رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الدكتور حمد بن عبدالرحمن آل ثاني

مساحة إعلانية

مقالات

48

الدكتور حمد بن عبدالرحمن آل ثاني

ثقافة الاختلاف.. حين يتحوّل الخلاف إلى سلاح

29 مارس 2026 , 03:52ص

لم يعد الاختلاف في عالمنا مجرّد تباينٍ طبيعي في وجهات النظر، بل تحوّل - في كثير من الحالات - إلى سلاحٍ يُستخدم لتصفية الحسابات، وإقصاء الآخر، وتشويه سمعته. المشكلة لم تعد في اختلاف الآراء، بل في العقلية التي تدير هذا الاختلاف، والتي باتت تميل إلى التصعيد بدل الاحتواء، وإلى الهدم بدل البناء.

إن ما نشهده اليوم، على مستوى الأفراد كما على مستوى الدول، يكشف خللًا عميقًا في فهم معنى الاختلاف. فبدل أن يكون مساحة للحوار وتبادل الرؤى، أصبح ساحةً للمشاحنة، وميدانًا لتغذية الكراهية. تُرفع فيه الشعارات، وتُطلق فيه الأحكام، دون التزامٍ بمعايير العدل أو الإنصاف.

الأخطر من ذلك، هو هذا التقلّب الحاد في المواقف؛ حيث يتحوّل الإعجاب إلى عداء، والثناء إلى هجوم، عند أول نقطة خلاف. وكأن العلاقات تُبنى على العاطفة لا على المبادئ، وعلى المزاج لا على القيم. في لحظةٍ واحدة، يُمحى كلّ رصيدٍ سابق، ويُستبدل بخطابٍ قاسٍ لا يعترف إلا بلغة الخصومة.

هذا السلوك لا يعكس قوةً، بل يكشف هشاشة في الوعي، وغيابًا لثقافة التوازن. وقد لخّصت الحكمة العربية هذه الحالة بدقة 

“وعينُ الرضا عن كلّ عيبٍ كليلةٌ، ولكنّ عينَ السخط تُبدي المساويا”.

في المقابل، يضع القرآن الكريم معيارًا صارمًا لا يقبل المساومة، حين يقول تعالى:

“وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ” (المائدة: 8).

إنها ليست دعوة أخلاقية فحسب، بل قاعدة حاكمة لضبط السلوك في أوقات التوتر، حيث يُختبر صدق القيم لا في الوفاق، بل في الخلاف.

ومع تصاعد الحملات الإعلامية، وتضخيم الخلافات، بات من الواضح أن جزءًا كبيرًا من الأزمة يعود إلى توظيف الاختلاف لأغراض تتجاوز الحقيقة، وتخدم أجندات قائمة على التأزيم لا التهدئة. وهنا تتجلّى خطورة ما حذّر منه القرآن الكريم:

“قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ” (آل عمران: 118)،

في توصيفٍ دقيقٍ لحالة الانفلات حين تُترك النفوس لأهوائها.

إن استمرار هذا النهج يعني مزيدًا من الانقسام، ومزيدًا من التآكل في الثقة، ومزيدًا من الفوضى في الخطاب. ولا يمكن مواجهة ذلك إلا بإعادة الاعتبار لثقافة الاختلاف بوصفها قيمةً لا ترفًا، وضرورةً لا خيارًا.

نحن بحاجة إلى خطابٍ يعترف بالتنوّع دون أن يحوّله إلى صراع، ويحتكم إلى العدل دون أن يخضع للهوى، ويؤمن بأن الاختلاف لا يفسد للودّ قضية - إلا حين تُفسده العقول الضيّقة.

وفي النهاية، يبقى السؤال الحقيقي:

هل نملك شجاعة أن نختلف بعدل… أم سنبقى أسرى ردود الأفعال والانفعالات؟. 

اللهم انفعنا بما علمتنا وعلمنا ما ينفعنا

مساحة إعلانية