رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تحرير العلاقة بين المثقف والسلطان بات أمرا ملحا، بعدما لاحت بوادر عدة أشاعت قدرا من الالتباس ينذر بإهدار دور المثقف ومرجعيته الوطنية والتاريخية.
(١)
في الأخبار أن وزير الثقافة المصري عقد اجتماعا يوم السبت الماضي (٢٦/٣) مع مجموعة من المثقفين والكتاب الذين دعوا للالتقاء مع الرئيس عبد الفتاح السيسي قبل ذلك بأيام قليلة (في ٢٢/٣).
وفي الاجتماع الذي استمر ساعتين ناقش المجتمعون القضايا التي أثيرت في الاجتماع الرئاسي، وتم الاتفاق على تشكيل ٣ مجموعات عمل، واحدة تهتم بقضايا الشباب خاصة المحبوسين منهم، الثانية كلفت ببحث أزمة الإعلام وقضايا الحريات ودراسة مواد القوانين التي تسمح بالعقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر، الثالثة ستتولى بحث قضايا العدالة الاجتماعية مع التركيز على أزمة البطالة في المجتمع خاصة بين الشباب.
ومن المقرر أن تنتهي كل مجموعة إلى تصور خلال أسبوعين يناقش في اجتماع جديد تمهيدا للعرض على رئيس الجمهورية في لقاء يعقد بعد شهر، (صحيفة الوطن ٢٧/٣).
في يوم نشر الخبر السابق والأيام التي سبقت ذلك تعددت كتابات بعض المثقفين الذين أشادوا بالاجتماع الرئاسي، فوصفه الأستاذ محمد سلماوي بأنه لقاء «تاريخي فتح الطريق لإحداث نقلة نوعية في علاقة الثقافة بالسلطة». مضيفا أنه وضع لأول مرة آلية جديدة لتفعيل دور المثقفين وتحويلهم من منظرين قد لا يرتبطون ارتباطا مباشرا بالواقع إلى مشاركين في بحث المشكلات التي تواجه المجتمع وتقديم الأفكار لمعالجتها، (الأهرام ٢٧/٣). وذكرت الكاتبة سكينة فؤاد في عدد الأهرام ذاته أن الرئيس عبر في اللقاء عن اهتمامه العميق بأن يستمع ويلتقي كل فكر ورؤية، وإن الدعوة لم تكن لمجموعة من المثقفين وحدها ولكن لقوى مجتمع بأكمله لوضع خريطة عمل تجسد المشاركة المجتمعية للتصدي لتحديات المستقبل.
(٢)
علاقة السلطة بالمثقفين في مصر مرت بأطوار عدة خلال الستين سنة التي أعقبت ثورة ١٩٥٢، ففي المرحلة الناصرية كانت احتفالات عيد العلم مناسبة لتكريم المتفوقين من أهل العلم، وفرصة للرئيس عبد الناصر لكي يخاطب المثقفين ولكي يستمع إلى بعضهم، وفي أكثر من مناسبة فإنه عبر عن تقديره الشخصي لعدد منهم مثل الأساتذة توفيق الحكيم ونجيب محفوظ وخالد محمد خالد، أما الرئيس أنور السادات فقد كانت علاقته متوترة معهم، تجلى ذلك بصورة واضحة في شهر يناير عام ١٩٧٣ حين وجه إليه المثقفون بيانهم الشهير الذي كتبه الأستاذ توفيق الحكيم ووقع عليه أهم مثقفي تلك المرحلة: نجيب محفوظ والدكتور علي الراعي والدكتور لويس عوض وأحمد بهاء الدين وألفريد فرج وثروت أباظة ورجاء النقاش وغيرهم كثيرون.
وفي البيان عبر المثقفون عن قلقهم إزاء الاعتقال إضافة إلى الغليان و«القرف» الذي يستشعره المواطنون في مصر في ظل ما سمي بحالة اللاسلم واللاحرب واستمرار الحديث عن «المعركة» دون أن تكون هناك بادرة تنبئ بقرب حدوثها، حتى أصبحت الكلمة أقرب إلى المهزلة، وفقدت قوتها وفاعليتها بل وصدقها، كما دعا البيان إلى اطلاع الناس على الحقائق وإلى إطلاق حرية الرأي والفكر والمناقشة.
أزعج البيان السادات الذي وجد فيه تقريعا له ونقدا لسياسته، فعبر عن غضبه بمنع ستين شخصا بينهم أهم من وقعوا عليه من الكتابة في الصحف، حتى الأفلام التي كانت مستمدة من قصص الأستاذ نجيب محفوظ منعت من دور العرض. وقبل اغتياله كان غضب السادات قد بلغ ذروته، فأصدر أوامر في عام ١٩٨١ باعتقال أكثر من ١٥٠٠ شخص من معارضي اتفاقيات كامب ديفيد مع الإسرائيليين، وكان من بينهم عدد غير قليل من المثقفين.
كما وجه بإقصاء عدد آخر من الصحفيين ونقلهم إلى وظائف حكومية أخرى (كنت واحدا ممن نقلوا إلى مصلحة الاستعلامات).
الموقف اختلف نسبيا في عهد الرئيس مبارك الذي أطلق سراح معتقلي السادات، ذلك أنه خلال سنوات حكمه الثلاثين اتبع إزاءهم سياسة الإغواء والترويض، وحقق بعض النجاح في ذلك، لكنه لم يخف ضيقه بآرائهم في بعض لقاءاته التي كانت تتم في افتتاح معرض الكتاب.
وفي آخر عهده برزت فكرة انتقاء مجموعة من المثقفين المرضي عنهم ودعوتهم للحوار المباشر معه، ونشرت الصحف آنذاك كتابات نفر منهم أشادوا باللقاء واعتبروه نموذجا للحوار بين السياسة والثقافة (الأهرام ٢/١٠/٢٠١٠). وقد شارك بعض هؤلاء في الاجتماع مع الرئيس السيسي ورددوا فيما كتبوه نفس الأفكار والعبارات التي ذكروها في أعقاب لقائهم مع مبارك.
في عهد الرئيس السيسي ذهبت الأمور إلى أبعد، ذلك أن لقاءاته مع بعض المثقفين تكررت، فقد اجتمع بمجموعة منهم أثناء ترشحه للرئاسة، ثم التقى بهم مرتين بعد تولي منصبه.
وذكرت الأنباء أنه سيلتقي معهم شهريا بعد ذلك، واللقاء الأخير الذي نحن بصدد الحديث عنه ترتبت عليه تكليفات تنفيذية تمثلت في تشكيل مجموعات العمل التي سبقت الإشارة إليها، وعهد إليها ببحث بعض القضايا العامة، التي منها ما هو من اختصاص بعض مؤسسات الدولة ومنها ما مكانه المؤسسات المنتخبة مثل مجلس النواب أو نقابة الصحفيين.
(٣)
المؤشرات تستحق الرصد، لأن أمورا كثيرة تغيرت خلال الأربعين عاما التي أعقبت صدور بيان المثقفين في عام ١٩٧٣، فالإجماع الوطني الذي كان سائدا آنذاك حل محله الاحتقان والانقسام الذي نشهده في مصر الآن.
وإلى جانب الاختلاف في قامات المثقفين وأوزانهم، فإن مثقفي بيان ١٩٧٣ كانوا انتخاب المجتمع ومعبرين عن ضميره، أما من وصفوا بأنهم مثقفون في اللقاء الأخير وما سبقه فهم انتقاء إدارات التوجيه المعنوي وأغلبهم من فريق الموالاة للسلطة، الذين ضم إليهم بعض الشخصيات التي تتمتع بالاحترام، والأولون كانوا مبادرين وغاضبين ودعوتهم الأساسية انصبت على ضرورة مصارحة الشعب وإطلاق الحريات العامة، والآخرون كانوا مدعوين وليسوا مبادرين ولم نعرف أنهم انطلقوا من موقع الاحتجاج والغضب، وقيل لنا إنهم سينتقلون من موقع «التنظير» إلى طور المشاركة في وضع خريطة عمل تستعين بها السلطة، وبذلك تحول «الاحتجاج» في خطاب الأولين إلى «احتواء» في مهمة الآخرين.
إذا صح ذلك التحليل فإنه يثير عديدا من الأسئلة المهمة، التي تعيد إلى الواجهة تعريف المثقف ومعايير شرعيته وطبيعة دوره وحدود علاقته بالسلطة. بعض هذه الأسئلة تقليدية وحسم أمرها إلى حد كبير منذ عقود، إلا أنه في أجواء الهرج الثقافي والخواء السياسي الراهنين اختلت المعايير وتداخلت الحدود، حتى صرنا مضطرين للعودة إلى التذكير بالبديهيات وفتح ملفات القضايا التي تم حسمها. فثمة كلام كثير في تعريف المثقف، الذي وصفه المفكر العراقي هادي العلوي بأنه الذي يتميز بعمق الوعي المعرفي والوعي الاجتماعي. وفرق الفيلسوف الإيطالي انطونيو جرامشي بين المثقف العضوي الذي ينشد التغيير من خلال مشاركته في النضال السياسي والاجتماعي، وبين المثقف النفعي وهو الانتهازي الذي يوظف قدراته ومعارفه لركوب كل موجة، وإدوارد سعيد المثقف الفلسطيني البارز قدم له تعريفا محكما، ترجمه الشاعر مريد البرغوثي استنادا إلى ما أورده الدكتور سعيد في كتابيه «تمثلات المثقف» و«المثقف والسلطة» إذ عرفه بأنه «ذلك الموهوب الذي يقوم علنا بطرح الأسئلة المحرجة»، ويصعب على الحكومات أو الشركات استقطابه، لأنهم لو تمكنوا من استقطابه فقد المثقف بعده النقدي وخان نصه الإبداعي، كما وجب عليه مواجهة كل أنواع التنميط والجمود، لأن المثقف عموما لديه الفرصة لأن يكون عكس التيار، فهو الذي يمثل المسكوت عنه وكل أمر مصيره النسيان أو التجاهل والإخفاء، لأن المثقف الحق لا يمثل أحدا، بل يمثل مبادئ كونية مشتركة لا تنازل عنها، فهو يمثل نبض الجماهير، وهو الذي لا يقبل أبدًا بأنصاف الحلول أو أنصاف الحقيقة، هو الشخص الذي يواجه القوة بخطاب الحق، ويصر على أن وظيفته هي أن يجبر نفسه ومريديه على الالتزام بالحقيقة، هو المثقف «المقاوم»، الذي يقاوم بفكره ونشاطه هيمنة السلطة السائدة بمختلف أنماطها المادية والاجتماعية والسياسية، التي تحتكر البنية الفوقية للمجتمع والسياسة.
في التراث الإسلامي إضافة مهمة إلى ما سبق، تشدد على استقلال المثقف وتضع قيودا على علاقته بالسلطة، صحيح أن الذين خاضوا في الأمر تحدثوا عن ضبط العلاقة بين الفقيه والسلطان، لكننا ينبغي ألا ننسى أن الفقيه كان في صدارة مثقفي تلك الأزمنة، باعتبار أنه لم يكن عارفا بدينه فقط وإنما بزمانه أيضا، ومن الفقهاء من قاد النضال السياسي ومارس دور المثقف العضوي الذي تحدث عنه جرامشي، إذ خصص الإمام أبو حامد الغزالي بابا في كتابه «إحياء علوم الدين» عالج فيه ما يحل وما يحرم من مخالطة السلاطين وحكم غشيان مجالسهم والدخول عليهم والإكرام له ــ وفيه تحذير من تلك المخالطة وكراهة لها، باعتبارها من مواقف الفتن ونقل عن الإمام الأوزاعي قوله «ما من شيء أبغض إلى الله من عالم يزور عاملا»، يقصد حاكما. كما استشهد بمقولة سحنون «ما أسمج بالعالم أن يؤتى إلى مجلسه فلا يوجد فيسأل عنه فيقال عند الأمير»، ومقولة الفضيل «ما ازداد رجل قربا من ذوي سلطان إلا ازداد من الله بعدا».
(٤)
احتفظ بنص مقالة في الموضوع عنوانها «عن مثقفين ناقدين للمعنى» للكاتب السوري حازم نهار نشرتها صحيفة «الحياة» اللندنية في ٢٤/١٢/٢٠١٤. والعنوان واضح في إدانة تردد بعض المثقفين أو تواطئهم بعد الثورة مع النظام الحاكم في دمشق، في هذا الصدد فإنه استشهد بمسرحية الأديب السوري سعد الله ونوس التي نشرها في عام ١٩٩٣ تحت عنوان «منمنمات تاريخية». موضوع المسرحية هو المواجهة التي حدثت عام ١٤٠٠ بين تيمور لنك الغازي التتري وبين ابن خلدون القاضي والمؤرخ والعالم الاجتماعي المعروف. ذلك أن ابن خلدون بإدراكه لموازين القوى وبعد لقائه مع تيمور لنك رأى أنه لا جدوى من تحدي جبروت الطاغية الغازي، في حين أن علماء دمشق أفتوا بوجوب الجهاد دفاعا عن الحق مهما كان الثمن.
وأراد سعد الله ونوس بمسرحيته أن يطرح على المشاهدين سؤالا عن رد فعل المثقف على الظلم، هل يجب أن يرفضه ويقاومه أم عليه أن يحسب نتائج رفضه ومقاومته ويجدد موقفه في ضوئها؟ وخلص الكاتب إلى أن المعرفة تقتضي مسؤولية على من يحملها، وأن الحياد في الثقافة أمام الظلم مرفوض، لأنه ينبغي أن يكون هناك تناسق بين الكلمات ومعناها.
في ختام مقالته قال حازم نهار إن إدانة ونوس لتهرب ابن خلدون من مسؤوليته السياسية تتحدي الجميع، إذ قد يبدو في كثير من الأحيان أنه لا جدوى من احتجاج أو قول الحقيقة في مواجهة السلطان، لكن سعد الله يخبرنا بأن المثقفين يستطيعون أن يصنعوا فرقا، وأن إذعانهم للاستبداد أو حياديتهم أو انتهازيتهم ستؤدي إلى الدمار، والرسالة موجهة إلى الجميع للدرس والاعتبار.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2633
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1027
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
666
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3492
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
1323
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1110
| 06 أكتوبر 2026