رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عباس عبد الله

مساحة إعلانية

مقالات

141

عباس عبد الله

عبدالله العطية: ربّان سفينة الطاقة القطرية

29 مايو 2026 , 11:24م

حين تُذكر قصة النهضة الاقتصادية القطرية الحديثة، تتقدّم أسماء صنعت التحول الكبير الذي نقل قطر من دولةٍ تعتمد على موارد محدودة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير استثنائي في أسواق الطاقة والاستثمار والتنمية. ومن بين هؤلاء الرجال، يبرز اسم عبدالله بن حمد العطية بوصفه أحد أبرز الرجال الذين رسموا ملامح هذا التحول التاريخي، وأحد العقول الاستراتيجية التي ساهمت في تحويل ثروة الغاز من موردٍ طبيعي كامن في أعماق الأرض إلى مصدرٍ للقوة والازدهار والنفوذ الدولي.

برحيله، لا تفقد قطر مسؤولاً سابقاً أو وزيراً بارزاً فحسب، بل تودّع رجلاً كان أشبه بربّانٍ ماهر قاد سفينة الطاقة القطرية في بحارٍ متلاطمة، حتى أوصلها إلى شواطئ الريادة العالمية. فقد اقترن اسمه بواحدة من أهم المراحل المفصلية في تاريخ الدولة، تلك المرحلة التي قادها صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني حفظه الله، والتي شهدت انطلاقة قطر الحديثة وصعودها الاقتصادي والسياسي على الساحة الدولية.

لم يكن عبدالله بن حمد العطية مجرد مسؤول تنفيذي يدير قطاع الطاقة، بل كان صاحب رؤية استشرافية أدرك مبكراً أن المستقبل لن يُبنى بالنفط وحده، وأن الغاز الطبيعي الكامن في حقل الشمال يمثل مفتاحاً استراتيجياً لنهضة وطن بأكمله. وبينما كانت دول كثيرة تنظر إلى الغاز باعتباره منتجاً ثانوياً، كان العطية يرى فيه ثروة القرن الحادي والعشرين، ويرى في قطر مركزاً عالمياً للطاقة قادراً على إعادة رسم خرائط الاقتصاد الدولي.

لقد شكّل التعاون بين صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني حفظه الله وعبدالله بن حمد العطية نموذجاً فريداً في تلاقي القيادة السياسية بالرؤية الاقتصادية. فبينما وفّرت القيادة السياسية الإرادة والطموح، تولّى العطية مهمة تحويل هذا الطموح إلى مشاريع عملاقة وإنجازات ملموسة. وكان أحد أبرز مهندسي الاستراتيجية التي قامت على تطوير حقل الشمال وإنشاء صناعة الغاز الطبيعي المسال، وهي الاستراتيجية التي غيّرت وجه الاقتصاد القطري بصورة جذرية.

ومن الإنصاف القول إن شطراً بارزا من قصة الازدهار التي تعيشها قطر اليوم يرتبط بتلك القرارات التاريخية التي اتُخذت خلال مرحلة بناء صناعة الغاز. فالعائدات الضخمة التي وفرتها صادرات الغاز لم تقتصر آثارها على قطاع الطاقة، بل أسهمت في بناء البنية التحتية الحديثة، وتطوير التعليم والصحة، وإنشاء المدن الجديدة، وتعزيز الاستثمارات السيادية، وترسيخ مكانة قطر الاقتصادية على المستويين الإقليمي والعالمي.

لقد كان العطية - رحمه الله - يؤمن بأن الثروة الحقيقية لا تكمن في استخراج الموارد فحسب، بل في حسن إدارتها وتوجيهها لخدمة الأجيال القادمة. ولذلك لم يكن ينظر إلى الغاز على أنه سلعة تُباع في الأسواق، بل كان يعتبره جسراً تعبر عليه قطر نحو المستقبل. ومن هذا المنطلق، ساهم في بناء منظومة متكاملة جعلت الدولة أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم لسنوات طويلة، ورسّخت اسم قطر باعتباره مرادفاً للموثوقية والاستقرار في أسواق الطاقة العالمية.

وكان من أبرز ما يميز شخصية عبدالله بن حمد العطية امتلاكه مزيجاً نادراً من الحزم والهدوء، ومن الواقعية والطموح. فقد كان يتحدث بلغة الأرقام، لكنه يفكر بعقلية صانع المستقبل. وكان يدرك أن المشاريع العملاقة لا تُبنى بالشعارات، بل بالتخطيط طويل الأمد والصبر والإصرار والقدرة على اتخاذ القرارات الصعبة في اللحظات الحاسمة.

وفي المحافل الدولية، كان صوت قطر حاضراً بفضل ما يتمتع به من خبرة واحترام ومصداقية. فقد نجح في بناء شبكة واسعة من العلاقات الدولية، وأسهم في ترسيخ مكانة الدولة داخل المنظمات والمؤسسات المعنية بالطاقة. ولم يكن يمثل مصالح قطر فحسب، بل كان يُنظر إليه باعتباره أحد أبرز العقول المؤثرة في صناعة الطاقة العالمية خلال العقود الأخيرة.

وإذا كانت بعض الشخصيات تُقاس مناصبها بعدد السنوات التي أمضتها في مواقع المسؤولية، فإن عبدالله بن حمد العطية يُقاس أثره بحجم التحولات التي ساهم في صنعها. فالبصمة التي تركها في قطاع الطاقة القطري تجاوزت حدود الإدارة اليومية لتتحول إلى إرث استراتيجي ما زالت ثماره تتجدد عاماً بعد عام.

لقد كان واحداً من البنّائين الكبار في مشروع الدولة، ومن الرجال الذين حوّلوا الأحلام الوطنية إلى حقائق اقتصادية راسخة. وكان أشبه بمهندسٍ يضع حجر الأساس بصمت، ثم يترك للزمن أن يكشف عظمة البناء الذي شيّده.

واليوم، بينما تنعى قطر أحد أوفى أبنائها، فإنها تستذكر رجلاً ساهم في كتابة أحد أكثر فصول تاريخها المعاصر إشراقاً. وسيظل اسم عبدالله بن حمد العطية حاضراً في ذاكرة القطريين، ليس فقط كوزير أو مسؤول، بل كأحد أبرز المهندسين الذين صنعوا معجزة التحول الاقتصادي القطري وبناء المستقبل.

رحل الرجل، لكن الأثر باقٍ؛ ورحلت القامة، لكن الإنجاز ما زال يتحدث بلسان التاريخ، شاهداً على مسيرة رجلٍ جعل من الغاز رسالة تنمية، ومن الثروة مشروع نهضة، ومن الرؤية واقعاً يراه العالم بأسره.

اقرأ المزيد

alsharq المؤسسات المالية الخليجية وصياغة معادلة الثقة

تشهد الأسواق العالميّة تطوّرات مستمرّة في تغيّر أسعار الفائدة وتبدّل موازين الاقتصاد الدولي وتطور المشهد الجيوسياسي، ليتبلور بذلك... اقرأ المزيد

102

| 11 يونيو 2026

alsharq الإجازة الصيفية.. ما الذي يبقى في ذاكرة الطفل؟

ينتظر الأطفال الإجازة الصيفية بفرح كبير بعد عام دراسي مليء بالتعلم والالتزام، لكنها ليست مجرد وقت للنوم الطويل... اقرأ المزيد

207

| 11 يونيو 2026

alsharq الإنفوجراف الذكي والتحصيل الأكاديمي

في إنجاز يعكس أهمية البحث التربوي في تطوير العملية التعليمية، حققتُ المركز الثالث في فئة البحث الإجرائي للمعلمين... اقرأ المزيد

57

| 11 يونيو 2026

مساحة إعلانية