
2- إن حالة اليأس والإحباط التي عانى منها الشاب – في بعض دول المنطقة – كانت مُحفزاً رئيسياً لهؤلاء الشباب في "تصديق" دعاوى الإرهاب، عبر الوعود الذهبية، مثل الجنة وحور العين، ولاحظوا أن التركيز على (حور العين) من الأمور التي اجتذبت هؤلاء الشباب الذي يعانون الحرمان داخل مجتمعاتهم، وعدم تمكنهم من حتى رؤية الجنس الآخر أو حتى الاقتراب منه!؟ وهذه نتيجة حتمية للتوجهات المتشددة – التي لا تعترف بالاعتدال –والتي حرّفت الدينَ الحنيف ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا)، وقوّضت الدعائم الأساسية لسماحة الدين ورحابته لقبول تلك الأفكار (لكم دينكم ولي دين).
3-غياب العدالة الاجتماعية في بعض دول المنطقة، وتغييب الانتصار للوطن أو الأمة. وكان من نتائج هذا الغياب غيابُ مبدأ تكافؤ الفرص، وشيوع المحسوبية، وعدم عدالة التعيين، وإقصاء الكفاءات، خصوصاً ذات العمق الضعيف في المجتمع. وهذا أدى إلى تدني الإنتاجية، وشيوع الفساد، وغلبة "الفزعة" والانتصار للشخص ( أنا وابن عمي على الغريب)، وهو ما شطرَ المجتمعات وألهاها عن الوحدة الوطنية، بل والشعور بالانتماء للوطن.
4- غياب الحريات العامة في بعض دول المنطقة، وإحساس المواطن بالاختناق من صرامة القوانين أو التعليمات غير المشرعة التي تضع المواطن دوماً في خانة "الاتهام" وأنه يعيش داخل سجن كبير دونما حقوق، ودونما اعتبار للحريات العامة. وهذا يؤدي إلى الإحساس بـ (الاغتراب) المجتمعي والثقافي، مما يُسهل على الجهات المتطرفة اختراقَه، وبالتالي تجنيدَه في عمليات انتحارية.
5- وجود التُّهم الجاهزة في بعض الدول؛ والتي أفرزتها الحالات الأمنية المتلاحقة، وحدوث "سُعار أمني"، يغّلب الشكَّ على اليقين، ويُشيعُ حالة من الخوف والرهبة حتى بين المواطنين المخلصين والمنتجين، فيلجَأون إلى التراخي أو العبور إلى الهوامش خوفاً من حالات "الاشتباه" التي أحياناً تؤدي إلى القضاء على مستقبل المواطن، في الوقت الذي تضيّق عليه مساحة الدفاع عن نفسه ، وهو بالطبع لا يستطيع مقارعة الدولة.
6- لا نختلف على أن ما يجري على الساحة العربية من اغتيالات وحالات انتحارية إنما مصدرها اختلاف المذاهب، خصوصاً بين السنة والشيعة! وللأسف لم تتمكن العقلية العربية الإسلامية الخروج من هذه الأزمة حتى بعد مرور 15 قرناً من الزمان. بل إن الزعامات الدينية ورموزها قد ساهمت في تعزيز وتوطيد تلك الاختلافات على مرِّ العصور، وتبادل الاتهامات والسباب والألقاب المُحقّرةِ بين الطرفين. وهذا ولّدَ حالة من الكراهية تحوّلت إلى العنف بمجرد وصول طرفٍ من الأطراف إلى السلطة – مثل الحالة العراقية واليمنية – أو حصول مجموعات متطرفة على دعم لوجيستي خارجي – مثل القاعدة وداعش وحزب الله وغيرها – ومبادرتها في إعلان الحرب على مناوئيها.
نحن في منطقة الخليج يهمنا أن تبقى دولنا في منأى عن الأفكار الشاردة، والأحقاد الغاضبة، وأن يتعاضد المواطنون بكافة فئاتهم ومذاهبهم نحو مواجهة المخطط الإرهابي الذي يريد الإطاحة بنعمة الله علينا في هذه المنطقة وهي نعمة الأمن. وأن يتم تحويل خطاب الكراهية إلى خطاب تسامح، ورفض الدعوات التي ترفض الآخر، بل وتعديل بعض القوانين التي لا تخدم الوحدة الوطنية، أو تُبرز التفاضل بين أبناء الوطن الواحد. كما يجب توجيه الإعلام ليكون أكثر انفتاحاً على قبول الآخر، ورفض الدعوات الانفصالية، التفضيلية، الإقصائية، التي نراها يومياً على بعض الفضائيات العربية ، خصوصاً الدينية منها.
وأخيراً نقدّم التعازي لإخواننا في دولة الكويت وفي تونس على مصابهم الجَلل، وندعو المولى القدير أن ينعم علينا جميعاً بالأمن والأمان، وأن نساعد الجهات المختصة للقيام بدورها في دعم هذا الأمن، وحماية المجتمع من أية شرور، والقضاء على مسبباتها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5742
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4926
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3075
| 24 سبتمبر 2026