رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من هذا الذي يدعو الله أن ينصر دينه، ولا يدعو أن ينصره ولو كان في نصره انتصار للدين؟ من هذا الذي لا يرضى أن يحمده الناس ويذكروه ويمجدوه ويستفيضوا في مدحه، خلاف كل ما كان سائداً في زمانه حتى يوم الناس هذا؟.
لا شك أنه شخص غير اعتيادي، أو لابد أنه خريج حقيقي من المدرسة المحمدية ذاتها، التي تخرج منها أبوبكر وعمر وعثمان وعلي والمقداد وخالد وسعد.
أمر الخليفة العباسي المستضيء بأمر الله، وكنوع من التشريف، أمر خطباء الجمعة أن يدعوا لأحد القادة البارزين في زمانه، بالصيغة التالية: "اللهم أصلح السلطان الملك العادل، العالم العامل الزاهد العابد الورع، المجاهد المرابط نور الدين وعدته، ركن الإسلام وسيفه، قسيم الدولة وعمادها، اختيار الخلافة ومعزّها، وسيد ملوك المشرق والمغرب وسلطانها، محيي العدل في العالمين، منصف المظلوم من الظالمين، ناصر دولة أمير المؤمنين".
لكن القائد ألغى ذلك كله، واكتفى بدعاء واحد هو: اللهم أصلح عبدك الفقير محمود بن زنكي - رحمه الله - الذي قال عنه ابن الأثير: "طالعت السير، فلم أر فيها بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبدالعزيز أحسن من سيرته، ولا أكثر تحريًا للعدل، وكان لا يأكل ولا يلبس ولا يتصرف إلا من مُلك له قد اشتراه من سهمه من الغنيمة.
حين يحدثك أحد عن تحرير بيت المقدس من الصليبيين، فلابد أن تتذكر مع اسم صلاح الدين، اسم القائد الفذ، نور الدين محمود زنكي، الذي كان له الفضل بعد الله في إعداد وتربية وتهيئة صلاح الدين لمهمته التاريخية، التي كما لو يبدو أن الله خلقه لها، وهي تحرير بيت المقدس من دنس الصليبيين.
صلاح الدين ثمرة نور الدين
لو لم يذكر التاريخ لنور الدين زنكي سوى أنه حرر وخلص مصر من حكم الدولة العبيدية، ومساهمته الفعالة في تربية وإعداد صلاح الدين لأداء مهمته المستقبلية في فلسطين، لكفاه فخراً ومجداً أبد الدهر.
مما يروى عنه، رحمه الله، وجاء في سيرته أنه كان شجاعاً مقداماً، يتقدم الجند وقت الهجوم، ويكون حاميهم وقت الشدة والهجوم المضاد. وقد حدث أن التقت قواته بالصليبيين في منطقة تسمى تل حارم بدمياط مصر، حيث كانوا يفوقونهم في العدد والعدة، فانفرد نور الدين تحت تل حارم، وسجد لربه عز وجل، وتضرع قائلاً: "يا رب هؤلاء عبيدك وهم أولياؤك، وهؤلاء عبيدك وهم أعداؤك، فانصر أولياءك على أعدائك، "أيش فضول محمود في الوسط" - أي يا رب إن نصرت المسلمين فدينك نصرت، فلا تمنعهم النصر بسبب محمود - وواصل الدعاء: "اللهم انصر دينك ولا تنصر محموداً.. من هو محمود الكلب حتى يُنصر".
هكذا كان الوضع متوتراً حتى رحل الإفرنج. وقيل بأن أحد العلماء المقربين من نور الدين زنكي، رأى ليلة رحيل الإفرنج في منامه النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد قال له: أَعْلِمْ نور الدين أن الإفرنج قد رحلوا عن دمياط في هذه الليلة، فقال: يا رسول الله، ربما لا يصدقني، فاذكر لي علامة يعرفها، فقال: قل له بعلامة ما سجدت على تل حارم وقلت: يا رب انصر دينك ولا تنصر محموداً، من هو محمود الكلب حتى يُنصر".
قام العالم من نومه مبهوتاً يبحث عن الملك، حتى وجده يصلي بالمسجد، فتعرض له فسأله عن أمره، فيقول: "أخبرته بقصة المنام وذكرتُ له العلامة، إلا أنني لم أذكر لفظة الكلب، فقال نور الدين: اذكر العلامة كلها، وألح علي في ذلك، فقلتها، فبكى رحمه الله وصدق الرؤيا، فجاء الخبر بعد ذلك برحيل الإفرنج في تلك الليلة.
هذه المكانة التاريخية وهذا الأثر والذكر التاريخي المحمود له، لم يأت من فراغ. فلقد تربى في بيئة صنعته صناعة لأن يكون قائداً فذاً تصلح الرعية بصلاحه، ويأمن الناس بوجوده. فمن أولى المهام التي قام بها بعد توليه الحكم، أن ألغى الضرائب أو المكوس التي كانت مفروضة على الناس، باعتبار أنها غير جائزة دون وجه حق أو حاجة فعلية تستدعي الدولة لفرضها. وبنى المدارس، ويقال إنه أول من بنى مدرسة تختص بعلوم الحديث، وقام بتقريب العلماء وطلب من الفقهاء عقد عدة جلسات فقهية في الأسبوع، وكان يحضرها بنفسه ويأمر الحرس بإزالة الحواجز وفتح المجال للعامة لحضور تلك المجالس.
صاحب رؤية ورسالة
كان نور الدين محمود منذ استلام الحكم وهو في الثلاثين، صاحب رؤية واضحة لا تشوبها شائبة. كان يدرك المطلوب منه تماماً أو المفترض أن يقوم به وهو يتولى شؤون المسلمين. كان يدرك أن مهمته الأساسية هي تحرير بيت المقدس من دنس وظلم الصليبيين، وتوفير الأمن والأمان للمسلمين في حدود إمارته والمساهمة في توسيع نطاق ذلك الأمن لتشمل مناطق أوسع من بلاد المسلمين.
لم يكن يحارب الصليبيين على أنهم نصارى، بل لأنهم غرباء عن بلاد المسلمين، جاءوا إليها لاحتلالها وتدنيس مقدساتها ونهب خيراتها، بدليل أنه لم يمس أحداً من أهل الكتاب في إمارته، لا من اليهود ولا النصارى، بل اعتبرهم، كما في المصادر التاريخية، مواطنين لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، ولم يُعرف عنه أنه آذى راهباً أو قسيساً أو مس دور عبادتهم.
كانت العقبة الكبيرة لحياة آمنة مطمئنة للمسلمين كامنة في وجود الصليبيين الغزاة المحتلين لبيت المقدس، أو هكذا كانت الصورة واضحة في ذهن نور الدين، فكانت بالتالي حياته مكرسة لإعداد ما يلزم لإزالة تلك العقبة، سواء كانت على يديه أم غيره، باعتبار أن الأهم عنده هو العمل والمساهمة بشكل صحيح وممنهج لتحقيق ذلك الهدف، أما النتائج فلن يحاسبه الله عليها ولن يكون مسؤولاً عنها، طالما أدى المطلوب منه بما يرضي الله سبحانه. وهذا ما حدث فعلياً، وساهمت تربيته وإعداده للقائد صلاح الدين الأيوبي، في تحقيق رؤيته وما كان يسعى إليه في حياته، وبذلك خلده التاريخ وكتب له ولصلاح الدين المجد والشرف.
هكذا تأمن وتنعم وتصلح الرعية بصلاح ولاتها وقادتها، وإقامة العدل ومنع الظلم. وإن نور الدين زنكي وصلاح الدين ومن قبلهما الفاروق وأبو بكر وعمر بن عبدالعزيز وغيرهم، إنما هم نماذج من كثيرين في هذه الأمة، ممن حياتهم تستحق أن تكون دروساً وعبراً وأمثلة للاقتداء والدراسة والتأمل، من بعد أن دخلوا دائرة من المجد رفيعة عالية دون سعي منهم، بل جاءهم المجد يبحث عنهم. وعلى خطى أولئك العظام نقتدي وندعـو.
لا تنه عن خلق وتأتي مثله
ليس سهلاً على الإنسان منا التوفيق بين القول والفعل، أي أن يجسّد ما يقوله للآخرين على أرض الواقع،... اقرأ المزيد
225
| 10 سبتمبر 2026
لا يسمعون فيها لغواً
لاحِظ معي أنّ الله عز وجل يكافئ عباده المتقين في الجنة، ليس فقط كما نتخيل من جزاءات مادية... اقرأ المزيد
480
| 03 سبتمبر 2026
لن يضروكم إلا أذى
دعوة الإسلام قضت عشرة أعوام مكية بقيادة النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم، تؤسس وتبني دون دخول في... اقرأ المزيد
411
| 26 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4311
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
2586
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1173
| 28 سبتمبر 2026