رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
على مدى أسبوع كامل حفل مؤتمر الأونكتاد الثالث عشر بتغطية إعلامية كبيرة على خلفية انعقاد جلساته في الدوحة وهو ما ترتب عليه ترأس دولة قطر لأعماله في السنوات الأربع التالية. وقد خطر ببالي أن أسأل عددا من الشباب عن مدلول لفظ الأونكتاد في أذهانهم فتبين لي أن الكثيرين قد توقفوا عند مقولة إنه مؤتمر ينعقد الآن في قطر، ولم يتجاوزوا ذلك لما هو أبعد وأقصد بذلك ماهية الأونكتاد؟ وما أهميته في عالمنا المعاصر؟ وماذا فعل في الدوحة؟
بداية أشير إلى أن كلمة الأونكتاد هي اختصار لما يعرف بـ "مؤتمر الأمم المتحدة للتنمية والتجارة" وقد تأسست هذه المنظمة الدولية في عام 1964، بعد أن تزايدت مخاوف الدول النامية من وضعها في ظل نظام عالمي انقسم بعد الحرب العالمية الثانية بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي. وكان العالم قد نجح في تأسيس كافة المنظمات الدولية التي تعنى بالشؤون المختلفة من أمن وتعليم وطفولة وطاقة وعمالة ولاجئين.....إلخ، وفشل في إنشاء منظمة تعنى بشؤون التجارة حتى العام 1994 عندما تأسست منظمة التجارة العالمية. وقد لعبت مؤتمرات الأونكتاد المتعاقبة التي انعقدت دورياً كل أربع سنوات، دوراً مهماً في تذليل الصعاب التي اعترضت طريق إنشاء منظمة التجارة العالمية. وقبل أن نعرض للنتائج التي أسفر عنها المؤتمر الثالث عشر بالدوحة، فإنني أستعرض بعضاً من إنجازات هذه المنظمة في تاريخها الذي يمتد لقرابة نصف قرن من الزمان.
- انعقد أول مؤتمر للأونكتاد في جنيف عام 1964. ونظرا لحجم المشاكل التجارية والتنموية المطروحة آنذاك، وضرورة التصدي لها، فقد تقرر انعقاد المؤتمر كل أربع سنوات، مع إنشاء أمانة دائمة توفر الدعم الفني واللوجستي اللازم لأعمال المؤتمر. وقد تم تجميع البلدان النامية- أو ما يعرف بدول الجنوب- في مجموعة واحدة أطلق عليها جي77 للتعبير ككتلة عن تطلعاتها ومخاوفها، ثم انضمت إليها الصين فباتت تعرف بـ جي77+1 مع ملاحظة أن عدد أعضاء هذه المجموعة وصل اليوم إلى 131 دولة، من أصل 193 دولة عضو في الأونكتاد. وقد وفر الأونكتاد محفلاً حكوميا دولياً للحوار بين دول الشمال والجنوب، ولإجراء المفاوضات حول القضايا التي تهم البلدان النامية، بما فيها المناقشات حول "نظام اقتصادي دولي جديد". ومن بين ما أنجزته الأونكتاد في الماضي:
- إقرار ما يُعرف "بنظام الأفضليات المعمم في التجارة" في عام 1968، بما يوفر لمنتجات الدول النامية فرصاً أفضل للوصول إلى أسواق الدول المتقدمة.
- تعريف العالم بمشاكل ما يُعرف بمجموعة البلدان الأقل نمواً LDC اعتبارا من العام 1971، ولفت الانتباه إلى الاحتياجات الخاصة لهذه البلدان الأكثر فقرا، وأصبحت الأونكتاد جهة التنسيق داخل منظومة الأمم المتحدة المعنية بأقل البلدان نموا لمعالجة القضايا ذات الصلة بالتنمية الاقتصادية فيها.
- ساعدت الأونكتاد في بلورة معيار اقتصادي عالمي لحجم المساعدات التي تقدمها دول الشمال الغنية إلى البلدان الأكثر فقراً، وهو نسبة 0.7% من الناتج المحلي الإجمالي لأي دولة غنية، وهو المعيار الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1970.
- كان للمساعدات التقنية التي قدمتها الأونكتاد إلى البلدان النامية أهمية خاصة في جولة أوروغواي للمفاوضات التجارية، والتي كانت قد بدأت في إطار الاتفاق العام للتعريفات الجمركية والتجارة (الجات) في عام 1986. وكانت للنجاح في تلك الجولة أهمية بالغة في تمهيد الأجواء لقيام منظمة التجارة العالمية. كما قامت الأونكتاد بدور رئيسي في دعم المفاوضات من أجل إنجاز الاتفاق العام للتجارة في الخدمات "جاتس" في عام 1998.
- توسعت وتنوعت المساعدات التقنية التي تقدمها الأونكتاد، وأصبحت اليوم تغطي مجموعة واسعة من المجالات، بما في ذلك المفاوضات التجارية والتدريب، ومعالجة القضايا ذات الصلة بالتجارة، وإدارة الديون، وعمليات استعراض سياسات الاستثمار وتشجيع روح المبادرة؛ والسلع الأساسية؛ وقانون سياسة المنافسة، والتجارة والبيئة.
- وافقت الأونكتاد على اعتماد مجموعة متعددة الأطراف من المبادئ والقواعد المنصفة من أجل مكافحة الممارسات التجارية التقييدية. وقد تطور هذا العمل لاحقا إلى ما يعرف اليوم بـ "سياسات التجارة والمنافسة".
- أكدت الأونكتاد في مؤتمرها العاشر في بانكوك عام 2000، على ضرورة اتباع نهج مختلف لمشاكل البلدان النامية، فأصدر ما عرف باسم "روح بانكوك" - باعتبارها "أجندة إيجابية" بالنسبة للبلدان النامية في المفاوضات التجارية الدولية، وتهدف إلى مساعدة البلدان النامية في فهم أفضل لتعقيدات المفاوضات التجارية متعددة الأطراف وفي صياغة مواقف تلك الدول منها.
ومع دخول العالم في معترك الأزمة المالية العالمية منذ عام 2008، والتي عصفت بالاقتصادات المتقدمة، فإن أجواء جديدة قد طرأت على المشهد الاقتصادي العالمي وبات من الضروري إعادة النظر في تركيبة المؤسسات المالية الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وتم بالفعل توسيع عضوية مجموعة ما يُعرف بالدول السبع الكبرى جي7 إلى جي20 لتضم دولاً فاعلة في الساحة الدولية مثل الصين والبرازيل والهند والسعودية. إلا أن ذلك لم يساعد حتى الآن في تغيير قواعد اللعبة في الساحة الاقتصادية الدولية.
ورغم أن إعلان الدوحة عن المؤتمر-بشأن التنمية المستدامة- لم يصدر حتى ساعة كتابة هذا المقال إلا أن ما تسرب عنه من تصريحات يشير إلى تركيزه على الأزمة المالية وتداعياتها على التنمية في البلدان النامية، والاتجاه إلى اضطلاع مؤتمر الأونكتاد في السنوات المقبلة بدور مهم في الحد من آثار الأزمة المالية العالمية عبر رفع التوصيات والإرشادات إلى المؤسسات المالية الدولية والمجموعات المعنية مباشرة بهذا الملف الشائك، وعبر إطلاق مشاريع للتنمية تعزز من قدرة الدول على مواجهة تداعيات هذه الأزمة. وستمنح وثيقة الدوحة الأونكتاد ولاية جديدة بصلاحيات واسعة اخترقت الأهداف التي تأسس من أجلها المؤتمر، لتشمل مناقشة قضايا التغيرات المناخية وتأثيرها على التنمية، والخدمات والتكنولوجيا، والاستثمار".
ومن الواضح أن انعقاد الأونكتاد في قطر - وهو ما يحدث لأول مرة في دولة عربية منذ انطلاقته الأولى عام 1964- يعتبر إنجازاً كبيراً لدولة قطر، يضاف إلى نجاحاتها السابقة في استضافة المؤتمرات الكبيرة، كما أن نجاحها في صياغة إعلان الدوحة على النحو الذي سيصدر به يدعم الجهود القطرية التي يبذلها حضرة صاحب السمو الأمير المفدى في الساحة الدولية من أجل إحقاق الحق ونصرة القضايا العادلة للشعوب المقهورة وتحقيق التنمية المستدامة.
ما هي السيناريوهات المحتملة لأزمة كورونا؟
مضى قرابة الشهر منذ أن انتشر الكورونا في قطر بشكل مؤكد، في منتصف شهر مارس الماضي عندما صدرت... اقرأ المزيد
2852
| 12 أبريل 2020
نظرة على واقع ومستقبل الأوضاع الاقتصادية
المحنة التي نمر بها هذه الأيام سوف تنبثق منها إيجابيات عديدة في الأجل الطويل بعد مرور ثلاثة أسابيع... اقرأ المزيد
1241
| 05 أبريل 2020
كيف قام مصرف قطر المركزي بما يلزم في مواجهة الأزمة؟
لم يتخلف مصرف قطر المركزي عن القيام بواجباته المنوطة به في ظل الأوضاع المستجدة التي فرضها تفشي وباء... اقرأ المزيد
4527
| 29 مارس 2020
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2550
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2334
| 15 أكتوبر 2026
قد يكون من أهم إنجازات الدولة خلال الأزمات ما لا يشعر الناس بحدوثه: خدمة لم تنقطع، وسلعة لم تختفِ، وعمل استمر، وحياة يومية حافظت على انتظامها رغم الخطر. ومن هذه الزاوية أقرأ خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، حفظه الله، في افتتاح دور الانعقاد السنوي الخامس والخمسين لمجلس الشورى. فقد كشف سموه عما يقف وراء هذا الانتظام، من استعداد طويل وقرارات مدروسة وجهود مؤسسية، ثم حدد المسؤوليات اللازمة لصونه وتطويره. وفي تقديري، فإن إحدى أعمق دلالات الخطاب تكمن في وصل الدفاع عن الوطن بكفاءة إدارة شؤونه؛ فحماية السيادة، واستمرار الخدمات، وحسن استخدام المال العام، وأمانة تقييم الموظفين، تتكامل في بناء دولة تستطيع مواجهة الخطر ومواصلة التنمية. وهنا تتسع قراءة الصمود لتشمل ما يجري داخل المؤسسة، وما تتخذه من قرارات، وما تحققه من نتائج. أوضح سمو الأمير أن قطر حملت خلال الأزمة ثلاث مسؤوليات متزامنة: حماية سيادتها، والوفاء بدورها في أمن الطاقة والاقتصاد العالمي، وإبقاء أبواب الدبلوماسية مفتوحة. وحدد سموه عناصر الاستراتيجية التي أدارت بها الدولة هذه المسؤوليات، من الدفاع عن الوطن بحزم دون الانجرار إلى الحرب، إلى المحافظة على الخدمات وسلاسل التزويد والحياة الاقتصادية، والعمل لوقف إطلاق النار وفتح الممرات المائية والعودة إلى التفاوض. وتكشف هذه المضامين عن دقة الموازنة التي اضطلعت بها الدولة. فإدارة هذه المسؤوليات معًا تتطلب وضوح الأهداف، والتنسيق بين الجهات، وضبط الخيارات تحت الضغط. وبذلك يصبح استمرار الحياة اليومية تعبيرًا ملموسًا عن نجاح عمل واسع، يشترك فيه الدفاع والأمن والدبلوماسية والاقتصاد. وقد نسب سموه استمرار الحياة الطبيعية إلى جهود القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وإلى أكثر من عقد من الإعداد والتدريب والتجهيز. وتمنح هذه الإشارة الاستعداد قيمته الحقيقية؛ فما يُبنى في سنوات الاستقرار تظهر جدواه عندما يحمي الناس ويتيح لهم مواصلة حياتهم في أصعب الظروف. ومن هنا يمكن استخلاص معيار مهم لتقييم السياسات: بعضها تتحقق قيمته في ضرر جرى تجنبه. فالمخزون الذي يمنع نقصًا، وخطة الإمداد التي تحول دون انقطاع، والتجهيز الذي يحمي منشأة، تحقق نتائج قد لا تستوقف الناس، لكنها أساسية لاستقرار المجتمع والاقتصاد. وقد يصعب قياس كلفة الأزمة التي مُنعت، لكن أثرها يظهر في حياة استمرت. في الجانب المالي، ذكر سمو الأمير انخفاض إجمالي الإيرادات خلال النصف الأول من العام بنسبة 42%، مقابل انخفاض المصروفات العامة بنسبة 14%، مع المحافظة على الخدمات الأساسية والأولويات التنموية. وأوضح سموه أن الدولة اتخذت هذا القرار حرصًا على استمرار الزخم الاقتصادي. وتتجاوز دلالة هذه الأرقام بيان حجم الضغط على الموازنة؛ إذ تكشف عن اختيار اقتصادي يحمي النشاط الذي تحتاجه البلاد للتعافي. فالخدمات الأساسية تسند حياة المجتمع، والمشاريع التنموية تدعم أعمال الشركات وفرص العمل، واستمرارهما يحد من انتقال الصدمة إلى مجالات أوسع. وقد نسب سموه إمكان استيعاب تداعيات الأزمة إلى سياسات سبقتها، شملت تعزيز الاحتياطيات وخفض الدين العام وإعداد الموازنة على أسعار نفط متحفظة وتنمية الإيرادات غير النفطية. وفي قراءة هذه العلاقة، تبدو الاحتياطيات رصيدًا يحفظ للدولة مساحة القرار؛ فهي تتيح التعامل مع تراجع الإيرادات دون الاضطرار إلى التخلي سريعًا عن الأولويات التنموية. لكن سمو الأمير قرن هذه المساحة بواجب مواصلة الانضباط المالي ورفع كفاءة الإنفاق ومراجعة البرامج وفق أثرها الفعلي في المجتمع والاقتصاد. وهذا توجيه يضع مسؤولية واضحة على الجهات المنفذة: أن تثبت قيمة ما تنفقه، وأن تراجع برامجها على أساس النتائج. فالبرنامج الذي يحافظ على مخصصاته يحتاج إلى بيان ما يحققه بها، والمشروع الذي يتقدم في التنفيذ يحتاج إلى إظهار أثره في الغاية التي أُنشئ من أجلها. وبهذا تصبح مراجعة الإنفاق وسيلة لحماية التنمية، عبر توجيه الموارد إلى ما يخدمها بصورة أجدى. وتبرز الصلة بين السياسة الاقتصادية والإدارة حين يتناول خطاب سمو الأمير مساءلة القيادات وتقييم الأداء. فقد وجّه سموه إلى تمكين الموظفين ونقل المعرفة وتأهيل الصف الثاني، وربط الترقية والتطوير بالإنجاز والكفاءة وتكافؤ الفرص، وحذر من التطبيق الشكلي لهذه السياسات، مؤكدًا الأمانة في التقييم وأخلاق العمل. وفي تقديري، يحدد هذا التوجيه شرطًا جوهريًا لنجاح الإصلاح: صدق المؤسسة في معرفة أدائها. فإذا تجمّلت النتائج في التقارير، أو مُنحت التقديرات وفق المجاملة، بُنيت القرارات اللاحقة على صورة غير دقيقة. وقد يتجه التدريب إلى غير موضع الحاجة، أو تُسند المسؤولية إلى غير الأجدر، أو يستمر خلل لم يُعترف بوجوده. ولهذا تمتد عدالة التقييم إلى ما هو أبعد من علاقة الموظف بمديره؛ فهي تؤثر في اختيار من يدير الموارد وينفذ المشاريع ويقدم الخدمات. وإنصاف الكفاءة يحفظ حافزها، ويعزز ثقة الموظفين بأن اجتهادهم ينعكس على مسارهم المهني، ويجعل المؤسسة أقدر على تطوير أدائها. ويتصل بذلك ما أورده سموه عن قاعدة البيانات المركزية، واستكمال الربط بين الجهات وتوحيد المعايير وحماية الخصوصية. فالبيانات الموثوقة تتيح رؤية الواقع، والأمانة في التقييم تجعله أساسًا للقرار. وتكتمل قيمة التطوير حين تساعد المعلومات على كشف الخلل، وتجد داخل المؤسسة من يتحمل مسؤولية معالجته. وأكد سمو الأمير أن هدف قطر هو جعل التعافي منطلقًا لتسريع التنويع الاقتصادي وتعزيز القدرات الوطنية. وأشار سموه إلى مشاريع وفرص استثمارية تُقدر بنحو 221 مليار ريال خلال السنوات الخمس المقبلة، وإلى دور مجلس الشورى في مواكبة المرحلة بتشريعات تعزز القطاع الخاص وجاذبية الاستثمار. ومن منظور هذه القراءة، يتحدد أثر تلك الفرص أيضًا بجودة المؤسسات التي تتعامل معها؛ بوضوح الإجراءات، وكفاءة التنفيذ، وحسن المتابعة، والقدرة على معالجة العوائق. وتلك هي الحلقة التي تصل بين التوجيه الوطني والنتيجة الاقتصادية: تحويل الموارد والفرص إلى نشاط منتج وخبرات وطنية ومنافع مستدامة. وفي ختام خطابه، ربط سمو الأمير صمود الدولة بالاستعداد وتنوع الاقتصاد وكفاءة المؤسسات وتكافل المجتمع ومسؤولية الأفراد. وهذه الرابطة تمنح انتظام الحياة معناه الأعمق؛ فهو حصيلة مسؤوليات أُديت، ومكتسبات صينت، وقرارات اتُّخذت في وقتها. لقد كشف خطاب سمو الأمير عن العمل الذي جعل استمرار الحياة ممكنًا، ووضع أمام المؤسسات واجب الارتقاء به. ومن هنا يبدأ الوفاء بتوجيهات سموه في تفاصيل ملموسة: مال عام يُصان، وكفاءة تُنصف، وخلل يُعالج، وخدمة تتحسن. فحين تستمر الحياة تحت الضغط، يظهر أثر الاستعداد؛ وحين ترتقي جودتها بعد الأزمة، يظهر صدق الأداء.
1098
| 14 أكتوبر 2026