رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

لولوة المضاحكة

[email protected]

مساحة إعلانية

مقالات

195

لولوة المضاحكة

مقهى الرواق

29 مايو 2026 , 03:00ص

رنّ المنبه كعادته في السادسة صباحًا، فأوقف جاسم المنبه ونهض مسرعًا استعدادًا للذهاب إلى الجامعة كان جاسم طالبًا جامعيًا في السنة الرابعة يدرس هندسة الحاسب الآلي بناءً على رغبة والديه اللذين أرادا له أن يصبح مهندس العائلة، لذلك لم يدرس هذا التخصص حبًا وشغفًا كان يحب أن يبدأ يومه في مكتبة الجامعة، يجلس مع كوب دافئ من القهوة في زاويته المعتادة، يتصفح مقررات اليوم بهدوء حتى تبدأ المحاضرات. مرّ اليوم كأي يوم عادي.

* بعد انتهاء يومه، اتجه إلى مقهى الرواق، المكان الذي يجد فيه جاسم روحه وشغفه، لم يكن المقهى مجرد مكان لاحتساء القهوة، بل ملتقى يجمع القرّاء والكتّاب، ومكتبة كبيرة تملؤها الكتب ورائحة الصفحات القديمة، كان جاسم يقضي فيه معظم وقته بين القراءة والدراسة، نظرًا لحبه للأدب والكتابة والفنون، وكان يتمنى دائمًا أن يدرس تخصصًا قريبًا من شغفه كالصحافة، ظل جاسم غارقًا في أفكاره بشأن مستقبله، يلوم نفسه على عدم سعيه وراء حلمه، حتى قاطع أفكاره رجل كبير في السن يسير متكئًا على عصاه، دخل الرجل المقهى واتجه نحو جاسم، ثم أعطاه كتابًا قديمًا وقال له: لا تفتح هذا الكتاب إلا قبل النوم، وعليك أن تغمض عينيك.

* أثار الأمر دهشة جاسم، لكنه أخذ الكتاب وعاد إلى منزله أطفأ الأنوار، وأبقى ضوء القراءة فقط، ثم استلقى على سريره ممسكًا بالكتاب، متحمسًا لمعرفة ما يحتويه، كان كتابًا ثقيلًا، عتيقًا، ذا غلاف بني قديم، أغمض جاسم عينيه وفتح الكتاب، فاهتز المكان من حوله، وسمع صوتًا يقول: يا جاسم، الآن تعيش ما تتمناه، فتح عينيه ليجد نفسه داخل شركة صحافة، وهو مديرها كما كان يحلم دائمًا، سار في مكتبه متأملًا الشهادات المعلقة على الجدران، والتي كانت توثق مشاركاته في مؤتمرات ومعارض عالمية، إضافة إلى الجوائز والاعتمادات التي حصلت عليها الشركة.

* ابتسم جاسم وأكمل يومه، ومرت الأيام حتى بدأت الصحيفة تخسر نجاحها شيئًا فشيئًا بسبب المنافسة وتراجع اهتمام الناس بقراءة الصحف، اقترح أحد الموظفين التوجه إلى نشر الأخبار السطحية والترصد لحياة الأشخاص لجذب الجمهور، فاضطر جاسم إلى الموافقة خوفًا من خسارة الشركة، خاصة مع تراكم الديون، وبالفعل، نجحت الصحيفة في جذب الانتباه لفترة قصيرة، لكن الحقيقة انكشفت لاحقًا، فخسرت الصحيفة جمهورها وسمعتها.

* شعر جاسم حينها بأنه فقد المعنى الذي كان يركض نحوه، فقد خسر نجاحه وشركته وأمواله، حينها تذكر مقهى الرواق، فذهب إليه مسرعًا، لكنه وجده مهجورًا وهادئًا على غير عادته دخل وجلس على الكرسي، واضعًا يديه على وجهه نادمًا، متمنيًا العودة إلى حياته السابقة الدافئة بين الجامعة والمقهى وفجأة، سمع صوت خطوات تقترب منه رفع رأسه ليجد الرجل الكبير في السن ذاته، يحمل الكتاب نفسه أعطاه الكتاب وقال له: «عليك أن تعيش واقعك، وألا تتمنى حياة أخرى، فالخير فيما اختاره الله لنا».

* أدرك جاسم حينها أن الإنسان قد يطارد أحلامًا يظنها النجاة، بينما يكون السلام أقرب إليه مما يتخيل.

مساحة إعلانية